في 9 آذار 2026، وخلال اللقاء الذي جمع قادة من الشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي على وقع حرب آخذة في الاتساع، ومخاوف متزايدة من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أشمل، صدرت عن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع تصريحات عن سيادة الدول، وحصر السلاح بالمؤسسات، وخطر تحويل المجال الإقليمي إلى ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة.
واقع هذه التصريحات ليست في مضمونها المباشر، بل فيما تكشفه عن موقع سوريا نفسه داخل هذا الاضطراب، فالكلمات، في مثل هذا الظرف، لا تُقرأ باعتبارها تعبيرا سياسيا مجردا، بل مؤشرا على طبيعة المأزق الذي تتحرك فيه سلطة دمشق، وعلى حدود القدرة السورية على إعادة تعريف دورها في إقليم لم يعد يعترف إلا بموازين القوة، وبالدول القادرة على حماية جغرافيتها من الاستخدام الخارجي.
عمليا فإن الجغرافيا السورية ليست مجرد مساحة وطنية تعرضت للاهتزاز، بل بنية ضغط متواصلة، وعقدة تماس بين المشرق العربي والأناضول، والمتوسط والداخل العراقي، وبين “المجال الإسرائيلي” والمجال الإيراني، وبين شبكات التجارة المشروعة ومسالك العبور غير الرسمية.
لم تكن سوريا، خلال العقود الماضية، دولة تتكلم من موقع سيادي فقط لأنها أرض محاطة بالمخاطر، وباختلال موازين القوة عند كل اضطراب دولي، فالمسالة لا تتعلق فقط بتبدل في الخطاب، بل بانكشاف أعمق لواقع جيوسياسي لم تعد الشعارات القديمة قادرة على حجبه، ولا البلاغة السيادية كافية لتجاوزه.
الجغرافيا السورية لم تتغير، لكن طريقة انكشافها تغيرت
مشكلة سوريا في حساسية موقعها؛ فهذه حقيقة قديمة، المشكلة أن هذا الموقع لم يعد يدار من داخل دولة قادرة على تنظيم هوامشها، بل من داخل بنية سياسية وأمنية لا تزال تبحث عن تماسكها، فيما تضغط عليها خرائط النفوذ من كل الجهات.
القراءة السهلة التي توحي بأن التحول الجاري في الخطاب الرسمي مجرد انتقال من مرحلة إلى أخرى، لا تقدم تصورا كاملا، فما يظهر على السطح أقرب إلى عملية إعادة تموضع اضطرارية منه إلى مشروع سيادي مكتمل، فالبلاد لا تختار موقعا جديدا من موقع القوة، بل تحاول تقليل كلفة الانكشاف، فسوريا عاشت داخل معادلة تجعل من موقعها ورقة قوة، ولكن هذا الواقع حمل معه عنصر الخطر، فكلما ازداد وزنها الوظيفي في النزاعات الإقليمية، تقلصت قدرتها على الفصل بين ما هو وطني وما هو إقليمي.
هذه المعضلة ليست طارئة؛ غير أن المرحلة الانتقالية جعلتها أكثر وضوحا، فلم تعد الأرض السورية مجرد ساحة تأثير، بل تحولت تدريجيا إلى مجال اختبار لحدود الدولة نفسها؛ من يضبط الحدود؟ من يتحكم بممرات السلاح؟ من يدير العلاقة بين المركز والأطراف؟ ومن يملك قرار التهدئة أو التصعيد حين تتوتر الساحات المجاورة؟
لغة الدولة تصعد حين تضعف أدوات السيطرة
يمكن قراءة تصريحات أحمد الشرع عن خطورة التصعيد الإقليمي، وعن دعم حصر السلاح بيد الدولة في لبنان، بوصفها جزءا من محاولة إعادة تعريف الموقع السوري ضمن مفردات سيادية، لكن المفارقة أن خطاب الدولة يرتفع غالبا حين تكون الدولة نفسها موضع اختبار، فالأنظمة التي تملك أدوات السيطرة الكافية لا تحتاج عادة إلى الإفراط في ترديد بديهيات السيادة، لأن حضورها الفعلي يغني عن الشرح، أما حين تصبح الحدود هشة، والبيئة الإقليمية أكثر عدوانية، والتوازنات الداخلية أقل رسوخا، فإن اللغة السيادية تصبح تعويضا رمزيا عن نقص مادي.
وفق هذه الرؤية لا يجوز أخذ الخطاب السوري الجديد بمعزل عن شروط إنتاجه، فهو لا يصدر عن دولة استكملت إعادة بناء مؤسساتها، بل عن سلطة انتقالية تحاول أن تقنع الخارج بأنها قادرة على التصرف كفاعل استقرار، فيما لا تزال مضطرة إلى التعامل مع التفكك، والحدود الرخوة، والاقتصاد الموازي، وطبقات النفوذ، وكل عبارة عن “احترام سيادة الدول” تكتسب معناها الكامل حين تقرأ من زاويتين؛ بوصفها رسالة إلى الجوار، وبوصفها أيضا اعترافا غير معلن بأن السيادة داخل سوريا نفسها لم تعد معطى بديهيا.
لبنان ليس الجار الأقرب فقط، بل المرآة الأكثر إحراجا
حين تؤيد سلطة دمشق مبدأ حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، فهي تمس واحدة من أكثر المسائل حساسية في الجغرافيا السياسية للمشرق، فالعلاقة السورية بلبنان لم تكن يوما علاقة جوار عادية بين دولتين متجاورتين، بل كانت، في جزء كبير منها، علاقة إدارة مجال سياسي وأمني متداخل، تتجاوز الخرائط الرسمية إلى شبكات نفوذ متراكمة، وامتدادات حزبية، ووظائف عسكرية، وممرات لوجستية، وتوازنات دقيقة بين المركز والهامش، وتبدو اللغة الجديدة الصادرة من سلطة دمشق أقل تعبيرا عن تحول أخلاقي وأكثر دلالة على ضيق المجال الذي كانت تُدار فيه المعادلة القديمة.
الخطاب الذي يتحدث الآن عن الدولة اللبنانية وسيادتها لا يمكن فصله عن حقيقة أن المجال اللبناني نفسه لم يعد يعمل وفق القواعد التي سمحت طويلا بتبادل الوظائف بين دمشق وقوى غير رسمية داخل لبنان، ما كان يدار سابقا بمنطق النفوذ المباشر أو غير المباشر، صار اليوم عبئا على أي سلطة سورية تريد الاعتراف الإقليمي والدولي، فالدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة، في أحد أوجهها، نوعا من إعادة التموضع تجاه لبنان، ولكنها أيضا اعتراف ضمني بأن سوريا لم تعد قادرة أن تبقى أسيرة الصيغ القديمة للعلاقة مع بيروت.
الإقرار بسيادة الدولة في لبنان يبدو أكثر إقناعا حين تقترن به قدرة فعلية على منع استخدام المجال السوري نفسه في إعادة إنتاج ما يعلن رفضه، وإلا تحول الموقف إلى نوع من التقشف اللفظي؛ كلام صحيح في مضمونه العام، لكنه يبقى معلقا فوق أرض لم تُحسم خرائط السيطرة فيها بعد.
العراق: الحد الشرقي ليس تفصيلا جغرافيا بل اختبارا للسيادة
شرقا فإن العراق مجال تداخل مركزي بين الميليشيا والحدود والطاقة والتجارة والتهريب والنفوذ الإقليمي، وكل حديث عن تموضع سوري جديد يفقد جزءا كبيرا من معناه إن لم يُقاس بقدرة دمشق على إدارة هذا الحد الشرقي بوصفه خط سيادة، لا مجرد هامش ملتهب.
في هذا المجال تظهر إحدى أكثر مشكلات الخطاب الرسمي حساسية، فالحديث عن الاستقرار الإقليمي يفترض وجود مركز سياسي قادر على ضبط هوامشه، بينما الواقع يشير إلى أن جزءا كبيرا من الأزمة السورية كان، ولا يزال، مرتبطا بتحول الهوامش إلى فاعل مستقل نسبيا عن المركز.
لا يكفي أن تعلن سلطة دمشق وقوفها إلى جانب بغداد في احتواء التوترات، فالمعيار الجيوسياسي الحقيقي هو ما إذا كانت قادرة على منع الأراضي السورية من التحول مرة أخرى إلى ممر أو مخزن أو نقطة وصل لصراعات الآخرين، حيث أظهرت تجارب السنوات الماضية أن الدول حين تفقد احتكارها العملي للجغرافيا، لا يكفيها أن تستعيد الخطاب، لأنها تبقى عرضة لأن تستخدم ضد ما تعلن الدفاع عنه.
البنية التي سمحت بالانكشاف
القراءة التي تميل إلى اختزال الانكشاف السوري في لحظة سياسية بعينها، أو في انتقال سلطة إلى أخرى؛ تقدم تفسيرا مريحا، لكن الانكشاف بدأ حين باتت الجغرافيا تُدار بمنطق الوظيفة الإقليمية أكثر من منطق الدولة، وعندما تُصبح الدولة وسيطا بين نفوذ خارجي وداخل ممزق، فإنها تظل تبدو قائمة في الشكل، حتى وهي تخسر مضمونها تدريجيا.
التعامل مع المرحلة الراهنة كما لو أنها أنتجت الانكشاف من الصفر يتجاهل طبيعة السياسات المستحدثة، فالسلطة الجديدة تواجه واقعا جيوسياسيا عبر حدود قابلة للاختراق، ومجالا سياديا تداخل فيه الوطني مع الإقليمي، وفكرة دولة استهلكت في خدمة وظائف تتجاوزها، وكل محاولة للتموضع الإقليمي اليوم لا تنطلق من أرض فارغة، بل من طبقات كثيفة من التاريخ السياسي والأمني لا يمكن تبديدها ببيان متوازن أو لغة معتدلة.
الرسالة إلى إيران لا تُقاس بجرأتها البلاغية بل بقدرة دمشق على تحمّل تبعاتها
طرح فكرة رفض الساحات بالوكالة لا يحتاج إلى تسمية مباشرة كي يفهم، فالمهم جيوسياسيا ليس وضوح الرسالة، بل درجة استعداد مرسلها لتحمل كلفة معناها، ففي المشرق، لا يختبر استقلال القرار بما يقال عن النفوذ، بل بما يحدث حين يبدأ تقليص مساراته الفعلية من شبكات العبور، والتحالفات الهامشية، والبنى العسكرية غير الرسمية، وأشكال الاقتصاد المرتبطة بالحرب، وقنوات التأثير داخل المؤسسات نفسها.
الخطاب السوري الحالي، في جانب منه، محاولة لفتح مسافة مع منطق الوكلاء، لكن هذه المسافة تظل هشة إذا لم تسندها إعادة بناء حقيقية للدولة، فالدول الضعيفة لا تنفصل عن المحاور بإعلان سياسي، بل عبر مسار بطيء من استعادة الوظائف السيادية، وكلما تأخر هذا المسار، ظل احتمال الارتداد قائما، لأن الجغرافيا في النهاية لا تتسامح مع الفراغ، فإذا لم تملأه الدولة، ستملؤه شبكات القوة الأخرى.
أوروبا تُصغي، لكنها لا تُكافئ اللغة وحدها
في هذا السياق، يمكن فهم حرص سلطة دمشق على مخاطبة الأوروبيين بمفردات الاستقرار، وأمن الطاقة، ومنع الانفجار الإقليمي، وهذه لغة محسوبة بدقة، لأنها تتصل بمصالح أوروبا المباشرة في المتوسط والمشرق، لكن الإنصات الأوروبي لا يعني تلقائيا منح الشرعية أو الاستثمار أو إعادة التأهيل، فالعواصم الأوروبية خبرت طويلا الفجوة بين الخطابات المطمئنة والوقائع العنيدة، وهي تعرف أن المشكلة السورية لم تكن في قلة التصريحات الصحيحة، بل في ضعف القدرة على تحويلها إلى أنماط حكم مستقرة.
التموضع السوري الجديد، إن كان يريد أن يؤخذ بجدية، لا يكفيه أن يبدو عاقلا في لغته، وعليه أن يُثبت أنه قادر على إنتاج أثر جغرافي – سياسي ملموس، من حدود أكثر ضبطا، ومجالات أقل اختراقا، ومؤسسات أقدر على فرض القرار، وتراجعا فعليا لا نظريا في استخدام الأرض السورية لتصفية الحسابات الإقليمية.
الجغرافيا لا تمنح البراءة لأحد
تكشف الحالة السورية الراهنة حقيقة قاسية، فالجغرافيا لا تصنع السياسة وحدها، لكنها تعاقب بقسوة حين تدار السياسة ضد شروطها، وسوريا دفعت ثمن هذا التعارض طويلا، مرة حين جرى توظيف موقعها كأداة نفوذ، ومرة حين تآكلت البنية التي كانت تضبط هذا التوظيف، ومرة ثالثة حين صار على السلطة الجديدة أن تخاطب العالم بلغة الدولة فيما لا تزال الدولة نفسها مشروعا غير مكتمل.
المشكلة ليست أن سلطة دمشق تقول اليوم ما ينبغي أن يقال؛ المشكلة أن الجغرافيا التي تتكلم باسمها ما زالت تُظهر، كل يوم تقريبا، أن الطريق من العبارة السيادية إلى السيادة الفعلية أطول بكثير مما توحي به البلاغة الرسمية، وما دام هذا الفارق قائما، سيظل التموضع السوري الجديد أقرب إلى محاولة دفاعية للحد من الخسائر، لا إلى إعادة تأسيس مستقرة لدور إقليمي جديد.
عند هذه النقطة فقط يمكن فهم التصريحات الأخيرة في معناها الحقيقي؛ ليست إعلانا ناجزا عن عودة سوريا إلى موقع الدولة، بل علامة على أن الدولة نفسها باتت مطالبة بأن تثبت، داخل أكثر أقاليم العالم ازدحاما بالتدخلات، أنها قادرة على أن تستعيد جغرافيتها من الوظائف التي ابتلعتها طويلا، وهذا، في المشرق، ليس تعديلا في السياسة الخارجية فحسب، بل معركة طويلة على معنى الأرض، والحدود، والسيادة.

