السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط من خلال مقابلة توماس بارّاك

وسط التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، تبقى السياسة الأمريكية تجاه المنطقة محور جدل دائم، لا بسبب تناقضاتها فحسب، بل أيضا لأنّها تكشف عن توازن دقيق بين المصلحة والقيم، وبين الواقعية البراغماتية والادعاءات الأخلاقية.

مقابلة توماس بارّاك الأخيرة التي اتسمت بصراحة غير معهودة، تشكّل نافذة لفهم العقل السياسي الذي يوجّه إدارة ترامب الثانية في تعاطيها مع أزمات الشرق الأوسط، فأسلوب بارّاك المباشر يفضح التناقضات الكامنة في العقيدة الأميركية، حيث السعي إلى الانسحاب من مسؤوليات مرهقة، مقابل الرغبة في الاحتفاظ بالقدرة على التأثير والهيمنة.

عقيدة ترامب: براغماتية بلا أوهام

بارّاك قدّم “عقيدة ترامب” في صياغة مختصرة: لا مزيد من المغامرات العسكرية ولا المزيد من الأرواح الأميركية المهدورة، مع تركيز على مكافحة الإرهاب والتعاون مع الشركاء المحليين، وهذه المقاربة تمثل قطيعة مع سياسة “بناء الأمم” التي وسمت مرحلة ما بعد 11 أيلول، لكنها لا تلغي إرثها بالكامل، فالولايات المتحدة، كما قال بارّاك، ما زالت ترى في “إسرائيل” استثناء لا يخضع لقواعد التخفيض أو إعادة التوازن.

هذه الرؤية تنسجم مع واقع سياسي أميركي متعب من الحروب الطويلة، لكنه في الوقت نفسه عاجز عن إعادة تعريف دور واشنطن في المنطقة بشكل جذري، فهي سياسة تقوم على تقليص الكلفة لا على إعادة صياغة الرؤية.

“إسرائيل”: الحليف المميز والمصدر الدائم للإرباك

بارّاك لم يخفِ مكانة “إسرائيل” الخاصة في الوجدان السياسي الأميركي، لكنه أقرّ بوجود أزمة داخلية تتعلق بتراجع الدعم الشعبي لها، حتى داخل الحزب الجمهوري، وهذه الازدواجية تضع واشنطن أمام مأزق؛ فهل تستمر في سياسة الانحياز غير المشروط، أم تعيد النظر بما يتماشى مع تحولات الرأي العام؟

إجابة بارّاك بدت براغماتية؛ فالسلام وهم، والشرعية هي جوهر الصراع، وفي هذا التصريح تتجلى قناعة جذرية في واشنطن بأن الصراع الفلسطيني – “الإسرائيلي” لا يمكن حله عبر المفاوضات وحدها، بل عبر فرض وقائع جديدة يحدّدها ميزان القوة، وهذا المنطق يبدو واقعياً، لكنه يزرع بذور صراع أطول وأعمق.

غزة: بين الهدنة المستحيلة والمعضلة الإنسانية

حين رفض بارّاك فكرة وقف إطلاق النار في غزة، كان يعكس عقلية سائدة في دوائر القرار الأميركي، فلا جدوى من الهدن المتكررة التي تنهار سريعا، لكن المشكلة أن هذا المنطق يتجاهل المعضلة الإنسانية، ويختزل الصراع في معادلة أمنية باردة.

هنا يظهر البعد الأكثر تناقضا في السياسة الأميركية، فالتركيز على الاستقرار الأمني ولو على حساب الأرواح، مقابل خطاب مكرّس لحقوق الإنسان والديمقراطية.

لبنان: الفساد، حزب الله، والحدود القصوى للتدخل الأميركي

بارّاك رسم صورة قاتمة للبنان من انهيار اقتصادي شامل، إلى فساد متجذر، وجيش ضعيف مقابل ميليشيا قوية مدعومة من إيران، وفي نظره، الحل الوحيد يكمن في خنق التمويل الإيراني لحزب الله، لكن هذا الطرح يتجاهل الأسئلة البنيوية، فماذا عن الدولة اللبنانية؟ كيف يمكن تعزيز مؤسساتها؟ وهل يمكن فصلها عن شبكة النفوذ الإقليمي دون دعم دولي فعّال؟

جواب بارّاك كان حادا: هذه ليست مسؤوليتنا، فواشنطن لن تُرسل قوات ولن تنخرط في مغامرات جديدة، وهذا الخطاب يكشف حدود الالتزام الأميركي عبر دعم استشاري وتقني وربما مالي، لكن لا انخراط مباشر، فلبنان يُترك لمصيره في معادلة قاسية، فإمّا أن يواجه أزماته بنفسه، أو يظل رهينة صراعات القوى الإقليمية.

إيران: العدو الماكر وخيار الضربة المؤجلة

حين تحدث بارّاك عن إيران، ميّز بين شعب “رائع” ونظام “ماهر في المماطلة”، هذه الثنائية تعكس الموقف الأميركي التقليدي من خلال التفريق بين النظام والشعب، مع الإبقاء على خيار المواجهة العسكرية مطروحا، وهنا يظهر التناقض الأميركي في أوضح صوره، فخطاب دعم لحقوق الشعوب، يقابله استعداد لتوجيه ضربة مدمرة إذا اقتضت المصالح.

إيران تبقى عقدة السياسة الأميركية، لا لكونها فقط راعية لوكلاء مسلحين حسب وصفهم، بل لأنها قادرة على تأجيل المواجهة عبر مناورة سياسية طويلة الأمد.

الخليج: بين الحاجة إلى الأمن ومأزق الديمقراطية

بارّاك ذهب أبعد من المألوف حين اعتبر أن الأنظمة الملكية الخليجية “أكثر نجاحا” من الديمقراطيات المفروضة، وهذا التصريح يفضح واقعية السياسة الأميركية، فواشنطن لم تعد تتحدث عن نشر الديمقراطية، بل عن توفير الأمن للشركاء، وفي زمن تراجع الاعتماد على نفط الخليج، يصبح الأمن هو العملة الجديدة التي تدير بها واشنطن علاقتها مع هذه الدول.

لكن هذه المقاربة، وإن بدت عملية، تحمل تناقضا جوهريا، فكيف يمكن لواشنطن أن تبرّر شراكتها مع أنظمة غير ديمقراطية بينما تواصل رفع شعار حقوق الإنسان في أماكن أخرى؟ إنها سياسة محكومة ببراغماتية قصيرة المدى، لكنها تبني فجوة متزايدة بين الخطاب والممارسة.

الصين والتكنولوجيا: خطوط التماس الجديدة

إشارة بارّاك إلى الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية تكشف عن بُعد جديد للسياسة الأميركية في المنطقة، فلم تعد المواجهة مقتصرة على النفط أو القواعد العسكرية، بل امتدت إلى ساحة التكنولوجيا المتقدمة، وتحاول واشنطن أن توازن بين منع تمدد الصين واحتواء تطلعات حلفائها الخليجيين، فالإمارات، وفق بارّاك، مثال على هذه المعادلة، حيث الاستثمار في المستقبل التكنولوجي مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن.

مقابلة توماس بارّاك تكشف أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط أقرب إلى مجموعة ردود أفعال متفرقة منها إلى استراتيجية متكاملة، فهي تقوم على ثلاثة أعمدة:

  1. تقليص الكلفة العسكرية والسياسية.
  2. دعم الحلفاء التقليديين، خصوصا “إسرائيل”.
  3. مواجهة الخصوم عبر العقوبات والحصار الاقتصادي أكثر من المواجهة المباشرة.

لكن هذه الأعمدة، رغم قوتها الظاهرية، تفتقر إلى عنصر الرؤية طويلة الأمد، فالشرق الأوسط بالنسبة إلى واشنطن لم يعد أولوية كبرى، لكنه لم يصبح أيضا ملفا يمكن تجاهله، وبين الانسحاب الكامل والتورط المستمر، تقف أميركا عند مفترق طرق، تبحث عن معادلة تمنحها النفوذ من دون كلفة، وهو توازن يثبت في النهاية أنه أصعب من خوض الحروب نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *