اعتاد الخطاب النقدي التعامل مع الدراما السورية بوصفها “مرآة للمجتمع”، وهذه الاستعارة، على شيوعها، باتت قاصرة في توصيف ما يجري في موسم رمضان 2026، فالمجتمع السوري، بعد 2025 تحديدا، لم يعد كتلة يمكن عكسها بمرآة واحدة، بل بنية متشققة، متنازع على سرديتها، ومثقلة بانقسام خرج من تحت السطح إلى العلن.
السؤال المركزي ليس هل تعكس الدراما هذا الانقسام؟ بل كيف تتعامل معه؟ وهل تكتفي بعكسه أم تساهم – بوعي أو بدونه – في تكريسه؟
الفرضية النقدية الأساسية لا تنطلق من أن دراما رمضان 2026 تتعامل كلها، وبالدرجة نفسها، مع الانقسام الاجتماعي الذي برز بحدة في 2025، بل من إدراك أكثر تعقيدا بأن الانقسام لم يعد مجرد موضوع قابل للاختيار أو التجاهل، وإنما تحول إلى حقل رمزي شامل تعمل داخله جميع الأعمال، سواء بقصد أو دون تعمد.
ثمة فرق جوهري بين عمل يجعل الانقسام موضوعه الصريح، يناقشه ويسميه، وبين عمل لا يتناوله مباشرة لكنه يبني عالمه السردي، وشخصياته، وصراعاته، ضمن بنية اجتماعية مشروخة سلفا، وهذا الفارق ليس تقنيا ولا شكليا، بل هو ما يحدد الأثر الاجتماعي للدراما، فهل تساهم في تفكيك الانقسام عبر مساءلته، أم تطبعه عبر التعامل معه كخلفية طبيعية، أم تعيد إنتاجه من حيث لا تقصد، بمجرد التسليم بقوانينه غير المعلنة.
أولا: مناخ ما بعد 2025… انقسام بلا وسيط
شكل عام 2025 لحظة مفصلية في التاريخ الاجتماعي السوري، فلم يكن الانقسام جديدا، لكنه بات “معلنا ومسمى”؛ انقسام في تعريف الضحية، وفي قراءة الماضي الموقف من السلطة، وحتى في اللغة اليومية، ومع غياب أي إطار وطني جامع لإدارة هذا الخلاف، انتقلت المواجهة إلى الفضاء الرمزي من الإعلام الى المنصات الرقمية ثم الدراما.
في هذا السياق، لا يمكن للدراما أن تكون “خارج” الانقسام، فمجرد اختيار قصة، وزاوية سرد، أو نوع درامي، هو “اختيار ضمن خريطة متصدعة”.
ثانيا: أعمال المواجهة المباشرة… تسمية الانقسام دون تفكيكه
تنحصر ضمن الموسم فئة ضيقة من الأعمال التي لم تكتف بتمثيل آثار الانقسام، بل جعلته محورا سرديا صريحا، وبنية حاكمة للصراع الدرامي ذاته، كما هو الحال في أعمال مثل “السوريون الأعداء” و “لا مكان لا زمان (قيصر).”
في هذه الأعمال، لا يعود الانقسام خلفية، بل بنية سردية واضحة عبر عائلات متخاصمة، وذاكرة متصارعة، وروايات متناقضة عن الألم والمسؤولية.
مهنيا، تحسب لهذه الأعمال جرأتها في “كسر سياسة التلميح” لكنها، في المقابل، تقع في مأزق آخر في “التسمية بدل التفكيك”، فغالبا ما يقدم الانقسام كمعطى نهائي، لا كسؤال عن آلياته وشروط نشأته، والنتيجة أن المشاهد، المنتمي أصلا إلى أحد شطري الانقسام، يخرج أكثر تمسكا بموقفه، لا أكثر استعدادا لمراجعته.
هنا لا تكرس الدراما الانقسام عمدا، لكنها “تعجز عن إنتاج مسافة نقدية” بين المتلقي وواقعه.
ثالثا: “الموضوعية” كتحييد أخلاقي
تتبنى بعض أعمال الموسم خطابا إنسانيا عاما يقوم على مقولة “الجميع متألم” و”لا أحد بريئا تماما”، في محاولة لإظهار توازن أخلاقي ظاهري، وهذا المنحى يتجلى بوضوح في أعمال مثل “مطبخ المدينة” و “سعادة المجنون”، حيث تعرض المعاناة بوصفها حالة شاملة تطاول الجميع بدرجات متفاوتة، من دون تحديد واضح للبنى التي أنتجتها أو للمواقع غير المتكافئة داخلها.
يبدو هذا الخطاب موضوعيا وغير استفزازي، لكنه في السياق السوري تحديدا ينطوي على إشكالية عميقة عبر المساواة السردية بين مواقع لا تتساوى في المسؤولية ولا في القدرة على الفعل، فعندما تقدم المأساة كقدر عام، بلا فاعل محدد أو سياق تاريخي واضح، تتحول “الموضوعية” من أداة تحليل إلى ما يمكن تسميته تحييدا أخلاقيا؛ أي نزع الطابع البنيوي عن العنف والانقسام، وتحويلهما إلى حالة إنسانية عائمة.
هذا النمط من المعالجة، وإن كان أقل حدة من الطرح المباشر، يساهم من حيث لا يقصد، في إعادة إنتاج الالتباس الذي انفجر بقوة في 2025، من التباس المسؤولية، والتباس الذاكرة، وغياب أي تمييز سردي بين من تعرض للأذى ومن شارك في إنتاج شروطه، ولا تنكر الدراما الانقسام، لكنها تعيد صياغته بلغة مخففة تجنب الصدام، على حساب الوضوح النقدي.
رابعا: التطبيع الاجتماعي للانقسام
الكتلة الأكبر من أعمال رمضان 2026 لا تناقش الانقسام السياسي مباشرة، لكنها تعيد إنتاجه في صيغ أخرى، فأعمال مثل “مطبخ المدينة” و”بنت النعمان” تشتغل على الانقسام الطبقي أو العائلي أو الجندري، دون ربطه بسياقه التاريخي الأوسع.
هذه الأعمال تظهر مجتمعا مفككا، غير متكافئ، تحكمه علاقات قوة شبه ثابتة. الفقير يبقى فقيرا، والسلطة تبقى داخل العائلة، والمرأة تفاوض داخل الهامش، والانقسام هنا “مطبع”، فلا يسأل من أين أتى، ولا كيف يمكن تغييره، فتساهم هذه الدراما في “نزع الطابع السياسي” عن الانقسام الذي برز في 2025، وتحويله إلى “حالة اجتماعية طبيعية”.
خامسا: الإزاحة عبر الجنون والسخرية
تلجأ أعمال أخرى إلى استراتيجيات التفاف، لا مواجهة، ففي “سعادة المجنون” و”عيلة الملك”، يعاد ترميز الانقسام بوصفه خللا نفسيا أو مادة ساخرة.
هذه المقاربة ذكية فنيا، وتوفر متنفسا لجمهور مرهق. لكنها اجتماعيا تشكل “هروبا من قلب الصراع”، فالانقسام لا يناقش بوصفه بنية قابلة للتغيير، بل كعبث لا يمكن سوى التكيف معه أو السخرية منه، فتتحول الدراما إلى أداة تخفيف توتر، لا أداة تفكير.
سادسا: الدين كخط تماس جديد
في “مولانا” يظهر أثر انقسام 2025 بشكل غير مباشر، عبر سؤال المرجعية، فالعمل يلتقط بدقة فراغ المعنى الذي يعيشه المجتمع، وعودة الدين بوصفه إطارا جامعا بديلا.
غير أن المعالجة تظل في حدود التشخيص، فالمجتمع يصور ككتلة تبحث عن خلاص، لا كفاعل يشارك في إنتاج سلطته الرمزية الجديدة، وبهذا، يعاد طرح الانقسام، لا بوصفه صراع مصالح وأفكار، بل بوصفه أزمة أخلاقية عامة.
دراما رمضان 2026 أكثر وعيا بالانقسام السوري من أي موسم سابق فلم تنكره، ولم تتجاهله، ولم تكتف بالرمز لكنها في الوقت نفسه تتردد في تفكيكه.
الانقسام يسمى ويوصف ويستثمر دراميا… لكنه نادرا ما يسأل في جذوره وشروط استمراره.
لا يمكن اتهام الدراما بتكريس الانقسام عمدا، لكنها تتعامل معه كقدر لا كإشكالية، ما يعكس مأزق مجتمع لم يحسم علاقته بماضيه، ودراما لم تجد بعد اللغة التي تسمح لها بأن تكون أكثر من مرآة.
دراما 2026 ليست أداة مصالحة، لكنها أيضا ليست مجرد ترفيه، فهي مساحة اعتراف ناقصة، ووعي متقدم بخطوة واحدة على الجرأة، وهذا، بحد ذاته، هو توصيف دقيق لحال المجتمع السوري اليوم.
دراما رمضان 2026 والانقسام السوري بعد 2025
دراما رمضان 2026: ليست مرآة للمجتمع بل حقل رمزي يعمل داخله الانقسام السوري

