سوريا بعد 2024: معرض 2026 بين إعادة تشكيل الشرعية وصعود الخطاب الديني

في عام 2026، لم يكن المشهد داخل أروقة معرض دمشق الدولي للكتاب حدثا ثقافيا اعتياديا، فبين عازف عود تحلق حوله شبان يرددون شتائم ضد الرئيس حافظ الأسد، ومسيرة أطفال مع شيخ وهم يهتفون “الله أكبر” و”غزة جهاد”، بدا أن المعرض تحول إلى مسرح يعكس توترا أعمق من مجرد حيوية جماهيرية، حيث كانت تلك اللحظات، في جوهرها، مرآة لتحولات السياسة العامة السورية بعد عام 2024.

لفهم ما جرى في 2026، لا بد من العودة إلى نقطة التحول التي أعقبت 2024، ففي تلك المرحلة، دخلت الدولة السورية طورا جديدا من إعادة التموضع، حيث حدث تحول بنيوي أعاد صياغة طبيعة الدولة نفسها، وسقوط السلطة السابقة فتح الباب أمام إعادة تعريف الشرعية السياسية على أسس جديدة، واتجهت السياسات العامة نحو ثلاثة مسارات متوازية: إعادة هيكلة المنظومة الأمنية ضمن إطار عقائدي جديد، إعادة توجيه الاقتصاد بما يعزز شبكات الولاء الاجتماعية والدينية، وإعادة تشكيل المجال العام بحيث يغدو التعبير الديني جزءا مؤسسا للهوية الرسمية لا مجرد مكون ثقافي.

لم يعد الدين عنصرا مرافقا للسياسة، بل أصبح إطارها المرجعي، وتجلى ذلك في الخطاب الرسمي والمناهج، وفي رمزية الفضاء العام، وحتى في طبيعة الفعاليات الثقافية، فالمجال العام لم يُفتح، بل أعيد تعريفه، وما كان يعد سابقا تعبيرا دينيا خاصا بات اليوم خطابا عاما مشروعا، بل مرحبا به، طالما أنه ينسجم مع الرؤية الجديدة للدولة.

التحول لم يكن انتقالا من قبضة إلى مرونة، بل من نموذج شرعي إلى آخر؛ من دولة تدير الدين إلى دولة يتداخل فيها الديني مع السياسي بوصفه أحد مصادر الشرعية الأساسية، وهذا ما يفسر أن المشاهد التي بدت استثنائية قبل أعوام أصبحت، في 2026، جزءا من المشهد الطبيعي للمجال العام السوري.

من الضبط الصلب إلى الإدارة المرنة

بعد سنوات من المقاربة الأمنية المباشرة، بدا أن ما بعد 2024 شهد انتقالا نحو نموذج مختلف في إدارة الفضاء العام، فلم تعد الدولة بحاجة إلى إغلاق كل نافذة، بل إلى تنظيم الهواء الداخل منها، وهذا ما يفسر جزئيا إمكانية حدوث تجمعات عفوية داخل حدث رسمي دون تدخل فوري، فالسماح بالهتاف والشتائم ضد “النظام السابق” لا يمثل تهديدا بنيويا، بل جزءا من إعادة كتابة الرواية العامة، فالماضي يدان، والحاضر يعاد تشكيله.

في المراحل الانتقالية التي تعقب سقوط أنظمة، يتحول المجال العام إلى ساحة لإعادة تأسيس الشرعية وصياغة الرواية الجديدة، وإدانة الماضي علنا، وبصوت جماعي، تصبح فعلا سياسيا مؤسسا يمنح النظام الناشئ عمقا شعبيا ورمزية قاطعة مع مرحلة سابقة.

ما جرى لم يكن تعبيرا عفويا معزولا، بل جزءا من هذا التشكل الرمزي للشرعية، والدلالة الأعمق أن المشهد لم يقع في ساحة احتجاج أو منبر سياسي، بل في معرض كتاب، وهو فضاء يفترض أنه مكرس لإنتاج المعرفة، فتتداخل الثقافة بالسياسة بوصفها أداة لإعادة كتابة السردية العامة، وترسيخ القطيعة في الوعي الجمعي قبل أن تترسخ في النصوص الدستورية.

الاقتصاد أولا… حتى في الثقافة

تعكس المؤشرات الاقتصادية السورية بعد 2024 صورة أكثر تعقيدا مما توحي به سردية “تنشيط القطاعات” أو “توسيع الاقتصاد الثقافي”، فالبيانات المتاحة تشير إلى استمرار اختلالات بنيوية عميقة من تضخم مرتفع وتراجع القوة الشرائية، وضعف الاستثمار الخاص، ومحدودية الوصول إلى التمويل، وتآكل مستمر في دخل الأسر، كما بقي الإنتاج الصناعي والزراعي دون مستويات ما قبل الحرب، وفي ظل بيئة تمويلية شحيحة وتقلبات في سعر الصرف أثرت على تكاليف الاستيراد والطباعة وسلاسل التوريد.

لم يكن المشهد الثقافي نتيجة توسع اقتصادي منظم بقدر ما كان استجابة تكيفية لاقتصاد هش، فتحول الكتاب إلى سلعة سوقية لا يعكس ازدهار “اقتصاد ثقافي” مكتمل الأركان، بل محاولة من الفاعلين في القطاع للبقاء ضمن شروط مالية ضاغطة، وبدا معرض 2026 أقرب إلى منصة متعددة الوظائف من بيع مباشر وعروض ترويجية فعاليات جماهيرية، وهي أدوات لتعويض ضعف القدرة الشرائية وتحفيز الطلب، وليست تعبيرا عن طفرة اقتصادية.

الفعاليات ذات الطابع الجاذب يمكن قراءتها ضمن إطار سعي لزيادة التدفق البشري في حدث يحتاج إلى كثافة حضور لضمان جدواه التجارية، في بيئة تتقلص فيها الموارد، وتميل الفعاليات الثقافية إلى تبني منطق الحشد لضمان الاستمرارية، وهنا لا تصبح الثقافة “قطاعا خدماتيا” بقرار أيديولوجي، بل نتيجة ضغوط سوقية ومالية تفرض إعادة تعريف أولويات الحدث من الاستدامة أولا، ثم النقاش العميق إذا توفرت شروطه.

الدين في المجال العام: إعادة توظيف لا عودة

المشهد الأكثر حساسية في 2026 لم يكن الهتاف السياسي، بل المسيرة التي ضمت أطفالا يرددون شعارات دينية–سياسية، وهنا يظهر أحد أبرز تحولات ما بعد 2024 في إعادة توظيف الدين ضمن المجال العام بطريقة محسوبة.

الدولة، تاريخيا، تعاملت مع الدين بوصفه مجالا يحتاج إلى ضبط، لكن بعد 2024، بدا أن المقاربة أصبحت السماح بخطاب ديني تعبوي في سياق إقليمي مشحون، مثل قضية غزة، ويمكن أن يستخدم كقناة تضامن رمزي، دون أن يتحول إلى تنظيم سياسي داخلي.

إشراك الأطفال يمنح المشهد حصانة أخلاقية، ويحول الفعل من احتجاج سياسي إلى تعبير وجداني، غير أن الخط الفاصل بين الاثنين يبقى هشا، فحين يدخل الدين إلى حدث ثقافي رسمي بهذه الصورة، فإن المجال العام يتغير طبيعته.

إعادة تعريف الوطنية

من اللافت أن الشعارات لم تستهدف الحاضر مباشرة، بل النظام السابق أو قضية خارجية، وهذا ليس تفصيلا، فبعد 2024، سعت السياسات العامة إلى إعادة صياغة مفهوم الوطنية بحيث يعاد ترتيب العدو والخصم في الوعي الجمعي، ويصبح الماضي هو موضع الإدانة، ويصبح التضامن الإقليمي وسيلة لتعزيز التماسك الداخلي.

بهذا المعنى، ما حدث في 2026 ليس انفلاتا، بل تجل لسياسة تسمح بالتعبير ضمن إطار سردية عامة لا تهدد الاستقرار القائم.

المخاطرة الكامنة

كل سياسة انفتاح محسوب تحمل مخاطرة، فحين يسمح للفضاء الثقافي بأن يتحول إلى مساحة شعار يتراجع دور الكتاب بوصفه مركز الحدث، فالهتاف لحظة، أما المعرفة فمسار طويل، وإذا طغت اللحظة على المسار، فإن الثقافة تفقد وظيفتها النقدية.

المجتمع السوري بعد 2024 يعيش حالة إعادة تشكل، فالفئات الشابة تبحث عن رموز وتعبير ومشاركة. وإذا لم يجد هذا الجيل مساحة فكرية منظمة، فسيتجه إلى الأداء الرمزي السريع، وهنا تكمن مسؤولية السياسات الثقافية؛ فهل تبقي المعرض منصة حوار، أم تكتفي بإدارته كحدث جماهيري؟

بين الدولة والمجتمع

ما كشفه معرض 2026 أن العلاقة بين الدولة والمجتمع دخلت طورا مختلفا عما كان قائما قبل 2024، فلم تعد المسألة هامشا يمنح أو يسحب، بل عملية إعادة تأسيس للشرعية في فضاء عام يعاد تشكيله على أسس جديدة، والدولة، بعد التحول الجذري الذي أعقب سقوط السلطة السابقة، لم تعد تكتفي بإدارة المجال العام، بل تسعى إلى توجيه رمزيته وصياغة سرديته، وفي المقابل، يتفاعل المجتمع داخل هذا الإطار الجديد، لا بوصفه مختبرا للحدود، بل شريكا بدرجات متفاوتة في تثبيت القطيعة مع الماضي وترسيخ هوية سياسية مختلفة.

ترسيخ الشرعية عبر الشعارات والطقوس الرمزية، مهما كانت كثافتها، لا يكفي لضمان استقرار طويل الأمد في ظل مؤشرات اقتصادية ضاغطة وبنية مؤسساتية، فالاستقرار المستدام يتطلب تحويل المجال الثقافي من مساحة لإعلان القطيعة إلى مساحة لإنتاج السياسات والأفكار، فالدولة التي أعادت تعريف هويتها بعد 2024 تحتاج في مرحلتها التالية إلى تعميق البعد المؤسسي، وتوسيع فضاء النقاش العام، وربط الخطاب الثقافي بإصلاحات اقتصادية وإدارية ملموسة، ووحده الانتقال من الرمزية إلى المؤسسية يمنح التحول شرعية تتجاوز اللحظة التعبوية إلى أفق الدولة المستقرة.

المشهد في 2026 مؤشرا على خلل في ترتيب الأولويات داخل المجال العام، فما بدا كحيوية سياسية أو دينية داخل فضاء ثقافي يخفي سؤالا أكثر إلحاحا، فلماذا تتحول المنصات المعرفية إلى ساحات رمزية؟ حين يتقدم الهتاف على النقاش، فذلك لا يدل على جرأة المجتمع، بل على فراغ في البنية المؤسسية القادرة على استيعاب التوترات وتحويلها إلى سياسات عامة واضحة.

التحدي الحقيقي لا يكمن في السماح بالمشهد أو منعه، بل في منع انزلاق المجال الثقافي إلى بديل عن الإصلاح، فحين تحمل الرمزية أكثر مما تحتمل، تصبح الثقافة مسرحا لتعويض نقص الإنجاز، والدول التي تكتفي بإدارة الرموز، من دون ترسيخ مؤسسات فعالة واقتصاد مستقر وقضاء مستقل، تكتشف متأخرة أن الشرعية لا تستدام بالصوت العالي، بل بالبنية العميقة.

معرض دمشق الدولي للكتاب 2026

ثقافي · سياسي · ديني · شبابي
مرحلة ما بعد 2024 وإعادة تشكيل الشرعية السياسية
▲ متوسط
عدد الأجنحة (توسع نسبي)
دينية
الطابع الغالب على العناوين
محدود
الكتب الفكرية النقدية
شبابي
طبيعة الجمهور

دور النشر

محلية · عربية · دولية

تصنيف الإصدارات

حسب الموضوع (نسب تقديرية)

التفاعل السياسي

هتافات وتعبير رمزي (مؤشر)

الحضور الرقمي

تصوير وتداول على السوشيال ميديا

📋 مواصفات معرض دمشق الدولي للكتاب 2026

السياق السياسي:مرحلة ما بعد 2024 وإعادة تشكيل الشرعية
الطابع العام:ثقافي–سياسي مع حضور ديني واضح
عدد الأجنحة:متوسط إلى مرتفع (توسع نسبي)
طبيعة دور النشر:محلية بالدرجة الأولى + مشاركة عربية محدودة
العناوين الغالبة:دينية، تحفيزية، كتب هوية، إصدارات شبابية
الكتب الفكرية النقدية:محدودة نسبيًا
الطابع الديني:بارز في الشعارات والفعاليات والإصدارات
الفعاليات المصاحبة:توقيع كتب، أداء موسيقي، تجمعات شبابية، تضامنية
طبيعة الجمهور:شبابي كثيف، حضور عائلي، مجموعات تعبوية
التفاعل السياسي:ملحوظ داخل الأروقة (هتافات، تعبير رمزي)
البعد الرقمي:تصوير مكثف، تداول واسع على وسائل التواصل
المؤشر الاقتصادي:اقتصاد هشّ، اعتماد على البيع المباشر والعروض
إدارة الحدث:تنظيم رسمي مع هامش تعبير رمزي داخل الفضاء العام
ديني
بارز في الشعارات
شبابي
جمهور كثيف
سياسي
تفاعل رمزي
رقمي
تداول واسع
اقتصادي
بيع مباشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *