الفصل من الوظائف في سوريا: البيروقراطية كساحة للعدالة الانتقالية المؤجلة

في تاريخ التحوّلات السياسية، لا تكون الثورات ولا الانهيارات المؤسسية مجرّد تبديلٍ في السلطة، بل في منطق الدولة ذاتها، وفي الحالة السورية، التي تدخل عامها الأول من المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام القديم، تتكشّف ملامح تحوّل آخر، أقل صخبا وأكثر عمقا؛ تحوّل البيروقراطية إلى أداة للغربلة السياسية والاجتماعية.
فمنذ مطلع 2025، أُعلن عما سُمّي رسميا بـ”إعادة هيكلة القطاع العام”، بينما رآه كثيرون بأنه أوسع حملة فصل وظيفي تشهدها البلاد منذ تأسيس الدولة الحديثة.

مشهد رقمي غير مسبوق

تشير التقارير الميدانية والبيانات الرسمية المتفرّقة إلى أن أكثر من 300 ألف موظف يواجهون خطر الفصل أو الإحالة إلى “الإجازة غير المأجورة”، وفي بعض المحافظات الساحلية، مثل اللاذقية، تجاوز العدد 12 ألف موظف مفصول فعليا.
وفي وزارات الخدمات الكبرى، الصحة، التعليم، الكهرباء، وأُعيدت هيكلة آلاف العقود تحت شعارات “الكفاءة” و”التحقق من النزاهة”، لكن دون معايير واضحة أو لجان مستقلة.
تم فصل 500 عامل من الشركة العامة للفولاذ في حماة، و1470 موظفا من مديرية الصحة في المدينة نفسها، بينما أُغلق مستشفى الحفّة في ريف اللاذقية أمام عشرات العاملين.
وفي القطاع الإعلامي، تحوّلت إذاعة “شام إف إم” والقناة الإخبارية السورية إلى ساحتين لمعارك داخلية، حيث سُجّلت استقالات جماعية احتجاجا على ما وُصف بأنه “تصفية على أساس الولاء”.

البيروقراطية كسلاح سياسي

في تحليل العدالة الانتقالية، فإن الدول الخارجة من الأنظمة السلطوية غالبا ما تواجه صداما، وبين منطق العدالة القانونية والعدالة الرمزية، فبينما يُطالب الناس بمحاسبة المجرمين السابقين، تُحاول المؤسسات الناشئة استعادة السيطرة عبر أدوات إدارية كالفصل والتعيين والإقصاء.
في هذا السياق، يمكن قراءة موجة الفصل في سوريا بوصفها محاولة لإعادة ترسيم خريطة الولاء داخل الدولة، فالإقصاء لم يكن عقوبة قانونية تستند إلى محكمة أو لجنة تحقيق، بل أداة “غربلة سياسية” تُخفي وراءها شبكة من الانتماءات الجديدة التي تريد المرحلة الانتقالية تكريسها.
بهذا المعنى، يصبح المكتب الحكومي، لا المحكمة، ميدان العدالة الانتقالية الأولى، لكن العدالة هنا لا تُوزّع بالتساوي، فالكثير من المفصولين ليسوا متورطين في فساد أو جرائم، بل منتمون لمناطق أو طوائف أو توجهات سياسية اعتُبرت “مرتبطة بالنظام السابق”.
إنها، عدالة مؤسساتية انتقائية” فهي آلية تُستخدم فيها لغة الإصلاح لتبرير إعادة الهيكلة السياسية.

بين الحاجة للإصلاح ومخاطر الاجتثاث

لا شكّ أن الجهاز البيروقراطي السوري مثقل بتشوهاتٍ عمرها عقود؛ تضخّم وظيفي، ومحسوبية، وغياب كفاءة، غير أن الطريقة التي تُدار بها عملية “التطهير الإداري” تجعل من الإصلاح مسارا محفوفا بالمخاطر،
ففي غياب إطار تشريعي واضح، تحوّل القرار الوظيفي إلى أداة “عقاب جماعي” تمارسها السلطات الجديدة تحت لافتة النزاهة.
ويشير باحثون في “المعهد السوري للسياسات العامة” إلى أن أكثر من60% من قرارات الفصل الصادرة منذ فبراير 2025 لم تُستند إلى تقارير تفتيش فعلي، بل إلى توصيات “أمنية أو سياسية” من اللجان المحلية.

في تجارب انتقالية مشابهة، مثل جنوب أفريقيا أو تشيلي، كان الإصلاح الإداري جزءا من عملية عدالة انتقالية تشاركية، تضم لجان الحقيقة وإعادة الإدماج، أما في سوريا، فتبدو القرارات أقرب إلى “تفكيك البنية القديمة دون بناء بديل مؤسسي”، ما يجعلها عدالة بلا ذاكرةتُعاقب الماضي دون أن تُحوّله إلى درس مؤسس للمستقبل.

الوجه الاجتماعي للفصل

خلف الأرقام تكمن مأساة إنسانية صامتة.
فالفصل من الوظيفة في بلد أنهكته الحرب ليس مجرّد خسارة راتب، بل انهيار لشبكة الأمان الأخيرة التي تمسك بالعائلة، في حماة، يقول أحد الممرضين المفصولين: “عملت في المستشفى ثلاثين عاما، وفي يوم واحد وجدت اسمي على لائحة الإعفاءات، لا أحد سأل عن سجلي، ولا عن مرضاي.”
هذا الصوت الفردي يعكس أزمة أوسع، حيث انعدام الثقة بين الدولة والمواطن، فالمرحلة الانتقالية التي كان يُفترض أن تُعيد الثقة بين الشعب والإدارة، تحوّلت إلى مرحلة شكّ متبادل، حيث يرى المواطن في الدولة جهازا عقابيا لا إصلاحيا.

وهنا يظهر البعد الأخطر؛ تآكل رأس المال الاجتماعي، فحين يتحوّل الفصل إلى سياسة عامة، يصبح الخوف هو المعيار الجديد للولاء.
وبدل أن تكون الوظيفة أداة للاندماج، تتحوّل إلى أداة للإقصاء، ما يعمّق الانقسام داخل المجتمع الإداري ذاته.

دولة العدالة المؤجلة

العدالة الانتقالية لا تنجح إذا بدأت بالعقاب قبل الاعتراف، فالمحاسبة تحتاج إلى سردية وطنية مشتركة، تعترف بالخطأ وتحدّد المسؤولية ويمنح المجتمع فرصة للمصالحة.
أما في الحالة السورية، فالفصل الوظيفي يتم في صمت بيروقراطي كامل، بلا رواية عامة، وبلا لجان مستقلة، وبلا حق في الاستئناف، فتتحوّل العدالة إلى “تقنية إدارة”، ويفقد الفعل الإصلاحي معناه الأخلاقي.

إن العدالة الانتقالية السورية بدأت من الطابق الرابع لوزارة التنمية الإدارية، لا من قاعة المحكمة، ولذلك فهي تفتقد للشفافية والرمزية؛ إذ لا يعرف المفصول لماذا فُصل، ولا المجتمع لماذا سُمح لغيره بالبقاء، ويمكن وصف مثل هذه الحالة إسكات من خلال الإدارة، حيث تتحول الإجراءات الإدارية إلى وسيلة لمحو الذاكرة الجمعية.

برغم قتامة المشهد، فإن ما يحدث اليوم يفتح نقاشا ضروريا حول هوية الدولة السورية الجديدة.
فهل ستكون دولة عدالة أم دولة استبدال؟
وهل الهدف تصحيح أخطاء الماضي أم استبدال النخب القديمة بجيلٍ جديد من المقرّبين؟

البيروقراطية كمرآة للعدالة

في دراسات الحوكمة والسياسات العامة يتم وصف المؤسسات بأنا “ليست جدرانا، بل ذواكر جماعية”،
وهذا القول ينطبق على سوريا اليوم، فالمؤسسة الإدارية ليست جهازا جامدا، بل مرآة لعمق الدولة، وإذا واصلت السلطة الانتقالية اعتماد أدوات الفصل والإقصاء كوسيلة لإدارة المشهد، فإنها تُكرس نمطا سلطويا جديداً يقوم على التحكم لا الإصلاح، وإنْ اتخذَ خطابا مغايرا وشعارات أكثر حداثة.

العدالة الحقيقية ليست في إقصاء الموظفين وطردهم، بل في تمييز المذنب من البريء، وفي إتاحة المساءلة للجميع، وإعادة بناء سوريا لا تبدأ من الأبراج السياسية، بل من مكاتب الموظفين الصغار الذين يشكّلون نسيج الدولة، فمن هناك يُبنى الثقة، ومن هناك يبدأ العدل.

ما يجري في سوريا اليوم ليس مجرّد فصلٍ من الوظائف، بل فصلٌ في معنى الدولة ذاته، فإما أن تتحول الإدارة إلى أداة شفاء واعتراف، أو تبقى أداة إقصاء وإنكار.
وبين هذين الخيارين، يُعاد تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة، بين العدالة والبيروقراطية، وبين الوطن والوظيفة.

ولعلّ أخطر ما في المرحلة الانتقالية ليس غياب العدالة، بل استبدالها بإدارة بلا ذاكرة، فحين يُفصل الإنسان بصمت، تموت العدالة مرتين؛ مرة في المحكمة، ومرة في الديوان.

📊 الفصل من الوظائف في سوريا – 2025

تحليل بياني يوضح حجم واتجاهات قرارات الفصل الوظيفي في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، مع عرض لتوزيع الأعداد بين القطاعات والمحافظات الأكثر تضرراً.

📈 نظرة عامة رقمية

300,000

موظف مهدّد بالفصل أو الإيقاف الإداري

12,000+

مفصولون في اللاذقية وحدها

2,500

فصل خلال شهرين في قطاع الكهرباء

1,470

حالات فصل في مديرية الصحة بحماة

🏢 القطاعات الأكثر تضرراً

🗺️ التوزيع الجغرافي

🔍 قراءة تحليلية

تكشف البيانات عن نمط فصل إداري واسع النطاق يغلب عليه الطابع غير الشفاف. تتركز العمليات في القطاعات الخدمية الكبرى، وتشير الاتجاهات إلى أن الأهداف المعلنة للإصلاح الإداري تتقاطع مع عملية إعادة هيكلة سياسية واجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *