سوريا ليست على هامش الحرب “الإسرائيلية” – الأميركية ضد إيران؛ بل تقف في قلب اختبار استراتيجي يحدد ما إذا كانت ستعود ساحة للصراع أم تتحول إلى دولة تفرض إيقاعها على محيط مشتعل.
منذ اللحظة التي خرجت فيها المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من طور الرسائل غير المباشرة إلى ضربات واضحة ضد إيران وأذرعها، لم يعد ممكنا قراءة المشهد السوري بوصفه ملفا منفصلا، فالحرب الجارية ليست اشتباكا حدوديا قابلا للاحتواء، بل عملية إعادة تشكيل قسري لتوازنات الإقليم، وسوريا، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتراكم السنوات الماضية، تقف عند نقطة تماس حساسة بين محور يتعرض للاستنزاف ومحاور تحاول استثمار اللحظة.
المعادلة الجديدة بسيطة في ظاهرها، معقدة في جوهرها، فـ”إسرائيل” تسعى إلى تقويض البنية الإقليمية لإيران، والولايات المتحدة توفر الغطاء السياسي والعسكري، فيما تحاول طهران إدارة الاستنزاف دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكن هذه البساطة تخفي سؤالا أكثر تعقيدا فأين تقف دمشق في هذه الحرب؟
لسنوات، كانت سوريا جزءا عضويا من محور تقوده إيران، مع حضور روسي ضامن وموازن، واليوم تبدو الصورة مختلفة، النفوذ الإيراني انتهى، والحضور الروسي تقلص إلى مستوى عسكري محدود يفتقر إلى المبادرة السياسية الواسعة، وهذا التحول لا يعني أن سوريا خرجت من معادلة المحاور نهائيا، لكنها لم تعد محمية بمظلة صلبة كما في السابق، وهنا يكمن جوهر الإشكالية.
حرب على إيران… وضغط غير مباشر على سلطة دمشق
الحرب “الإسرائيلية” – الأميركية ضد إيران لا تُخاض فقط في سماء طهران أو في مياه الخليج، بل في حسابات الردع، وشبكات الإمداد، وفي خرائط النفوذ الممتدة من العراق إلى لبنان، وسوريا تقع في منتصف هذا القوس الجغرافي.
أي إضعاف استراتيجي لإيران سيترجم تلقائياً إلى إعادة توزيع للقوة داخل سوريا، ليس بالضرورة عبر تدخل عسكري مباشر، بل من خلال إعادة رسم قواعد الاشتباك، وتقليص هوامش بعض الفاعلين، وتوسيع هوامش آخرين، وفي بيئة سوريا لم تستكمل بعد إعادة بناء مؤسساتها الاقتصادية والأمنية، يمكن لأي تغيير في التوازنات الإقليمية أن يخلق فراغا خطيرا.
الرهان “الإسرائيلي” واضح؛ منع تثبيت بنية عسكرية إيرانية طويلة الأمد في سوريا، وضبط الحدود الشمالية لـ”إسرائيل” ضمن معادلة ردع مريحة، أما الرهان الأميركي، فيتجاوز ذلك إلى إعادة هندسة الإقليم بما يقلص قدرة إيران على التأثير، في المقابل، تسعى طهران إلى تثبيت الحد الأدنى من دورها الإقليمي والحفاظ على خطوط ردع بدأت تنهار سريعا.
وسط هذه الحسابات، تبدو سلطة دمشق أمام خيارين، فإما أن تتحول إلى ساحة تصفية حسابات بالوكالة، أو أن تعيد تعريف موقعها كدولة قادرة على إدارة التوازنات لا الارتهان لها.
لبنان يشتعل… وسوريا تحت المجهر
انخراط لبنان في المواجهة الإقليمية وسّع رقعة النار، فلم يعد الاشتباك محصورا بجغرافيا ضيقة، بل بات احتمال التمدد قائما في أي لحظة، وبالنسبة لسوريا، لا يتعلق الأمر بإرسال قوات أو فتح جبهات، بل بإدارة تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية.
أي تصعيد كبير في لبنان سيعني ضغطا أمنيا إضافيا على الحدود، واهتزازا في الأسواق، وتزايدا في القلق الشعبي، كما أن عودة تنظيم “الدولة الإسلامية” لتنشيط خلاياه في بعض مناطق الشرق والشمال تذكّر بأن البيئة الداخلية لم تصل بعد إلى مستوى مناعة يسمح لها بامتصاص صدمات إقليمية متلاحقة.
المشكلة لا تكمن في ضربة هنا أو غارة هناك، بل في تآكل تدريجي لبيئة الاستقرار، فالدول الخارجة من حروب طويلة لا تحتمل اهتزازات متكررة، وكلما طال أمد الحرب على إيران، ارتفعت احتمالات الخطأ الاستراتيجي، أو سوء التقدير، أو الانزلاق غير المقصود.
الفراغ أخطر من الاصطفاف
يبدو الاصطفاف في محور واضح خيارا يوفر حماية آنية، لكنه في السياق السوري الحالي يحمل كلفة عالية، وفي المقابل، فإن الفراغ الاستراتيجي أخطر من الاصطفاف ذاته، فدولة بلا حليف ثقيل، وبلا اقتصاد متماسك، وبلا تسوية داخلية شاملة، تصبح عرضة لتجاذبات لا تملك أدوات التحكم بها.
سوريا اليوم ليست جزءا من محور منتصر، ولا من آخر مهزوم، إنها تقف في منطقة رمادية تشكل فرصة إذا أُديرت بذكاء، وتتحول إلى مأزق إذا تُركت للارتجال.
التحول إلى “دولة فاصلة” بين المحاور لا يعني الحياد الأخلاقي أو السياسي، بل يعني امتلاك القدرة على فتح قنوات متعددة، وتخفيف الاعتماد على طرف واحد، وإعادة بناء أدوات القوة الداخلية من اقتصاد منتج، ومؤسسات أمنية منضبطة، وسياسة خارجية واقعية لا تقوم على الشعارات.
اختبار الدولة لا اختبار المحور
المستقبل السوري لن تحدده نتيجة ضربة “إسرائيلية” أو رد إيراني، بل ستحدده قدرة الدولة على إدارة لحظة التحول، فالحرب “الإسرائيلية” – الأميركية ضد إيران ربما تطول، وتتبدل مستوياتها، لكنها في كل الأحوال تعيد رسم الخريطة الاستراتيجية للمنطقة.
السؤال الحقيقي هل تستطيع “دمشق” تحويل هذا الانعطاف الاستراتيجي إلى فرصة لإعادة تثبيت سيادتها، أم ستجد نفسها مجددا في موقع المتلقي لقرارات تُصاغ خارج حدودها؟
إدارة الفراغ تتطلب شجاعة سياسية، لا اندفاعا عاطفيا، وتتطلب قراءة باردة للمصالح، لا انخراطا في خطاب تعبوي، فالدول التي تنجو في لحظات إعادة التشكيل الكبرى ليست تلك التي ترفع الصوت الأعلى، بل تلك التي تعيد ترتيب بيتها الداخلي وتختار معاركها بدقة.
بين النار وإعادة التأسيس
الحرب على إيران ليست حرب سوريا بالمعنى المباشر، لكنها تمسها في العمق الاستراتيجي، ومع كل تصعيد، يتقلص هامش الخطأ، وبين خطر الانجرار إلى مواجهة غير محسوبة، وخطر التحول إلى ساحة مفتوحة، تقف دمشق أمام لحظة مفصلية.
إما أن تستثمر حالة السيولة الإقليمية لإعادة تعريف دورها، وتثبيت موقعها كدولة توازن، أو أن تترك الآخرين يحددون وظيفتها في معادلة الشرق الأوسط الجديد.
ليست المسألة من سينتصر في جولة عسكرية، بل من سيحسن قراءة ما بعدها، وسوريا، إن أرادت الخروج من ظل الحروب، عليها أن تتصرف كدولة تدرك أن أخطر ما في العواصف ليس قوة الرياح، بل هشاشة البنية الداخلية.

