إغلاق تاميكو في 2026 وتأثيره على الأمن الدوائي في سوريا

لم يكن إغلاق معمل تاميكو مطلع عام 2026، حادثة طارئة إنما نتيجة منطقية لمسار من التآكل، فالخبر مهما جرى تغليفه بعبارات من قبيل “إيقاف مؤقت” أو “إجراء تنظيمي لتحسين الجودة”، يكشف عن خلل أعمق من جدران متصدعة أو خطوط إنتاج غير مطابقة، فهو يكشف عن دولة فقدت القدرة على مواءمة السيادة مع الإدارة، والشعار مع التنفيذ.

تاميكو لم تتوقف لأنها معمل في منطقة منكوبة، بل لأنها أصبحت ضحية تداخل معقد بين البيروقراطية المتباطئة، وضعف الاستثمار الاستباقي، وغياب رؤية صناعية واضحة، وعندما يصبح الامتثال لمعايير التصنيع الجيد سببا لتعليق الإنتاج، فإن السؤال لا يعود تقنيا، بل سياسيا بامتياز، فكيف وصلت مؤسسة دوائية استراتيجية إلى نقطة يصبح فيها الالتزام بالمعايير الدولية نقيضا للاستمرارية بدل أن يكون شرطها الطبيعي؟

ما جرى ليس اختبارا لمعمل واحد، بل امتحان لقدرة الدولة على إدارة قطاع حيوي بمنطق استراتيجي لا بردود أفعال، ففي قطاع الدواء لا يقاس الفشل بخسارة مالية، بل بجرعة مؤجلة، أو علاج مفقود، أو ثقة تتآكل بصمت، وهنا تحديدا يتبدى إغلاق تاميكو كمرآة لأزمة أوسع: أزمة سياسات عامة لم تحسم خياراتها بين اقتصاد موجه فعليا واقتصاد سوق منظم، فبقيت عالقة في منطقة رمادية تنتج التعثر أكثر من الدواء.

“إيقاف مؤقت” أم إغلاق فعلي؟

الرواية الرسمية صاغت الحدث بعبارة محسوبة؛ إيقاف مؤقت لإنتاج تاميكو في مقرها البديل بريف دمشق، ريثما يعاد تأهيل البنية التحتية بما يضمن العودة وفق معايير “التصنيع الجيدGMP “.

لكن مضمون التفاصيل هو الذي يرسم المعنى السياسي، فالمقر الرئيسي في المليحة “مدمر بالكامل”، والمقر البديل “لا يستوفي الشروط الفنية المطلوبة”، ما دفع الشركة إلى “التصنيع لدى الغير” عبر معامل خاصة مرخصة ومطابقة للمعايير.

هنا تتكشف المفارقة فإن كان المقر الرئيسي خارج اللعبة منذ سنوات بفعل التدمير، وإن كان البديل نفسه غير صالح إنتاجيا وفق اشتراطات الوزارة، فإن “الإيقاف المؤقت” ليس مجرد توقف خط إنتاج، بل تعليقوظيفة الدولة الإنتاجية لصالح ترتيبات تعاقدية مع القطاع الخاص، وهذا، في لغة السياسات العامة، انتقال من نموذج “الإنتاج العام” إلى نموذج “الشراء/التعهيد” (outsourcing) تحت الضغط، لا تحت التخطيط.

الأمن الدوائي: معادلة الجودة مقابل التوفر

تقنيا، تبدو خطوة الإيقاف مدفوعة بمنطق سلامة الدواء؛ ثغرات في أنظمة ضبط الجودة والتوثيق وتأهيل خطوط الإنتاج، مع اشتراطات للنظافة والتعقيم وفحص المواد الأولية ومراقبة الجودة والتخزين والنقل، لكن الأمن الدوائي لا يقاس بجودة المنتج وحدها، بل بقدرته على الوصول إلى المريض في الزمن والسعر المناسبين، فيدخل القرار في منطقة رمادية، فكيف توازن الدولة بين “الصرامة الرقابية” و”استمرارية التزويد” في سوق يعاني أصلا من اختناقات المواد الأولية والتمويل؟

وزارة الصحة تقول إن معظم أصناف تاميكو متوافرة من معامل أخرى، وإن الإيقاف “لن يسبب نقصا، غير أن هذه الطمأنة تصطدم بسؤال عملي، فإذا كان البديل هو تعدد المصادر، فهل الدولة تمتلك أدوات دقيقة لمنع الاحتكار، وضبط الأسعار، ومراقبة الجودة عند تعدد المنتجين؟ النظرية سهلة؛ التنفيذ في اقتصاد مأزوم أصعب بكثير.

“التصنيع لدى الغير”: حل اضطراري يغير شكل السوق

حين تعلن تاميكو أنها ستؤمن المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج لمعامل خاصة لإنتاج أدويتها، فهي فعليا تعترف بأن دورها تحول من “منتج” إلى “منسق سلسلة توريد” ومتعهد جودة وتعبئة.

ويزداد الأمر وضوحا في تصريح التخطيط بالشركة، فالعمل داخل تاميكو يقتصر حاليا على استكمال تعبئة “بضاعة نصف مصنعة” (الكرتنة)، بينما لا توجد عملية إنتاج كاملة داخل الشركة بسبب توقف المعمل الرئيسي.

سياسيا، هذا التحول يخلق ثلاثة آثار جانبية خطيرة على الأمن الدوائي:

  1. هشاشة الاعتماد على الغير، فالتعاقد لا يلغي المخاطر، بل يعيد توزيعها، فتعثر لدى المعمل المتعاقد معه—طاقة إنتاجية، انقطاع كهرباء، نقص مواد—ينعكس مباشرة على توافر أصناف تحمل اسم تاميكو، دون أن تمتلك الشركة سيطرة مباشرة على خطوطها.
  2. اختبار الثقة،فحين يُقال للمواطن “المشكلة في المبنى لا في جودة الدواء”، فإن الرسالة المقصودة طمأنة، لكن الرسالة المستقبلة هي ارتياب، فإذا كان المبنى غير مطابق للـGMP، فماذا عن مراحل سابقة؟ وكيف سيتحقق المستهلك من أن “التصنيع لدى الغير” يطابق نفس المعايير؟
  3. تسييل مفهوم القطاع العام، فتاميكو التي تقدم بوصفها ركيزة للدواء الوطني تصبح بحكم الأمر الواقع علامة تجارية تدير عقودا، ما يطرح سؤالا طويل الأمد عن معنى بقاء مؤسسات إنتاجية عامة بلا قدرة إنتاجية فعلية.

إسقاطات على السياسات العامة: حين يعاكس الواقع الدرس

إذا كان من المفترض أن يشكل ملف تاميكو مناسبة لاستخلاص دروس في الحوكمة والتخطيط الاستراتيجي، فإن المؤشرات العملية توحي بأن السياسات العامة المتبعة تسير في اتجاه معاكس، ولو من دون إعلان ذلك صراحة.

  • أولا الاستثمار قبل الحوكمة، لا العكس

في النظرية، يُفترض أن تبدأ أي عملية إعادة تأهيل ببناء منظومة إدارة جودة صلبة من توثيق وتتبع وتدريب وتدقيق داخلي واستقلال نسبي للرقابة الفنية عن التقلبات الإدارية، لكن ما تكشفه الوقائع أن البنية المادية بقيت لسنوات تتقدم على البنية المؤسسية، والحديث عن ثغرات جاء متأخرا، بعد أن أصبحت الأزمة واقعا، فالحوكمة لم تكن شرطا مسبقا للاستثمار، بل نتيجة اضطرارية له، ما يعكس خللا بنيويا فالتعامل مع معايير الـGMP كمتطلب إداري يُستكمل لاحقا، لا كأساس تُبنى عليه المؤسسة منذ البداية.

  • ثانيا: إدارة السوق برد الفعل لا بتصميمه

عندما يُطرح “تعدد مصادر التوريد” كحل لمنع النقص والاحتكار فهو أداة ضمن تصميم سوق متكامل يتطلب قواعد بيانات دقيقة، وتنبؤا بالطلب، ومخزونا استراتيجيا، وآليات شراء شفافة ومعلنة، وما يظهر في الحالة السورية انتقال إلى البدائل بعد وقوع الخلل، لا نتيجة هندسة مسبقة للمخاطر، والفرق بين الحالتين جوهري؛ فالأولى إدارة أزمة، والثانية إدارة نظام، الأمن الدوائي لا يُصان بقرارات إسعافية، بل بإدارة احتمالات النقص قبل حدوثه.

  • ثالثا: غموض وظيفة القطاع العام

في الأدبيات الاقتصادية، يبرر وجود لاعب عام قوي في القطاعات الحساسة بوظيفته التصحيحية، فإنتاج ما لا ينتجه السوق أو ما يعجز عن توفيره بصورة مستقرة وبأسعار منضبطة اجتماعيا، يجعل القطاع العام معتمدا على “التصنيع لدى الغير”، دون تحديد واضح للأصناف الاستراتيجية التي يحتفظ بها حصريا، فإن دوره يتحول من ضامن للمصلحة العامة إلى منافس تقليدي بقدرات أضعف، والمفارقة أن السياسات المعلنة لا تتخلى عن خطاب “السيادة الدوائية”، لكنها تترك المجال لتشكل سوق تقوده الضرورة لا التخطيط، والربحية بدل الأولوية الصحية.

  • رابعا: الشفافية المؤجلة

في ملف بحجم حساسية الدواء، يصبح نقص المعلومات جزءا من المشكلة، فغياب الشفافية لا يخلق فراغا محايدا، بل يولد سلوكيات مضطربة، من تداول الشائعات إلى المضاربة والتخزين بدافع الاحتياط، حتى وسائل الإعلام القريبة من الرواية الرسمية وجدت نفسها مضطرة إلى نفي “الإغلاق النهائي” والتأكيد أن المشكلة في المقر لا في جودة المنتج، غير أن النفي ليس سياسة تواصل، فالشفافية الاستباقية مثل نشر تقارير تدقيق مختصرة، وإعلان خطط زمنية واضحة، وتحديث دوري لمؤشرات التوافر، ليست ترفا إداريا، بل أداة لضبط السوق وحماية الثقة العامة.

لا تكشف أزمة تاميكو فقط عن تعثر معمل، بل عن نمط أوسع في إدارة القطاعات الحيوية، عبر تغليب المعالجة اللاحقة على التخطيط الوقائي، وتقديم الإنفاق على الإصلاح، واعتماد الحلول المؤقتة بدل إعادة تعريف الأدوار، والسياسات العامة لا تُقاس بخطابها، بل باتجاه حركتها الفعلية، وفي حالة الدواء، يبدو الاتجاه أقرب إلى إدارة الضرورة منه إلى صناعة الاستراتيجية.

لم تعد مسألة الدواء في سوريا مسألة قدرة تصنيعية مجردة، بل مسألة قدرة مؤسسية شاملة، فالقضية لم تعد تتعلق بعدد خطوط الإنتاج أو حجم الكميات المنتجة، بل بامتلاك الدولة رؤية متكاملة لإدارة دورة الدواء من المادة الأولية إلى رف الصيدلية، ما يتطلب سياسة صناعية واضحة، وآليات تمويل مستقرة، ونظام معلومات قادرا على التنبؤ بالنقص قبل حدوثه، وأطر تنظيمية تحدد بدقة أدوار القطاعين العام والخاص من دون ارتباك أو ازدواجية.

تاميكو ليست حادثة صناعية معزولة، بل مؤشر على طبيعة البنية الحاكمة للقطاع الصحي ككل، فعندما تتعثر مؤسسة استراتيجية، ينكشف السؤال الأعمق، فهل تعمل السياسات وفق منطق استباقي يضبط المخاطر ويمنع تراكمها، أم وفق منطق تكيفي يتعامل مع النتائج بعد وقوعها؟ هنا يتحول معيار الجودة من بند تقني في دفاتر الرقابة إلى مقياس لصلابة الدولة نفسها؛ فالدول التي تملك مؤسسات مستقرة لا تفاجئها المعايير، بل تبني سياساتها على افتراضها المسبق.

تاميكو 2026: رسم بياني تفاعلي لأزمة السياسات

تاميكو 2026: من إنتاج عام إلى إدارة تعاقدات

أزمة سياسات عامة تفاعلي

الإغلاق ليس عارضًا صناعيًا، بل مرآة لخلل مؤسسي.. جودة أم استمرارية؟

هشاشة الاعتماد على الغير

0%
مخاطر انتقال سلسلة التوريد

فجوة ثقة المستهلك

0%
ارتياب من جودة “التصنيع لدى الغير”

الشفافية المؤجلة

0%
مؤشر نشر المعلومات (تقديري)

تآكل الإنتاج العام

0%
نسبة الإنتاج الفعلي مقارنة بـ2010
مسار التآكل: من المليحة إلى “الإيقاف المؤقت”
2020 المقر الرئيسي (المليحة)
100%
2021-23 تدمير المليحة / الاعتماد على البديل
65%
35%
2024-25 تصنيع لدى الغير جزئي
30%
70%
2026 إيقاف مؤقت / تعبئة فقط
تعبئة
85%
إنتاج مباشر (عام)
إنتاج بدائل / جزئي
تصنيع لدى الغير
تعبئة / أعمال محدودة
تحول نموذج الإنتاج (تقدير 2026)
10% إنتاج عام مباشر
18% تصنيع بدائل (خاص مرخص)
72% تعاقد / تصنيع لدى الغير

الدولة تتحول من منتج إلى منسق سلسلة توريد .. الأمن الدوائي على المحك

بناءً على تحليل سياسات عامة وبيانات مفتوحة – تاميكو 2026
تفاعلي: مرر المؤشر على الأشرطة / البطاقات لرؤية التفاصيل
قراءة موسعة: تاميكو 2026.. حين يتحول الإغلاق من عارض صناعي إلى عرض لأزمة السياسات العامة – الأمن الدوائي في مهب الريح.

فكرتين عن“إغلاق تاميكو في 2026 وتأثيره على الأمن الدوائي في سوريا”

  1. ميرنا سلام

    الله لايسامحهم عملاء التركي لا يعلمون الجهود التي بذلت من السوريين لإنشاء هذا الصرح الوطني العظيم افضل الدواء السوري الوطني للمواطن والخارج وقطع ارزاق مئات العاملين الويل لكل زنديق رخيص للخارج والتركي

  2. حازم عبد الحق

    المسألة هي ليست عن الدواء، بل عن القطاع العام الصناعي، المحكوم ببيروقراطية تمنع تطوره.
    ووالمثال يفضح ما يجري ببقية المعامل العامة، التي يجب تغيير طريقة إدارتها.
    المشكلة قديمة، وكل إدارة تبحث عن إنجازات أمام الصحافة و الادارات العليا. لغاية أن وصلنا إلى ماهو عليه المعمل.
    ولكن هل تغيرت عقلية إدارة القطاع العام الصناعي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *