الأزمة النقدية في سوريا: مخاطر إصدار النيو ليرة وانهيار سعر الصرف

في لحظة تاريخية مثقلة بالانهيارات الاقتصادية، يقف الاقتصاد السوري على عتبة حرجة، فالطرح المتداول حول إصدار “النيو ليرة” لا يبدو مجرد خطوة تقنية في إدارة العملة، بل يمثل اختبارا جوهريا لمدى قدرة النظام النقدي على استعادة الحد الأدنى من الثقة الشعبية والدولية.

لا بد من تفكيك هذا النقاش من منظور نقدي عميق، إذ ترتبط قيمة العملة ليس فقط بما تصدره البنوك المركزية من أوراق نقدية، بل بالثقة في استدامة السياسة الاقتصادية برمتها، وبقدرة الدولة على إقناع الأسواق بأنها قادرة على إدارة التوازن بين النقد والإنتاج.

جوهر الإشكالية: تضخم بلا إنتاج

النقطة المحورية في الأزمة السورية اليوم تتمثل في اتساع الفجوة بين التوسع النقدي وغياب القدرة الإنتاجية، فزيادة الرواتب بنسبة 200%، والتي رفعت متوسط الأجر الشهري من حدود 200–300 ألف ليرة إلى ما يقارب 900 ألف، وضخت في السوق كتلة نقدية إضافية تُقدَّر بعدة تريليونات من الليرات شهريا.

في ظل هذا العجز الإنتاجي، يجد المواطن نفسه مضطرا لتوجيه دخله الإضافي نحو السلع المستوردة أو السلع التي تُسعّر بالدولار، وهو ما يغذي الطلب على العملة الأجنبية ويدفع سعر الصرف إلى مستويات أعلى، فمثلا، إذا ارتفع سعر الدولار من 11,000 إلى 17,000 ليرة، فإن كل 100 دولار يتم تبديله في السوق يعني سحب 600,000 ليرة إضافية من السيولة، أي أن كتلة الرواتب الجديدة تُستنزف سريعا عبر نافذة سعر الصرف، وهكذا، يتحول ما كان يُفترض أن يكون دعما للقدرة الشرائية إلى آلية غير مباشرة لتسريع تدهور قيمة الليرة.

إن هذا التضخم، الناتج عن ضخ سيولة غير مدعومة بإنتاج، لا يُعد ظاهرة عابرة يمكن امتصاصها بمرور الوقت، بل يتجذّر في بنية الاقتصاد، إذ تظل الأسواق رهينة لاستيراد الغذاء والطاقة والمواد الأساسية بنسبة تتجاوز 70% من الاستهلاك المحلي، بينما تتآكل المدخرات بالليرة ويتجه المواطنون نحو الدولار والذهب كملاذات آمنة.

 يتضح أن المشكلة ليست في حجم الرواتب بحد ذاته، بل في غياب التوازن بين العرض النقدي والقدرة الإنتاجية، ما يجعل التضخم في الحالة السورية تضخما بنيويا لا يمكن معالجته بمجرد أدوات نقدية سطحية.

“النيو ليرة” أداة تقنية أم وهم سياسي؟

الطرح القائل بإصدار عملة جديدة (النيو ليرة) يبدو للوهلة الأولى إعادة هيكلة العملة (redenomination) يهدف إلى إعادة ترتيب الأرقام أكثر مما يغيّر القيم، فالتجارب الدولية، من البرازيل في التسعينيات إلى زيمبابوي في العقد الماضي، تبيّن أن هذه الإجراءات تبقى شكلية إذا لم تُدعَم بإصلاحات مالية وإنتاجية عميقة.

في الحالة السورية، يذهب المقترح إلى أبعد من ذلك فهو يقترح سحب العملة القديمة عبر شراء الدولار بها، ما يعني ربط عملية “الإحلال النقدي” بآلية السوق بدلا من الاستبدال الرمزي، ومن حيث المبدأ، هذه الفكرة أكثر واقعية، لأنها تضمن امتصاص فائض الكتلة النقدية، لكنها تصطدم بعائق بنيوي، فمحدودية الاحتياطيات الأجنبية لدى المصرف المركزي، في ظل عقوبات خانقة، وانكماش في موارد العملة الصعبة من صادرات النفط والزراعة.

ذروة الدولار: لحظة الانعطاف أم سراب جديد؟

التصور بأن بلوغ الدولار ذروة سعره مقابل الليرة القديمة يشكل فرصة لامتصاص النقد الزائد يقوم على فرضية كلاسيكية تعتمد على أن البنك المركزي يستطيع أن يتدخل في السوق في اللحظة الحرجة ويضبط الإيقاع، غير أن هذه الاستراتيجية تفترض امتلاك ما يكفي من احتياطيات كبيرة من الدولار والعملات الأجنبية، وهو افتراض هش في السياق السوري اليوم.

تشير المصادر الحديثة إلى أن الاحتياطيات النقدية الأجنبية لسوريا تراجعت إلى نحو 200 مليون دولار نقدا فقط، في حين أن حجم الواردات السورية خلال خمسة أشهر من عام 2025 مثلا ارتفع إلى حوالي 8 مليارات دولار دون تدخل مركزي فعال لوقف تدهور الليرة، مما يعني أن الطلب على الدولار كبير جدا مقارنة بالضرورة الموجودة فعليا لدى المركزي.

إذا حاول المركزي التدخل وشراء الدولار في السوق بالمبالغ المطلوبة لامتصاص السيولة الزائدة عند ذروة سعر الصرف، فسوف يستهلك تقريبا كل ما لديه من احتياطيات لا تتجاوز بضعة مئات من ملايين الدولارات، ما يجعله عاجزا عن الصمود أمام موجات جديدة من الطلب، أو مواجهة صدمات خارجية (مثل استحقاقات مديونية أو دفع لاستيراد الغذاء أو الوقود).

والأسوأ، أن محاولة التدخل دون قدرات كافية تُعطي إشارة عكسية للأسواق، فتزيد من تراكم توقعات الانهيار. فالمواطن أو المتداول حين يرى أن العملة الأجنبية تُباع بسعر عالٍ والدولة لا تملك الوسائل أو لا تتخذ الخطوات المطلوبة، فإنّ ذلك يقوض الثقة المتبقية بدلاً من استعادتها، مما يدفع الناس نحو الاحتفاظ بالدولار أو الذهب كمخزن للقيمة، ويزيد الضغط على سعر الصرف بطرق يصعب عكسها دون إصلاحات هيكلية عميقة.

اقتصاد الاستهلاك في مواجهة اقتصاد الأزمة

عمليا فإن استمرار الإغراق بالسلع المستوردة، ولا سيما البدائل عن المنتج الوطني بجمارك منخفضة، يشكل نزيفا مستمرا للاحتياطيات، وفي أدبيات الأزمات يتم التوصية يسمّى “اقتصاد الأزمة”، أي إعادة توجيه الموارد المحدودة نحو الضروريات، والحد من الاستيراد الكمالي، لكن هذا الخيار، إذا لم يُرفق بسياسات إحلال إنتاج محلي، سيفتح الباب أمام نقص في المواد الأساسية وارتفاع في السوق السوداء، ما يقود إلى تضخم مفرط (hyperinflation)  بدلا من كبحه.

عمليا فإن النقاش حول “النيو ليرة” يغفل أن جوهر الأزمة ليس فنيا بل سياسي يرتبط بعمل المؤسسات، فالعملة الجديدة ربما تُطبع بأجمل التصاميم وأحدث تقنيات الحماية، لكنها ستبقى بلا قيمة إن لم يثق بها المواطن السوري في السوق اليومية، وإن لم تُعترف بها في المعاملات التجارية الخارجية.

“العملة ليست مجرد وسيلة للتبادل بل هي عقد اجتماعي”، وفي سوريا، هذا العقد مكسور، ليس فقط بفعل الحرب، بل أيضا بفعل انهيار المؤسسات، وغياب الشفافية، واستمرار اقتصاد الريع والمضاربة.

الشروط الأربعة لنجاح أي إصلاح نقدي

لكي يتحول مشروع “النيو ليرة” من وهم إلى واقع، لا بد من توافر أربعة شروط أساسية:

  1. احتياطي نقدي كاف بالدولار لتأمين عملية السحب وضمان الاستقرار الأولي.
  2. سياسات صارمة لتقييد الاستيراد الكمالي وتوجيه الموارد إلى الأولويات.
  3. خطة دعم للإنتاج المحلي تركز على الزراعة والصناعة الخفيفة لتقليص الاعتماد على الخارج.
  4. إصلاح مؤسساتي ومالي يعزز الشفافية والثقة، ويضمن أن الإصدار النقدي ليس مجرد أداة تمويل لعجز الموازنة.

دون هذه الشروط، فإن أي إعادة هيكلة للعملة لن تكون سوى جولة جديدة في حلقة التضخم وفقدان الثقة.

المقترح السوري حول “النيو ليرة” يحمل في طياته قدرا من الابتكار، لكنه يظلّ أقرب إلى معالجة شكلية لأزمة عميقة، فالحقيقة المرة أن سعر الصرف ليس سوى انعكاس لمأزق اقتصادي–سياسي شامل حيث اقتصاد مُنهك بالإعاقات البنيوية، ودولة مكبلة بالعقوبات، ومجتمع يهرب إلى الدولار والذهب كملاذ أخير.

الأزمات النقدية ليست مجرد مشكلات تقنية تُحلّ بخطوة واحدة، بل نتاج فقدان الثقة الممتد عبر الزمن، وفي الحالة السورية، المطلوب ليس إصدار “نيو ليرة” بقدر ما هو إعادة بناء العقد الاقتصادي–الاجتماعي، وإرساء حد أدنى من الثقة عبر إصلاحات إنتاجية ومؤسسية، وإلا ستظل أي ليرة جديدة مجرد ورق يُضاف إلى أرشيف طويل من محاولات إنقاذ غارقة في الوهم.

1 فكرة عن “الأزمة النقدية في سوريا: مخاطر إصدار النيو ليرة وانهيار سعر الصرف”

  1. لا تقوم الدولة بدعم الليرة، عملتها الوطنية، طالما أنها تقوم بجعل بعض الرسوم العادية بالدولار. فمثلا على الحدود شراء دفتر سيارة يتم دفعها بالدولار، مع أن الدافع سوري و الجابي سوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *