أعاد الإعلان عن توقيع مذكرة تفاهم للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، بحضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس براك، طرح ملف الطاقة بوصفه رسالة سياسية محسوبة لا تقل أهمية عن أبعاده الاقتصادية المباشرة.
مع هذه الخطوة، يعود استخدام ملف الطاقة لإعادة تعريف الموقع السياسي لسوريا، لا مجرد عنوان استثماري تقني، وتغدو الموارد الهيدروكربونية لغة مفضلة لإعادة التموضع في الإقليم والعالم، غير أن التحليل يبدأ من تفكيك الخطاب قبل التسليم به، ما الذي تغير فعليا؟ وما الذي لم يتغير بعد؟
السياسة أولا… ثم الاقتصاد
مذكرات التفاهم في جوهرها، ليست عقودا تنفيذية، فهي لا تُطلق حفارات أو منصات إلى البحر، ولا تُنتج برميلا واحدا، فهي وثائق تمهيدية، غالبا غير ملزمة، تُستخدم لاختبار النيات وفتح قنوات قانونية أولية وتبادل بيانات، في السياق السوري، تتضاعف هذه الوظيفة الإشارية، فمجرد تداول اسم شركة كبرى مثل Chevron يحمل رسالة سياسية بقدر ما يحمل وعدا اقتصاديا بأن ثمة رغبة في كسر العزلة، أو على الأقل اختبار حدودها.
السياسة حين تتقدم على الاقتصاد تُغري بالمبالغة، والانتقال من مذكرة تفاهم إلى تنقيب فعلي يمر عبر مسار طويل، من عقود استكشاف وإنتاج ملزمة، وموافقات سيادية وبيئية، ومعالجة آثار العقوبات، وضمانات تمويل وتأمين، وهذه ليست تفاصيل تقنية، بل محددات حاسمة تجعل الفارق بين إعلان رمزي واستثمار حقيقي.
ماذا تقول الجيولوجيا؟
يقع الساحل السوري ضمن Levant Basin، وهو الحوض ذاته الذي شهد اكتشافات غازية مهمة في شرق المتوسط، والقرب الجيولوجي هو أساس التفاؤل العلمي، لا السياسي، وتقاريرUS Geological Survey قدرت وجود موارد غير مكتشفة كبيرة على مستوى الحوض ككل، لكنها لم تمنح أي دولة، ومنها سوريا، أرقاما لاحتياطيات مُثبتة.
الفارق هنا جوهري فالاحتمال الجيولوجي لا يساوي اكتشافا، والدراسة الزلزالية لا تُغني عن الحفر، وسوريا، حتى الآن، لم تُنجز بئرا بحرية عميقة واحدة قبالة سواحلها، فما يوجد هو مؤشرات ونماذج مقارنة، لا حقول مُنتجة، ومن دون الحفر، تبقى الأرقام في خانة التقدير النظري، لا الاقتصاد الفعلي.
العقود الروسية: الإرث المُعقد
منذ عام 2013، وُقعت عقود تنقيب بحرية مع شركات روسية، أبرزها SoyuzNefteGaz، على بلوكات محددة، وهذه العقود لم تُفض إلى اكتشافات تجارية، وتعطلت بفعل العقوبات وارتفاع الكلفة والمخاطر، ومن المهم هنا التمييز بين منح حقوق حصرية على بلوك بعينه، وبين السيطرة على كامل الساحل السوري، فالأولى حدثت، والثانية لم تحدث.
قانونيا، تسمح عقود الطاقة بإعادة طرح البلوكات غير المُنجزة إذا لم تُستكمل برامج العمل ضمن الجداول الزمنية، لكن أي إعادة ترتيب تتطلب شفافية قانونية وتوافقات سياسية واضحة، وإلا يتحول الملف إلى عبء إضافي على أي مستثمر محتمل، بدل أن يكون فرصة.
لماذا الآن؟
السؤال “لماذا الآن؟” يفتح باب القراءة السياسية الأوسع، ففي عالم ما بعد النزاعات، تُستخدم الطاقة أحيانا كرافعة لإعادة الإدماج التدريجي في النظام الاقتصادي الدولي، غير أن هذه الرافعة لا تعمل في الفراغ، فالسوق على عكس الخطاب لا ينجذب إلى الرموز، بل إلى تقليل المخاطر من الاستقرار القانوني والقدرة على تحويل الأرباح، وضمانات الملكية.
من هذه الزاوية، تبدو مذكرة التفاهم أقرب إلى إعادة تموضع رمزي منها إلى قرار استثماري نهائي، فهي تقول إن سوريا ترغب في العودة إلى طاولة شرق المتوسط الطاقية، لكن العودة الفعلية تتطلب شروطا لم تكتمل بعد.
الاقتصاد السياسي للطاقة
النفط والغاز ليسا مجرد موارد طبيعية؛ إنهما سياسة بوسائل أخرى، فالحديث عن فرص عمل وحياة أفضل صحيح من حيث المبدأ، لكنه مشروط بسلسلة من القرارات الحاسمة، فكيف ستُدار العائدات؟ ما نموذج تقاسم الإنتاج؟ ما معايير الشفافية والمساءلة؟ وهل ستُبنى سلاسل قيمة محلية أم سيبقى الأثر محدودا؟
تجارب المنطقة تُظهر أن الاكتشافات حين تحدث تُسرع النمو أو تُعمق الاختلالات، تبعا للحوكمة، من دون إطار مؤسسي متين، تتحول الوعود إلى خيبات، وتغدو الطاقة عبئا بدل أن تكون فرصة تنموية.
الإعلام بين الخبر والتوقع
في مثل هذه الملفات، يُختبر الإعلام مهنيا، فالتهويل يبيع العناوين، لكنه يُفلس الثقة، والمطلوب هو الفصل الواضح بين الخبر، توقيع مذكرة تفاهم، وبين التوقع والتنقيب والإنتاج، كما يجب التمييز بين الإشارة السياسية والواقع الجيولوجي، فالقارئ لا يبحث عن الإثارة بقدر ما يبحث عن السياق، وعن إجابة صادقة لسؤال ما الذي نعرفه حقا، وما الذي لا نعرفه بعد؟
يمكن تلخيص المشهد في أربع نقاط أساسية:
أولا، مذكرة التفاهم لا تعني بدء التنقيب، بل تمهيدا سياسيا–قانونيا.
ثانيا، الجيولوجيا واعدة نظريا، لكنها غير مثبتة ميدانيا.
ثالثا، العقود السابقة لا تُغلق الباب، لكنها تُعقد العبور.
رابعا، التحول الحقيقي مرهون بالحوكمة والاستقرار وتصفية المخاطر.
بين التفاؤل المفرط والتشكيك المطلق، هناك مساحة للعقل والتحليل الهادئ، وسوريا ممكن أن تصبح جزءا من قصة شرق المتوسط الطاقية يوما ما، لكن الطريق إلى ذلك اليوم أطول وأعقد مما توحي به التصريحات، وفي عالم الطاقة، كما في السياسة، لا يكفي أن تشير البوصلة إلى الاتجاه الصحيح؛ الأهم أن تكون السفينة صالحة للإبحار.
النفط والغاز في السواحل السورية: قراءة نقدية
يطرح ملف الطاقة السورية بوصفه رسالة سياسية محسوبة لا تقل أهمية عن أبعاده الاقتصادية المباشرة. يعود ملف الطاقة ليُستخدم لإعادة تعريف الموقع السياسي لسوريا، غير أن التحليل يبدأ من تفكيك الخطاب قبل التسليم به، ما الذي تغير فعليا؟ وما الذي لم يتغير بعد؟

