حين ننظر إلى الحوادث التي شهدتها سوريا ضد المسيحيين بين مطلع عام 2025 و24 شباط 2026، يبدو المشهد للوهلة الأولى سلسلة متفرقة من الاعتداءات؛ تفجير كنيسة هنا واغتيال فردي هناك وتخريب رمزي في مكان آخر، غير أن القراءة التحليلية الأعمق تكشف أن هذه الوقائع ليست مجرد أحداث أمنية معزولة، بل هي تعبير عن طبيعة بيئة سياسية جديدة تشكلت بعد سقوط النظام المركزي تتسم بفراغ السلطة، وتعدد مراكز القوة، وانهيار الاحتكار الشرعي للعنف.
إن السؤال الحقيقي ليس لماذا حدثت هذه الحوادث؟ بل ما الذي سمح بحدوثها بهذا الشكل وبهذه الكلفة المنخفضة على مرتكبيها؟
من الدولة السلطوية إلى الدولة المبعثرة
على امتداد عقود، اتسمت بنية الدولة السورية بدرجة عالية من المركزية الإدارية والأمنية، مع تركز واضح لسلطات اتخاذ القرار واحتكار مؤسسي لاستخدام القوة ضمن أجهزة الدولة الرسمية، وهذا النموذج وفر مستوى مرتفعا من الضبط والاستقرار الأمني، وأنتج منظومة حكم تعتمد على إدارة مركزية صارمة للملفات السياسية والأمنية، وقلص هامش الفاعلين غير الحكوميين في المجال العام.
عقب تفكك البنية المركزية في أواخر عام 2024، دخلت البلاد مرحلة انتقالية اتسمت بإعادة توزيع مراكز القوة بدل استبدالها مباشرة بإطار مؤسسي مستقر، وبرز تعدد في الفاعلين المسلحين، وتداخلت مصادر الشرعية بين محلية وإقليمية، فيما شهدت المنظومات الأمنية حالة إعادة تشكل انعكست في تفاوت أنماط الضبط بين منطقة وأخرى.
تكشف تجارب التحولات السياسية أن الانتقال من نموذج حكم مركزي شديد التمركز لا يفضي تلقائيا إلى نظام مؤسسي متماسك، بل يمر بمرحلة تتراجع فيها قدرة الدولة على الاحتكار المنظم لاستخدام القوة قبل أن تعاد صياغته ضمن ترتيبات جديدة.
البيئة السياسية الجديدة لم تكن فوضى شاملة، لكنها كانت فوضى انتقائية:
- هناك مناطق آمنة نسبيا.
- وأخرى تخضع لسلطات هجينة.
- وثالثة تتقاسمها شبكات مسلحة غير خاضعة للمساءلة.
في هذا السياق، لا يصبح العنف سياسة رسمية، بل خيارا منخفض المخاطر.
الأقليات في لحظة السيولة
تاريخيا، حين تمر الدول بمرحلة انتقال هش، تكون “الأقليات” أول من يستشعر الخلل، ليس لأن هناك دائما مشروعا منظما لاستهدافها، بل لأنها الأكثر حساسية تجاه إشارات الانفلات.
المسيحيون في سوريا، الذين تقلص عددهم بفعل سنوات الحرب والهجرة، وجدوا أنفسهم في بيئة جديدة بلا ضمانات واضحة، فلم تظهر سياسة رسمية عدائية تجاههم، لكن غاب ما هو أهم: الردع الواضح.
تفجير الكنيسة في دمشق شكل حدثا مفصليا، لا فقط بسبب عدد الضحايا، بل لأنه كسر افتراضا ضمنيا بأن دور العبادة خارج دائرة الاستهداف المباشر، وعندما تخترق “الرمزية الآمنة”، يتحول الأثر النفسي إلى مضاعف للقوة المادية للهجوم.
أما حوادث القتل الفردية، فهي تكشف نمطا أكثر تعقيدا، ففي كل مرة، تبدو الأسباب ملتبسة:
هل هو نزاع ملكية؟
هل هو سلب مسلح؟
هل هو دافع طائفي مستتر؟
لكن ما يتكرر ليس الدافع بقدر ما يتكرر غياب الحسم القضائي العلني، وفي المجتمعات الخارجة من نزاع طويل، الغموض يولد روايات، والروايات تولد خوفا.
السياسة بوصفها إدارة للرمزية
في الأنظمة المستقرة، تقاس السياسة بالقوانين والميزانيات، أما في الدول الانتقالية، فتقاس السياسة بإدارة الرمزية، فالاعتداء على كنيسة ليس مجرد عمل عنفي، بل رسالة، وتخريب صليب ليس مجرد تدمير، بل إشارة.
المشكلة في البيئة السياسية السورية الجديدة أنها لم تنتج بعد خطابا جامعا قادرا على تحييد هذه الرمزية، فهناك تصريحات إدانة، لكن لا يوجد مشروع سردي واضح يعيد تعريف المواطنة بعيدا عن توازنات الطوائف.
الفراغ هنا ليس قانونيا فحسب، بل رمزي أيضا، وعندما يغيب السرد الوطني الجامع، تملأه السرديات الصغرى: من الخوف والضحية، والانتقام المؤجل.
العنف منخفض الكثافة – مرتفع التأثير
من الناحية الكمية، عدد الحوادث ليس ضخما مقارنة بما شهدته طوائف أخرى، لكن النوعية تغيرت، فنحن أمام نمط يمكن تسميته بـ “العنف منخفض الكثافة – مرتفع التأثير”، فحادثة واحدة كبرى كفيلة بإعادة إنتاج شعور انعدام الأمان لشهور، وجريمة فردية واحدة في حي مختلط قادرة على دفع عائلات إلى التفكير بالهجرة.
هذا النمط يرتبط مباشرة بطبيعة البيئة السياسية، فعندما لا تكون هناك سلطة مركزية قادرة على فرض عقاب سريع وشفاف، تتحول كل حادثة إلى اختبار لهيبة الدولة، وإذا لم يأت الرد مقنعا، تتراكم الانطباعات بأن الكلفة على الجاني محدودة.
السياسة هنا لا تقاس بعدد الدوريات الأمنية، بل بقدرة الدولة على تحويل الجريمة من حدث سياسي إلى ملف قضائي محسوم.
الاقتصاد السياسي للعنف
لا يمكن قراءة هذه المرحلة بمعزل عن الاقتصاد، فالنزاعات العقارية في حمص وحلب وريف دمشق ليست تفصيلا جانبيا، وفي بيئة شهدت نزوحا واسعا وتغييرا ديموغرافيا قسريا، تصبح الملكية مجالا للصراع الصامت.
بعض حوادث القتل الفردية ربما لا تكون ذات دافع ديني مباشر، لكنها تقع عند تقاطع الطائفة والملكية والضعف القانوني، وهنا يصبح الانتماء الديني عاملا مضاعفا للضغط، حتى لو لم يكن هو الدافع المعلن.
العنف في هذه الحالة ليس أيديولوجيا خالصا، بل أداة في صراع موارد.
بين التهويل والإنكار
ثمة خطران متوازيان في تحليل هذه المرحلة:
الأول: التهويل، واعتبار كل حادثة دليلا على مشروع تطهير منظم.
الثاني: الإنكار، واعتبار كل حادثة جريمة جنائية معزولة بلا سياق.
الحقيقة تقع في منطقة وسطى أكثر تعقيدا، فلا توجد معطيات تؤكد حملة إبادة منهجية، لكن توجد مؤشرات واضحة إلى بيئة تسمح باستهداف انتقائي دون ردع كاف، والتحليل يقتضي الاعتراف بالهشاشة دون السقوط في خطاب الذعر.
إذا استمرت البيئة السياسية على حالها من تعدد مراكز القوة، وضعف المحاسبة، وغموض التشريعات الانتقالية، فمن المرجح استمرار نمط العنف المتقطع، ليس لأن هناك قرارا مركزيا بالعنف، بل لأن غياب القرار الحاسم ضد العنف يخلق فراغا يغري به.
الدولة كفكرة قبل أن تكون مؤسسة
التحدي الأكبر في سوريا اليوم ليس فقط إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل إعادة بناء فكرة الدولة نفسها بأن:
- العنف ليس أداة مشروعة خارج إطار القانون.
- الانتماء الديني لا يحدد درجة الحماية.
- الجريمة لا تترك للتأويل.
الحوادث التي شهدناها خلال 2025–2026 ليست مؤشرا على حرب طائفية شاملة ضد المسيحيين، لكنها جرس إنذار لمرحلة انتقالية لم تحسم قواعدها بعد.
السياسة ليست إدارة للأحداث، بل إدارة للاحتمالات، وما تكشفه هذه المرحلة هو أن الاحتمال الأخطر ليس في كثافة العنف، بل في اعتياده، وما لم تستعاد هيبة القانون بوصفه مرجعية جامعة، ستظل كل حادثة، مهما كانت فردية، تحمل وزنا يتجاوز حجمها، وتذكر السوريين بأن الدولة، في لحظات الانتقال، قد تكون موجودة شكلا، وغائبة فعلا.
العنف ضد المسيحيين في سوريا
- هشاشة الأجهزة الأمنية ▲▲▲
- عودة خلايا جهادية ▲▲
- نزاعات عقارية ▲▲▲
- خطاب تحريضي رقمي ▲▲
- انعدام ضمانات للأقليات ▲▲▲
لا توجد حملة تطهير ممنهجة، لكن البيئة تسمح باستهداف منخفض الكلفة. الخطر في تراكم الإشارات الصغيرة التي تعيد إنتاج الخوف الوجودي.
- استمرار حوادث قتل فردية متفرقة
- احتمال عملية رمزية كبرى واحدة على الأقل
- اضطراب منخفض الكثافة – مرتفع التأثير

