يمثل انسحاب القوات الأميركية من قاعدة التنف لحظة جيوسياسية مكثفة تختصر عقدا كاملا من الصراع على الفراغات الصحراوية التي تبدو هامشية على الخرائط، لكنها في حقيقتها مفاصل لطرق الإمبراطوريات، ففي الشرق الأوسط لا تُقاس الأهمية بالكثافة السكانية، بل بدرجة الاتصال الجغرافي من الطرق والعقد، والحدود، والتنف أكثر من قاعدة عسكرية؛ هي عقدة تتحكم بإيقاع الحركة بين المشرق وعمقه العراقي، وبين الهلال الخصيب وامتداداته الإقليمية.
على تخوم المثلث الحدودي بين سوريا و”العراق” و”الأردن”، شكلت القاعدة الأميركية منذ 2016 أكثر من موقع لمحاربة تنظيم “الدولة”؛ كانت أداة هندسة جغرافية فقطعت الطريق البري الممتد من طهران إلى المتوسط، وضبطت شريانا استراتيجيا يربط بغداد بدمشق، وأبقت لواشنطن موطئ قدم في قلب البادية السورية، بعيدا عن صخب الشمال الشرقي وحقول النفط.
مع انسحاب الأميركيين اليوم، وتسليم الموقع إلى الدولة السورية، لا ينتهي فصل فحسب، بل يُعاد رسم ميزان الظلال في المشرق.
استعادة الجغرافيا لا تعني استعادة السيادة الكاملة
من الناحية الشكلية، يعزز دخول الجيش السوري إلى التنف سردية “استعادة السيطرة على الأرض”، لكن السيادة في الشرق الأوسط المعاصر ليست مسألة علم يُرفع، بل شبكة من التفاهمات غير المكتوبة، والانسحاب الأميركي لم يكن تحت النار، بل إعادة تموضع محسوبة، وواشنطن لم تغادر الشرق السوري كليا، بل أعادت توزيع ثقلها نحو الشمال الشرقي وقواعد إقليمية في الأردن والعراق.
الولايات المتحدة بتحركات قواتها الأخير تقلص انكشافها الميداني المباشر، لكنها لا تتخلى عن قدرتها على التأثير، وهذا نمط أميركي مألوف منذ نهاية الحرب الباردة عبر حضور مرن، وقليل الكلفة السياسية، وقابل للتفعيل عند الحاجة.
التنف لم تعد ضرورة عملياتية كما كانت في ذروة الحرب على “داعش”، لكنها تبقى ورقة يمكن التعويض عنها بأدوات أخرى من الطائرات المسيرة والشراكات الاستخباراتية والانتشار عبر الحدود.
إيران والاتصال البري – بين الرمز والواقع
منذ سنوات، حُملت قاعدة التنف بدلالات تفوق حجمها الفعلي، فتم الحديث على إنها “السد” في وجه الممر الإيراني من طهران إلى بيروت، لكن الجغرافيا أكثر تعقيدا من خطاب سياسي، إيران طورت خلال العقد الماضي شبكة مسارات بديلة داخل العراق وسوريا، بعضها لا يمر بالتنف أصلا.
مع ذلك، فإن انسحاب الأميركيين يزيل عائقا رمزيا مهما، فهو يرسل إشارة بأن واشنطن لم تعد ترى في قطع هذا الاتصال أولوية قصوى، و الدلالة الأعمق هنا هو تحول في سلم الأولويات الأميركية، فانهيار النظام السوري السابق، ونتائج انحسار قوة حزب الله، إضافة للصراع مع الصين، واستنزاف أوكرانيا، وضبط التوتر مع إيران عبر الردع البحري والجوي، كلها ملفات أكثر إلحاحا من إدارة رقعة صحراوية نائية.
جاءت التحولات الأخيرة بوتيرة أسرع مما توقعه كثيرون، بحيث تبدلت خرائط النفوذ خلال أشهر قليلة لا سنوات، فالمعادلة التي حكمت المشهد السوري طوال أكثر من عقد انفرطت فجأة، وبرزت بنية سياسية جديدة أعادت ترتيب مراكز القرار وأعادت تعريف شبكة التحالفات الداخلية والخارجية، وفي هذا السياق المتبدل، فقد النفوذ الإيراني جزءا مهما من ارتكازه البنيوي، لا نتيجة احتكاك ميداني مباشر، بل بفعل تغير البيئة الحاضنة التي مكنته سابقا من التمدد.
تبدو التنف في ميزان اللحظة الراهنة تفصيلا متأخرا في مشهد تغير بالفعل، فالتحول لم يعد متعلقا بإغلاق معبر أو فتح طريق، بل بإعادة صياغة النظام السياسي ذاته، وما يستتبعه ذلك من إعادة توزيع للأدوار والنفوذ داخل الدولة وعلى امتداد الإقليم.
الأردن بين الارتياح والقلق
بالنسبة إلى الأردن، كان الوجود الأميركي في التنف مظلة أمان غير معلنة، القاعدة ساهمت في خلق منطقة عازلة، خففت من تسلل المجموعات المسلحة وتهريب السلاح والمخدرات عبر البادية.
مع انتقال المسؤولية إلى سلطة دمشق، يدخل الأردن مرحلة اختبار جديدة، فهو من جهة يسعى إلى تطبيع حذر مع سوريا لضبط حدوده، ومن جهة أخرى يدرك أن قدرات الدولة السورية على فرض السيطرة الكاملة ما تزال محدودة بفعل تشظي مراكز القوة المحلية وتداخل المصالح الإقليمية.
سيدفع هذا التطور إلى احتمال أكبر لدى عمان لتعميق التنسيق الأمني المباشر مع سلطة دمشق، وربما إلى إعادة صياغة دورها كوسيط بين الخليج وسوريا، فالحدود في الشرق الأوسط ليست خطوطا فاصلة فحسب، بل مساحات تفاوض مستمر.
روسيا – الرابح الهادئ
في الحسابات الروسية، لا يبدو الانسحاب الأميركي من قاعدة التنف انتصارا صافيا بقدر ما يشكل لحظة مكثفة لإعادة تعريف الدور، فموسكو التي دخلت سوريا عام 2015 مستندة إلى فرضية تثبيت نظام حليف طويل الأمد، بنت استراتيجيتها على يقين ضمني بأن حضورها ثابت وأن الوجود الغربي، مهما طال، عابر بطبيعته، غير أن سقوط النظام السابق أطاح بالإطار الذي قامت عليه تلك المعادلة، وترك روسيا أمام مشهد سياسي أعيد تركيبه من جذوره.
لم يعد ممكنا الحديث عن “دولة مدعومة من موسكو تستعيد مواقعها”، لأن البنية التي شكلت قاعدة ارتكاز النفوذ الروسي لم تعد قائمة بالشكل ذاته. ما يجري اليوم ليس استعادة نفوذ، بل إعادة تموضع داخل فضاء سياسي جديد، تتداخل فيه قوى صاعدة، وتتشكل فيه توازنات لم تستقر بعد، فالدولة المعاد تشكيلها لا تعني بالضرورة استمرارية التحالفات القديمة، بل تفرض إعادة تفاوض صامتة على حدود التأثير ومجالاته.
يفقد أي مكسب ميداني، بما في ذلك إعادة الانتشار في التنف، جزءا كبيرا من رمزيته السابقة، فروسيا لم تعد تتعامل مع سلطة حليفة متماسكة يمكن البناء عليها استراتيجيا، بل مع واقع قيد التشكل، تتقاطع فيه اعتبارات الداخل المنهك اقتصاديا مع ضغوط إقليمية تعيد توزيع الأوزان بسرعة غير مسبوقة، والنفوذ هنا لم يعد امتدادا طبيعيا لتحالف عسكري، بل نتيجة توازن دقيق بين القدرة على التمويل، والاستعداد لتحمل الكلفة، والقدرة على التكيف مع أولويات جديدة.
روسيا تجيد استثمار اللحظات الرمزية، وتدرك قيمة الصورة في السياسة الدولية، لكنها، بحكم تجربتها التاريخية، تعلم أيضا أن الصحراء لا تُحكم بالبيانات ولا تُدار بالشعارات، فالجغرافيا تحتاج إلى موارد، والنفوذ يحتاج إلى بيئة سياسية قابلة للاستدامة، وبين الرمز والواقع، تتحرك موسكو اليوم بقوة حذرة تعرف أن ما تغير في دمشق أعمق من مجرد تبدل في المواقع.
“إسرائيل” وحسابات “المعركة بين الحروب”
في الحسابات “الإسرائيلية” الراهنة، لم تعد المسألة مرتبطة بقاعدة بعينها، ولا حتى بحرية عمل جوية تُدار عبر تفاهمات تقليدية، فالمشهد السوري بعد سقوط النظام السابق أفرز بيئة أمنية أكثر سيولة، تقل فيها المركزية وتزداد فيها احتمالات تعدد مراكز القرار العسكري، ومع انحسار النفوذ الإيراني السريع، تراجع أحد أبرز دوافع “المعركة بين الحروب” بصيغتها السابقة، ما يدفع “تل أبيب” إلى إعادة تقييم طبيعة تدخلها وأدوات ردعها.
التنسيق الروسي–الإسرائيلي، الذي شكل لسنوات صمام أمان غير معلن، لم يعد يستند إلى الأرضية ذاتها بعد تبدل البنية السياسية في دمشق، كما أن انكفاء موسكو النسبي عن دور الضامن المطلق يفرض معادلة أكثر تعقيدا، تتداخل فيها اعتبارات الداخل السوري الجديد مع حسابات إقليمية أوسع، ويبقى الدعم الأميركي ثابتا في جوهره، لكنه يتخذ شكلا أكثر حذرا وأقل انخراطا مباشرا.
غياب العلم الأميركي من المثلث الحدودي لا يفتح فراغا تقليديا بقدر ما يخلق مساحة رمادية في إدارة التصعيد، والسؤال ضمن أي سقف سياسي وأي شبكة تفاهمات جديدة سيتم ضبط الإيقاع؟ في الشرق الأوسط، حين تتبدل البنية السياسية في دولة محورية، لا تختفي المخاطر، بل تتغير أشكالها؛ ويصبح الغموض ذاته أداة ردع بقدر ما هو مصدر قلق.
سادسا: الولايات المتحدة وإعادة تعريف الالتزام
الأهم من كل ما سبق هو ما يكشفه هذا الانسحاب عن الذهنية الاستراتيجية الأميركية. واشنطن لم تعد معنية بإدارة تفاصيل الجغرافيا السورية، بل بضمان ألا تتحول إلى تهديد مباشر لمصالحها الأساسية من أمن إسرائيل لاستقرار الأردن، ومنع عودة «داعش» بشكل عابر للحدود.
هذا تحول من “الهندسة” إلى “الاحتواء”، ومن الوجود الدائم إلى القدرة على التدخل عند الضرورة؛ إنها سياسة قوة بحرية أكثر منها قوة برية؛ مراقبة من الأطراف بدل الانغماس في العمق.
سوريا بين الرمز والواقع الاقتصادي
بالنسبة إلى سلطة دمشق، يمثل استلام التنف مكسبا سياسيا داخليا وخارجيا، فهو يندرج ضمن سردية “انحسار الاحتلال الأجنبي”، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في السيطرة العسكرية، بل في إعادة دمج هذه المساحات في اقتصاد وطني مفكك.
الصحراء السورية ليست مجرد فراغ أمني، بل معبر تهريب، ومسرح شبكات غير رسمية، وامتداد لمجتمعات عشائرية عابرة للحدود، ضبطها يتطلب أكثر من وحدات عسكرية؛ يحتاج اقتصادا قادرا على خلق بدائل.
الجغرافيا لا تموت، لكنها تتبدل
في النهاية، انسحاب الولايات المتحدة من التنف لا يعني نهاية نفوذها في الشرق الأوسط، ولا صعودا كاسحا لخصومها؛ إنه إعادة توزيع للأوزان، فالشرق الأوسط، كما علمنا التاريخ، ليس ساحة انتصارات حاسمة، بل فضاء توازنات متحركة.
التنف كانت نقطة صغيرة على الخريطة، لكنها مثل كثير من النقاط في هذه المنطقة، حملت وزنا يفوق مساحتها، واليوم، تغادرها قوة عظمى، وتدخلها دولة تسعى إلى تثبيت شرعيتها، وتراقبها قوى إقليمية بعين الحذر.
في صحراء تبدو ساكنة، تتحرك خطوط النفوذ ببطء، كما تتحرك الكثبان، ومن يظن أن الفراغ يعني الغياب، يخطئ قراءة الجغرافيا، في الشرق الأوسط، لا يوجد فراغ حقيقي؛ هناك فقط انتظار لقوة تملأه.
التنف: إعادة تموضع الظلال
تحول موازين القوة والسيطرة الفعلية (2016-2025)

