توماس براك وإعادة هندسة المشرق: رؤية جيوسياسية لسوريا ولبنان

في كانون الأول 2025، أعادت مداخلة قصيرة لرجل الأعمال والمبعوث السياسي الأميركي توماس براك في منتدى الدوحة، فتح نقاش قديم حول طبيعة الجغرافيا السياسية للمشرق العربي، وحدود لبنان وسوريا، ومكانة الإقليم في مشروعات السلام المتخيلة بعد سقوط النظام السوري السابق، وصعود سلطة انتقالية جديدة في دمشق.

الجملة التي أثارت الجدل، والمنقولة عبر وسائل إعلام لبنانية، قال فيها براك إنّه “يجب أن نجمع سوريا ولبنان معاً لأنهما يمثّلان حضارة رائعة”.

غياب تسجيل رسمي للخطاب يجعل الصياغة محلّ احتراز مهني، فإن التصريح لا يمكن فهمه بمعزل عن رؤية أوسع لدى براك حول الجيوسياسة السورية – اللبنانية – الإسرائيلية في زمن ما بعد انهيار الحدود القديمة للشرعية.

منذ سبعينيات القرن العشرين، اعتاد الإقليم قراءة ذاته ضمن سردية الدولة الوطنية الحديثة، وبالأخص بعد ترسيم الحدود السورية – اللبنانية تحت الانتداب الفرنسي، لكن الجغرافيا السياسية ليست فقط خرائط تحددها المعاهدات، بل هي علاقات قوة تتجدد تحت ضغط الحرب والانهيار والمجال الحيوي، وجاءت تصريحات براك كجزء من محاولة لإعادة تعريف “الفضاء السوري – اللبناني” باعتباره مجالا حضاريا، أكثر منه حدودا بين دولتين منفصلتين.

لم يتحدث براك عن مشروع ضمّ قانوني صريح، بل عن تقارب أو “مواءمة” بين البلدين داخل بنية سلام جديد للشرق الأوسط.

سوريا: مركز جديد للمعادلة

السياق الأول لفهم كلام براك هو التحول الكبير في سوريا منذ ديسمبر 2024، حين فقد النظام السابق قدرته على الإمساك بسلطة الدولة، وانتقلت سلطة دمشق إلى ترتيبات سياسية وأمنية معقدة، ويرى براك أنّ سوريا الجديدة لا ينبغي قراءتها كحالة محلية فحسب، بل كقطعة مركزية في لوحة إقليمية أوسع، فالمبعوث الأميركي سبق أن تحدث عن سوريا ولبنان بوصفهما “القطعتين التاليتين” في مشروع سلام إقليمي، وهو ما يعني أن واشنطن، أو على الأقل تيارا داخل دوائر القرار الأميركي، ينظر إلى دمشق باعتبارها بوابة يمكن أن تنظّم التوازن في المشرق.

الدولة المركزية ليست مجرد جهاز إداري، بل مساحة ضبط جيوسياسي يتحكم في الموارد والموانئ والحدود وحركة الجماعات المسلحة، وسوريا، إذا استقرت مؤسساتها السياسية والأمنية، يمكن أن تعيد صياغة علاقتها بالبحر المتوسط، بخاصة عبر الموانئ السورية الكبرى، وأن تستعيد دورها بوصفها محورا للتجارة والطاقة ينتقل عبر لبنان والأردن وتركيا نحو أوروبا.

لبنان: الدولة العالقة بين الفوضى والفضاء السوري

هنا ينتقل تفكير براك إلى لبنان، فالرجل لا يُخفي وصفه للبنان بأنه “دولة فاشلة”، وهو توصيف لا يخلو من مبالغة سياسية، لكنه يعكس قراءة أميركية ترى أنّ الأزمة اللبنانية ليست فقط مالية أو نقدية، بل هي أزمة سيادة وسلاح.

وجود قوة عسكرية منظمة خارج الدولة – حزب الله – يحد من قدرة بيروت على تقديم تنازلات أو صياغة ترتيبات مستقرة مع “إسرائيل”، أو حتى الانخراط في إعادة إعمار سوريا على أساس مؤسساتي منظم.

لكن الجوهر الجيوبوليتيكي هنا لا يتوقف عند السلاح، بل عند ضيق المساحة اللبنانية وانكشافها الجغرافي على سوريا، فمنذ القرن التاسع عشر، مثّل جبل لبنان فضاء عمرانيا – اقتصاديا متشابكا مع المدن السورية الكبرى من طرابلس إلى حمص ودمشق.

رغم أن الحدود السياسية منذ الانتداب الفرنسي حاولت تحويل هذه العلاقة إلى دولتين منفصلتين، إلا أن الاقتصاد الحقيقي لا يزال يعمل بحكم الجغرافيا، وما يقترحه براك، وإن جاء عبر لغة مُستفزة، هو العودة إلى هذا الواقع عبر مؤسسة سياسية – اقتصادية مشتركة، أقرب إلى مجال مشرقي منه إلى دولة واحدة.

قراءة المشرق تحتاج إلى النظر إلى تاريخ المدن، لا تاريخ الدول فقط، فبيروت ودمشق ليستا وحدتين منفصلتين بقدر ما هما عقدتان عمرانيتان داخل قاعدة حضارية واحدة تمتد من حلب شمالا إلى صيدا جنوبا، وبهذا التفكير تولد الفكرة بأنّ “توحيد” سوريا ولبنان ليس فكرة أيديولوجية بل قراءة جغرافية لعلاقات ما قبل الحدود.

السلام المعلّق: ربط دمشق وبيروت بخط تفاوض واحد

السياق الجيوبوليتيكي الثاني هو العلاقة مع “إسرائيل”، فتفكير براك في سوريا ولبنان ككتلة واحدة يقود إلى سؤال عن طبيعة التسوية الممكنة مع “تل أبيب”، فترى بعض دوائر واشنطن أنّ ربط الملف اللبناني بالملف السوري يسمح ببلورة تفاهمات على الحدود، من الموارد البحرية، والممرات الأمنية، من دون أن تكون بيروت وحيدة في مواجهة “إسرائيل”.

 هذا المنطق – وإن كان يخدم مصالح “إسرائيل” – يخلق أيضا إطارا تفاوضيا أكثر استقرارا، لأنّ الدولة السورية، إذا استقرت، تمتلك قدرة سيادية أكبر من لبنان على التوقيع والضمان والتطبيق.

تُقرأ هذه الرؤية باعتبارها هندسة للمجال عبر تسويات إقليمية، لا حلولا محلية، فـ”إسرائيل”، الدولة المركزية المسيطرة على القوة البحرية في شرق المتوسط، صفقة شاملة تُغلق معظم جبهاتها الشمالية عبر دمشق، لا عبر لبنان وحده الذي يصعب ضبطه بسبب ديناميكية الداخل وضعف المؤسسات، فيصبح “التقريب بين دمشق وبيروت” ليس مجرد فكرة رومانسية حول الحضارة المشتركة، بل ضرورة جيوسياسية لنزع التوتر وإدارة الحدود الشمالية لإسرائيل.

الدولة المركزية السورية مقابل مشاريع اللامركزية

أحد عناصر خطاب براك في المنتدى كان رفضه المقارنات المتكررة بين سوريا وتجارب لامركزية مثل العراق، والبوسنة وليبيا، فهو يعتبر أن اللامركزية في سوريا تؤدي إلى تفتيت طويل الأمد، وتعقيد التفاوض مع دول الجوار، وإعاقة إعادة الإعمار، فالدولة المركزية حين تتوفر لها القدرة على ضبط المجال؛ تمنح إدارة عمرانية وأمنية واحدة، وهو أمر ضروري في إقليم شديد التشظي الإثني والديني.

من هذا المنظور، فإن إدماج لبنان في الفضاء السوري، ولو عبر ترتيبات غير رسمية أو تدريجية، ويبدو امتدادا طبيعيا لإعادة بناء قدرة المركز السوري، فليس المطلوب إلغاء الكيان اللبناني، بل إنتاج مجال مشرقي موحد في المرافئ والطاقة والأمن وإعادة الإعمار، كما يسمح للدولة السورية أن تستعيد المجال الحيوي الذي فقدته خلال الحرب.

إمكانات المجال الاقتصادي الجديد

إذا أعدنا قراءة كلام براك اقتصاديا، نجد أنه يستند إلى منطق الممرات، فإعادة الإعمار السورية تحتاج إلى منفذ مصرفي وتجاري، وهو ما لا تستطيع دمشق إنجازه وحدها بعد الانهيار الطويل، ولبنان، على الرغم من انهياره المصرفي، لا يزال يحتفظ بخبرة مالية وتجارية أوسع وعلاقات دولية مفتوحة.

من الناحية الجغرافية الاقتصادية، تصبح فكرة “التكامل” بين البلدين أكثر وضوحا؛ مرافئ سوريا الكبيرة (مثل طرطوس واللاذقية) مع قدرة بيروت على توفير التمويل والعلاقات، ثم فتح ممر بري عبر الأردن والخليج، أو نحو تركيا وأوروبا.

هذا ما يجعل “التوحيد” هنا أقرب إلى تكامل وظيفي، وليس دولة واحدة، بل جهاز اقتصادي – عمراني – أمني يعمل داخل فضاء واحد، ويخفف من عبء الحدود السياسية، ويحول الصراع من نزاع حدودي إلى إدارة مشتركة للمجال.

هل يبدو الكلام مثالياً؟

الإشكال الجوهري في طرح براك ليس في الهوية الحضارية المشتركة، فهذا كان واقعا تاريخيا، بل في البنية السياسية التي ستحكم هذا المجال، فلبنان لا يستطيع الدخول في ترتيبات مشتركة مع سوريا من دون حل معضلة السلاح، وإعادة تأسيس مؤسسات الدولة، وسوريا لا يمكنها لعب دور المركز الحقيقي ما لم تستقر مؤسسات الحكم وتنجح في إعادة إدماج المناطق الخارجة عن سيطرتها السابقة، كما أنّ “إسرائيل”، رغم استفادتها من صفقة شاملة، تطلب ضمانات سيادية معقّدة لا يستطيع لبنان تقديمها بمفرده.

تصريحات توماس براك، بصيغتها المنقولة، ليست افتتاحا لمشروع ضم سياسي، بل محاولة لإعادة بناء مفهوم الفضاء السوري – اللبناني ضمن نظام سلام إقليمي جديد، فبدل أن يُفهم المشرق كوحدة مجزأة إلى دولتين منهكتين، تُطرح الفكرة على أنها إعادة هندسة للمجال تسمح بتوزيع الوظائف؛ مركز سياسي وأمني في دمشق، ووظائف مالية وتجارية في بيروت، مع انتظام الحدود في إطار تسوية شاملة مع إسرائيل.

بهذا المعنى، تعود الجغرافيا السياسية إلى وظيفتها الأولى؛ التحكم في المجال وليس مجرد إدارة دولة، يبقى أن نذكّر بأن الجملة الأشهر المنسوبة لبراك “يجب أن نجمع سوريا ولبنان معا” لا بد أن تُقرأ بتحفّظ فهي صادرة عن تغطيات إعلامية لا عن نص رسمي، ولكنها تتصل برؤية واضحة لدى الرجل حول المشرق كفضاء حضاري – اقتصادي – أمني واحد، لا مجرد دولتين بحدود حديثة.

ويبدو أن مستقبل المنطقة سيتوقف ليس فقط على إعادة بناء الدولة السورية بالمنطق الأميركي، بل أيضا على قدرة لبنان على الخروج من مأزقه البنيوي، وعلى استعداد القوى الإقليمية والدولية لفتح مسار تفاوض طويل الأمد على أساس إدارة مشتركة للمجال المشرقي، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات المتفرقة.

رؤية براك الجغرافية السياسية للمشرق

توماس براك ورهانات الجغرافيا السياسية الجديدة في المشرق

بين “ضمّ حضاري” وتصوّر لسلام معلّق – تحليل تفاعلي للرؤية الجيوسياسية

“يجب أن نجمع سوريا ولبنان معاً لأنهما يمثّلان حضارة رائعة” – توماس براك (منتدى الدوحة، كانون الأول 2025)
المكونات السورية
المكونات اللبنانية
التحديات والمخاطر
الفرص والإمكانات

النموذج المفاهيمي: من دولتين إلى فضاء مشترك

يعيد تصريح براك فتح النقاش حول طبيعة الجغرافيا السياسية للمشرق العربي، مقترحاً تحولاً من نموذج الدولة الوطنية إلى نموذج الفضاء الحضاري المشترك بين سوريا ولبنان.

الدولة المركزية السورية

يرى براك أن سوريا الجديدة يجب أن تكون قطعة مركزية في اللوحة الإقليمية، وقادرة على لعب دور المحور الجيوسياسي الذي ينظم التوازن في المشرق.

لبنان: الدولة العالقة

يصف براك لبنان بأنه “دولة فاشلة” تعاني أزمة سيادة وسلاح، مما يحد من قدرتها على التفاوض أو الانخراط في ترتيبات إقليمية مستقرة.

التكامل الوظيفي

ليس المقصود “دولة واحدة” بل جهاز اقتصادي-عمراني-أمني يعمل داخل فضاء واحد، مع توزيع الوظائف بين دمشق (المركز السياسي والأمني) وبيروت (الوظائف المالية والتجارية).

الإمكانات الاقتصادية: منطق الممرات والتكامل

يستند تفكير براك إلى منطق الممرات الاقتصادية حيث يمكن للتكامل بين البلدين أن يخلق مجالاً اقتصادياً أكثر فاعلية.

مقومات التكامل الاقتصادي

  • الموانئ السورية الكبرى (طرطوس واللاذقية) مع القدرة اللبنانية على التمويل والعلاقات الدولية
  • الممر البري عبر الأردن نحو الخليج، أو نحو تركيا وأوروبا
  • تكامل الموارد: إعادة الإعمار السورية تحتاج لمنفذ مصرفي تجاري، ولبنان يملك خبرة مالية أوسع رغم أزمته
  • الطاقة والنقل: إمكانية تحويل سوريا إلى محور للطاقة والتجارة ينتقل عبر لبنان والأردن وتركيا

التحديات والعقبات

رغم الجاذبية النظرية للنموذج، تظل هناك عقبات بنيوية وسياسية وأمنية تعيق تحقيقه.

التحديات اللبنانية

عدم قدرة لبنان على الدخول في ترتيبات مشتركة مع سوريا دون حل معضلة السلاح خارج الدولة، وإعادة تأسيس مؤسسات الدولة المنهكة.

التحديات السورية

ضرورة استقرار مؤسسات الحكم في سوريا، وإعادة إدماج المناطق الخارجة عن السيطة، وإنجاز الانتقال السياسي بنجاح.

البعد الإسرائيلي

طلب “إسرائيل” ضمانات سيادية معقدة لا يستطيع لبنان تقديمها بمفرده، مع ضرورة إطار تفاوضي شامل يربط الملفين السوري واللبناني.

الإرث التاريخي

العلاقة المعقدة بين البلدين منذ الانتداب الفرنسي وترسيم الحدود، والهوية السياسية اللبنانية المتميزة التي قد تقاوم “الإدماج” في فضاء سوري أوسع.

الخلاصة: نحو هندسة جديدة للمجال المشرقي

تصريحات توماس براك ليست مشروع ضم سياسي صريح، بل محاولة لإعادة بناء مفهوم الفضاء السوري-اللبناني ضمن نظام سلام إقليمي جديد. الفكرة الأساسية هي تحويل المشرق من وحدة مجزأة إلى دولتين منهكتين، إلى إعادة هندسة للمجال تسمح بتوزيع الوظائف بين مركز سياسي وأمني في دمشق، ووظائف مالية وتجارية في بيروت.

يعود هذا التصور إلى وظيفة الجغرافيا السياسية الأولى: التحكم في المجال وليس مجرد إدارة دولة. مستقبل المنطقة سيتوقف ليس فقط على إعادة بناء الدولة السورية، بل أيضاً على قدرة لبنان على الخروج من مأزقه البنيوي، وعلى استعداد القوى الإقليمية والدولية لفتح مسار تفاوض طويل الأمد على أساس إدارة مشتركة للمجال المشرقي.

يجب التحفظ: الجملة الأشهر المنسوبة لبراك لا بد أن تُقرأ بتحفّظ فهي صادرة عن تغطيات إعلامية لا عن نص رسمي، ولكنها تتصل برؤية واضحة حول المشرق كفضاء حضاري-اقتصادي-أمني واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *