عندما تنتهي الحروب لا تبنى الدول من الرماد فقط، بل من الأسئلة، وفي سوريا، وبعد سنوات من الصراع، لم يعد السؤال الأساسي بمن يحكم، بل أي نوع من الدولة يمكن أن تقوم، فهل تكون دولة لامركزية ديمقراطية تدار من الأطراف كما ترغب قوات سوريا الديمقراطية (قسد)؟ أم دولة مركزية محافظة يقودها الجيش السوري الجديد الذي نشأ من تحالف فصائل وقوى إسلامية سابقة، في مقدمتها هيئة تحرير الشام؟
هذا جوهر الصراع السوري اليوم؛ ليس بين المعارضة والنظام، بل بين نموذجين متنافسين للدولة والسلطة والهوية.
قسد – التجربة التي خرجت من الهامش
ولدت “قسد” عام 2015 في شمال وشرق البلاد بدعم أمريكي مباشر، وفي لحظة انهيار شبه تام للسلطة المركزية السورية.
ولدت في البداية كتحالف عسكري ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وتطورت تدريجيا إلى مشروع سياسي وإداري كامل، يقوده ائتلاف من الأكراد والعرب والسريان، تحت مظلة “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”.
لكن خلف هذا النموذج الإداري البسيط تكمن فلسفة سياسية عميقة؛ فقسد ترى أن الدولة السورية فشلت لأنها ركزت كل شيء داخل المركز في دمشق والحل الوحيد هو بناء دولة من الأسفل إلى الأعلى، من المجتمع المحلي إلى العاصمة.
لا تمارس السلطة في مناطقها عبر وزارات ضخمة، بل من خلال مجالس محلية منتخبة، وقوى أمن داخلي (الأسايش) تحاول أن تكون بديلا عن أجهزة الأمن القديمة، واللغة الخطابية لـ”قسد” علمانية – مدنية، تتحدث عن المساواة بين الجنسين وحقوق “الأقليات”، وتتباهى بأنها تمثل “سوريا التعددية الممكنة”.
لكن هذه الصورة الوردية تواجه تحديات قاسية؛ فـ”قسد” لا تزال سلطة أمر واقع غير معترف بها دوليا، ومشروعها اللامركزي لم يختبر بعد في مواجهة بنية الدولة المركزية، كما أن علاقتها بالولايات المتحدة تبقى مرهونة بالملف الأمني، لا بالرؤية السياسية.
“مع إعادة تموضع الاهتمام الغربي بعد سقوط نظام البعث، وجدت “قسد” نفسها أمام معادلة جديدة، فبينما بات جزء من الدعم الدولي موجها إلى حكومة دمشق الجديدة في إطار استراتيجية استقرار الدولة، تحاول قسد الحفاظ على موقعها كشريك أمني أساسي، وإثبات أنها ما تزال عنصر توازن لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة.”
ورغم كل الانتقادات، تبقى تجربتها فريدة في العالم العربي، فهي نموذج لحكم محلي منظم، استطاع في سنوات قليلة أن يخلق نوعا من الحياة المدنية، ومؤسسات مستقرة، ودرجة من التعايش.
الحكومة السورية.. عودة المركز بثوب مختلف
على الجانب الآخر، ولدت السلطة الجديدة في دمشق من قلب الفوضى، فبعد سقوط النظام السابق في أواخر 2024، لم يتشكل فراغ فقط، بل شبكة من التحالفات غير المتوقعة.
اللاعب الأكثر حسما كان هيئة تحرير الشام، التي استطاعت عبر أذرعها العسكرية والسياسية أن تتحول من فصيل مسلح في الشمال الغربي إلى العمود الفقري لما سمي لاحقا “الجيش السوري الجديد”، وفي الظاهر، يبدو هذا التحول دراماتيكيا، حيث فصيل كان يصنف جهاديا صار اليوم جزءا من بنية الدولة، لكن الواقع أكثر تعقيدا.
فهيئة تحرير الشام، بعد سنوات من العزلة والضغط، أدركت أن البقاء لا يكون في مواجهة الدولة، بل في التحول إلى الدولة نفسها، فمنحت دمشق الجديدة نواتها الصلبة، وفرضت شرعية سياسية جديدة، والجيش السوري الجديد لا يحمل ملامح البعث، ولا يعيد إنتاج خطاب الجهاد العابر للحدود، بل يسعى إلى خلق هوية “إسلامية” محافظة، قادرة على توحيد البلاد تحت سلطة مركزية.
في خطابه، يتحدث عن “القيم السورية”، وعن “إحياء الأخلاق الإسلامية”، وعن “استعادة هيبة الدولة”، لكنه في الممارسة يعيد بناء أجهزة أمنية وإدارية شديدة الانضباط تشبه تلك التي كانت قائمة في “إدلب”.
ما حدث هو تبدل في شكل المركز لا في جوهره، فدمشق لم تفقد مركزيتها، بل تشكلت عبر تحالف جديد يمزج بين التنظيم الديني والبيروقراطية القديمة، وعادت الدولة ضمن المركز ولكن بأطراف هشة، وبميلشيات تابعة إداريا إلى المركز ولكنها تعمل بشكل أكثر استقلالية.
مفارقة الدولة السورية الجديدة
في الحالة السورية هناك مفارقة حادة:
- سلطة لامركزية تعددية في شمال وشرق البلاد تسعى إلى إدارة محلية مستقلة.
- سلطة مركزية محافظة في دمشق تحاول إعادة بناء الدولة على أسس “جهادية مخففة”.
المفارقة الأعمق هي أن كلتا السلطتين تدعيان الدفاع عن “وحدة سوريا”، لكنهما تفهمانها بطريقتين متناقضتين:
- “قسد” ترى الوحدة من خلال الاعتراف بالاختلاف، عبر الفيدرالية والتمثيل المحلي.
- سلطة دمشق تراها في الانضباط والتوحيد وإخضاع التنوع لسلطة الدولة المركزية.
هذان النموذجان يعكسان أيضا نمطين مختلفين من الحداثة السياسية، فـ”قسد” تمثل حداثة ليبرالية متأثرة بالفكر الغربي حول الديمقراطية التشاركية، أما “سلطة دمشق” فهي محافظة تشبه بجهاز سياسي برغماتي.
المشروع الأول يحاول خلق دولة من المواطنين، والثاني يسعى إلى خلق مواطنين من الدولة.
معركة الشرعية
في ميزان القوة، تبدو دمشق الجديدة أكثر تماسكا فهي تسيطر على العاصمة والمدن الكبرى، وتمتلك جهازا إداريا متجذرا، وتحظى باعتراف دولي وإقليمي التي ترى فيها الضامن للاستقرار بعد الفوضى، بينما تعتمد “قسد” على تحالفات هشة، ودعم دولي يتناقص، وجغرافيا واسعة لكنها متعبة اقتصاديا، إلا أن الشرعية لا تقاس بالقوة وحدها.
“قسد” تمتلك ما لا تملكه سلطة دمشق؛ شرعية المشاركة، فالناس في مناطقها يختبرون لأول مرة نوعا من التمثيل السياسي، ولو محدودا، فهي تجربة سياسية بلا طبقة حاكمة متوارثة، ولا حزب واحد، أو خوف أمني مطلق، فهي تجربة ناقصة لكنها تمثل ما يمكن أن تكون عليه سوريا لو أتيح لها أن تتنفس خارج قبضة المركز.
أما سلطة دمشق، فإنها تسعى لاستعادة الشرعية عبر شعارات الانضباط والنظام والأمان والتي لم تحقق شرطا منها، فبعد سنوات من الحرب، ثمة تعب جمعي جعل السوريين يميلون إلى أي سلطة قادرة على ايقاف الحرب، وتأمين الخبز والكهرباء، ولو بثمن سياسي مرتفع، لكنهم الى الآن يعيشون بالوهم.
نحو صفقة سياسية محتومة
إذا كانت المرحلة السابقة حربا على الوجود، فإن المرحلة المقبلة ستكون حربا على الشكل، فلن تحكم سوريا مجددا من طرف واحد، فلا “قسد” قادرة على فرض نموذجها على كل البلاد، ولا “سلطة دمشق” تستطيع محو تجربة الإدارة الذاتية من الخريطة.
التاريخ السوري علم الجميع أن النصر الكامل مستحيل، وأن التسويات لا تولد من فوق الطاولة فقط، بل من تحتها، ومن الجغرافيا نفسها.
الطريق الواقعي الوحيد أمام سلطة دمشق و”قسد” هو صفقة كبرى:
- اعتراف متبادل بين الطرفين بسلطة الآخر.
- إدماج تدريجي للقوات ضمن هيكل وطني موحد.
- وانتقال سياسي قائم على توزيع حقيقي للسلطة لا على تبادل الشعارات.
ربما تكون هذه الصفقة صعبة ومؤلمة ومستحيلة، ومن الصعب التنبؤ بظل ما يحدث عن السلطة القادرة بهذه الظروف على تجنيب سوريا نموذجين من الفشل؛ نموذج الدولة المركزية التي تلتهم نفسها، ونموذج اللامركزية التي تتفتت إلى كيانات.
بين الواقعية والطموح
من منظور جيوسياسي، سوريا اليوم ليست دولة منهارة بقدر ما هي دولة في طور الاختبار، ففي الشمال والشرق، تتبلور تجربة سياسية جديدة تسعى إلى إعادة تعريف المواطنة، وفي العاصمة، ترسم مؤسسات الدولة على أنقاض قديمة وبعقلية “المنتصر” وا”لمحرر”، وما بينهما، يقف السوريون في مساحة رمادية، لا هي حرب ولا هي سلم.
لا تبنى الدول بالنيات ولا بالشعارات، بل بالمؤسسات التي تعكس تنوعها وتضبط تناقضاتها، وإذا أرادت سلطات دمشق الجديدة أن تستعيد سوريا، فعليها أن تعترف أن سوريا لا يمكن تشكيلها وفق إرادات أحادية وخارجية، وإذا أرادت “قسد” أن تبقى، فعليها أن تدرك أن البقاء لا يعني الانفصال، بل الاندماج الذكي في دولة جديدة.
انتهت الحرب مبدئيا، لكن معركة الأفكار بدأت، وسيبقى السؤال الذي يواجه السوريين اليوم، هو ذاته الذي واجهته أمم كثيرة خرجت من رماد الصراعات؛ هل يمكن لدولة أن تولد من اختلافها؟
الحرية لا تعني غياب السلطة، بل حضور سلطة تعرف كيف تقاس، وسوريا اليوم عليها أن تتعلم كيف تقيس سلطتها من جديد، وكيف تحقق مصلحة سوريا فقط.
سوريا بين لامركزية “قسد” ومركزية دمشق
رحلة البحث عن دولة ما بعد الحرب – تحليل تفاعلي للنموذجين المتنافسين
- نشأت عام 2015 بدعم أمريكي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية
- تحولت من تحالف عسكري إلى مشروع سياسي وإداري كامل
- تدار عبر مجالس محلية منتخبة (الإدارة الذاتية)
- خطاب علماني-مدني يركز على المساواة وحقوق الأقليات
- قوى أمن داخلي (الأسايش) بديلاً لأجهزة الأمن القديمة
- تمثل “سوريا التعددية الممكنة” حسب خطابها
- تشكلت بعد سقوط النظام السابق عام 2024
- هيئة تحرير الشام كعمود فقري للجيش السوري الجديد
- تحول من فصيل جهادي إلى جزء من بنية الدولة
- خطاب يجمع بين “القيم السورية” و”الأخلاق الإسلامية”
- إعادة بناء أجهزة أمنية وإدارية شديدة الانضباط
- تسعى لخلق هوية إسلامية محافظة موحدة
نموذجان متناقضان
سلطة لامركزية تعددية في الشمال تسعى للإدارة المحلية المستقلة، وسلطة مركزية محافظة في دمشق تحاول إعادة بناء الدولة على أسس “جهادية مخففة”.
وحدة بأوجه متعددة
كلتا السلطتين تدعيان الدفاع عن “وحدة سوريا”: قسد تراها عبر الاعتراف بالاختلاف والفيدرالية، ودمشق تراها في الانضباط والتوحيد المركزي.
حداثتان متنافستان
قسد تمثل حداثة ليبرالية متأثرة بالديمقراطية التشاركية، بينما تمثل دمشق حداثة محافظة بأجهزة سياسية برغماتية.
سوريا اليوم ليست دولة منهارة، بل دولة في طور إعادة التشكيل. بين الواقعية والطموح، تقف على مفترق طرق تاريخي.
انتهت الحرب مبدئياً، لكن معركة الأفكار بدأت. بناء الدولة يأتي بالمؤسسات التي تعكس التنوع وتضبط التناقضات.

