ترتبط السياسة في زمن النزاعات بإعادة توزيع السيطرة على المجال الجغرافي، وليست الأرض مجرد مسرح للأحداث، بل موضوع الصراع ذاته، من يسيطر على الموارد، وعلى المعابر، وعلى الكتل السكانية، يمتلك القدرة على فرض شكل السلطة. بهذا المعنى، تشكلت تجربة “روجافا” (كردستان الغربية) في شمال شرق سوريا بوصفها إعادة هندسة للمجال، أكثر منها تجسيدا لمشروع أيديولوجي صرف.
قبل الأزمة السورية، كان عدد الأكراد يقدر بنحو مليوني نسمة، أي ما يقارب 10% من السكان، وهذه الكتلة تمركزت أساسا في شريط حدودي يمتد بمحاذاة تركيا والعراق، لكن التطور الحاسم لم يكن ديموغرافيا، بل استراتيجيا، حيث سيطرت الإدارة الذاتية في ذروة تمددها على نحو 70% من حقول النفط السورية، إضافة إلى مساحات واسعة من الرقة ودير الزور والحسكة.
هنا ظهر اختلال أساسي:
الثقل السكاني لم يكن متناسبا مع حجم السيطرة على الموارد، وهذا الاختلال سيحدد لاحقا حدود المشروع.
بناء القوة خارج الدولة
بلغ قوام “قوات سوريا الديمقراطية” في ذروتها نحو 100 ألف مقاتل، بين قوات قتالية وأمن داخلي، وهذا الرقم، في بلد أنهكته الحرب، يعني تشكل قوة عسكرية شبه نظامية خارج بنية الدولة المركزية.
لم يكن هذا التحول ممكنا دون دعم خارجي مباشر من غطاء جوي، ومعلومات استخباراتية، وتدريب وتسليح متطور، والتحالف مع الولايات المتحدة أعاد رسم ميزان القوى شرق الفرات، وجعل من هذه القوات فاعلا مقررا في الحرب ضد تنظيم الدولة، وفي الوقت ذاته أداة لضبط المجال النفطي ومنع خصوم واشنطن من استعادته.
لكن هذا التحالف وصف منذ البداية بأنه “تكتيكي ومؤقت”، في الجغرافيا السياسية، المؤقت يعني أن الخريطة قابلة للتغيير.
الموارد وحدود الشرعية
تولدت شرعية المشروع عمليا من قدرته على توفير الأمن وإدارة الموارد، إلا أن الاقتصاد الذي نشأ كان اقتصاد حرب، من استخراج نفط بوسائل بدائية، وضرائب محلية، وتجارة حدودية، ولم تتحول السيطرة على 70% من الحقول إلى تنمية مستدامة، وبقيت مستويات المعيشة منخفضة، بينما تعززت البنية العسكرية والأمنية.
كما تولت الإدارة الذاتية إدارة سجون ومعسكرات تضم عشرات الآلاف من عناصر تنظيم الدولة وعائلاتهم. هذه الكتلة البشرية تحولت إلى عبء أمني دائم، يحتاج إلى دعم دولي مستمر.
لم تكن المشكلة في الخطاب الأيديولوجي حول “الكونفدرالية الديمقراطية”، بل في التوازن بين السيطرة الجغرافية والقدرة المؤسسية، فالجغرافيا تمنح القوة، لكنها تفرض أيضا مسؤوليات ثقيلة.
التوازن الإقليمي وحدود الاستقلال
تموضع المشروع في منطقة تتقاطع فيها مصالح أربع قوى: دمشق وأنقرة وطهران وواشنطن، والعمليات التركية المتلاحقة، من عفرين إلى “نبع السلام”، قلصت المجال المتصل للإدارة الذاتية، وفرضت عليها طوقا جغرافيا وسياسيا، في الوقت نفسه، بقيت دمشق تنظر إلى شرق الفرات بوصفه مخزونا سياديا لا يمكن التفريط به.
أواخر عام 2025، أعادت الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها مع تغير النظام السياسي في سوريا، مفضلة تقليص الاحتكاك مع تركيا، والتعامل مع دولة سورية موحدة عبر قنوات مركزية، وتزامن ذلك مع هجوم حكومي منظم، وانسحاب تدريجي للغطاء الجوي الأمريكي.
خلال أسابيع، خسرت “قسد” مراكز ثقلها في الرقة ودير الزور، وانحسرت في الحسكة، ولم يكن الانهيار مفاجئا من منظور جيوسياسي، فالقوة التي تعتمد على دعم خارجي تبقى مرتبطة بإرادة ذلك الداعم.
اتفاق 18 كانون الثاني: إعادة المركز
في 18 كانون الثاني 2026، وقع اتفاق من 14 بندا نص على:
- نقل السلطات الأمنية والإدارية إلى سلطة دمشق.
- دمج مقاتلي “قسد” أفرادا ضمن الجيش السوري الجديد.
- الاعتراف باللغة الكردية ضمن إطار السيادة الوطنية.
- إبقاء مجالس محلية محدودة في مناطق معينة.
هذا الاتفاق أعاد المجال إلى قبضة الدولة المركزية، لكنه لم ينه التوترات الكامنة، فكيف يستوعب عشرات الآلاف من المقاتلين؟ من يدير ملف السجون؟ وهل يكفي الاعتراف الثقافي لتعويض فقدان الحكم الذاتي؟
الجغرافيا هنا استعادت منطقها التقليدي، فالمركز يعيد دمج الأطراف ضمن حدوده السيادية.
من سوريا إلى إيران: احتمالات التكرار
في إيران، يقدر عدد الأكراد بين 8 إلى 10 ملايين نسمة، يتمركزون في محافظات غربية وشمالية غربية، وهذه الكتلة السكانية أكبر بكثير من نظيرتها السورية، لكنها تخضع لدولة مركزية أكثر تماسكا وأشد حساسية تجاه النزعات الانفصالية.
الأحزاب الكردية الإيرانية تحتفظ بهياكل تنظيمية وقواعد خلفية في إقليم كردستان العراق أو جبال قنديل، والسؤال المطروح ليس عن قدرتها العسكرية، بل عن موقعها في لعبة النفوذ الإقليمي.
هل يمكن أن تتحول هذه الجغرافيا إلى ساحة ضغط ضمن صراع دولي أوسع؟
التاريخ الكردي يظهر ميلا إلى الاستعانة بقوى خارجية لانتزاع تنازلات، لكن التجربة السورية تكشف حدود هذا الخيار، فالدعم الخارجي مرتبط بحسابات لا محلية.
اختلالات الخرائط
تجربة روجافا تكشف ثلاث معادلات جيوسياسية:
- السيطرة على الموارد لا تعوض ضعف العمق الديموغرافي.
- التحالف العسكري لا يساوي ضمانة سياسية دائمة.
- الشرعية المحلية تحتاج إلى تسوية مع المركز، لا إلى مظلة خارجية فقط.
عندما اختل أحد هذه العناصر، انكشف البناء كله.
يظهر مسار “روجافا” أن الكيانات التي تنشأ في سياق فراغ سيادي يمكن أن تتوسع سريعا، لكنها تظل رهينة توازنات القوى الكبرى، فالجغرافيا تمنح الفرصة، لكنها لا تضمن الاستمرار.
التحالفات المؤقتة تعيد رسم الخرائط، لكنها لا تخلق استقرارا إذا لم تترجم إلى صيغة دستورية داخلية مقبولة من المركز والأطراف معا. وفي منطقة يعاد تشكيلها باستمرار، تبقى المسألة الأساسية هي كيفية تحويل السيطرة العسكرية إلى تسوية سياسية قابلة للحياة.
بهذا المعنى، لا تمثل “روجافا” نهاية قصة، بل درسا في كيفية تفاعل الجغرافيا والسلطة والتحالفات في إنتاج كيانات سريعة الصعود وسريعة الانكشاف.
روجافا: إعادة إنتاج الجغرافيا
≈ 10% من السكان

