منذ انهيار سلطة البعث في سوريا قبل عام، تبدو البلاد وكأنها تدخل منطقة رمادية لا تنتمي إلى الفوضى الخالصة ولا إلى النظام القديم، بل إلى حالة إعادة تشكل سياسي وجغرافي، تعيد فيها القوى المحلية والإقليمية تعريف حدود الدولة ووظيفتها.
ليس ما يجري مجرد انهيار لنظام سياسي بقدر ما هو تحول في طبيعة سوريا من دولة ذات مركز واحد إلى فضاء تتقاطع فيه المصالح، وتتنازع فيه مشاريع السلطة والهوية.
تشبه هذه اللحظة السورية، في مفارقة لافتة، الدرس الفنزويلي، ولكن بصورة معكوسة، ففي فنزويلا بقيت السلطة ممسكة بمفاصل الدولة رغم تآكل بنيتها من الداخل، أما في سوريا فسقطت السلطة المركزية بينما ظلت الدولة تبحث عن شكل جديد لوجودها، كمن فقد قلبه لكنه ما زال يحاول تذكر إيقاعه القديم.
هذه المقارنة لا تهدف إلى إسقاط تجربة على أخرى، بل إلى قراءة ما تتيحه من وعي نقدي بطبيعة الأزمات الممتدة، وكيف يمكن للدولة أن تتعايش مع الانهيار دون أن تمتلك القدرة على تجاوزه.
من السلطة إلى الجغرافيا
في الحالة الفنزويلية، مثل “الصمود” خيارا استراتيجيا مكلفا، حافظ على وجود الدولة لكنه قيد حركتها داخل دائرة مغلقة من الدفاع المستمر عن الذات، فبقيت المؤسسات تدور في مدارها التقليدي دون قدرة على التحول.
أما في التجربة السورية، فأظهرت سنوات الأزمة أن البنية المركزية التي تشكلت حول فكرة الدولة كانت صلبة من حيث التنظيم، لكنها محدودة القدرة على استيعاب التحولات العميقة التي عصفت بالمجتمع وبالجغرافيا معا.
السقوط لم يكن لحظة نهاية بقدر ما كان نقطة انعطاف كشفت اتساع الفجوة بين الشكل الإداري للدولة والواقع الإقليمي عموما خصوصا بعد حرب غزة، وما تلا ذلك لم يكن فراغا في المعنى وليس سياسيا؛ بل بالكيفية التي تعرف بها الدولة نفسها ودورها في ظل تعدد القوى وتغير الخريطة.
أصبح السؤال الجوهري ليس “من يحكم”، بل “كيف يمكن للدولة أن تعيد تعريف ذاتها بوصفها إطارا جامعا لكل هذه التحولات؟”
القوى التي صعدت بعد انهيار السلطة لم تتجه نحو إسقاط ما تبقى من الدولة، بل أرادت امتلاك تعريفهاوتحويل هويتها، ولم يعد الصراع في سوريا اليوم على السلطة بالمعنى التقليدي، بل على هوية الدولة نفسها؛ من يمثلها؟ ومن يملك حق التحدث باسمها؟ هذه المعضلة تعيد إنتاج المشهد بوصفه صراعا على الشرعية لا على الحكم، وعلى الجغرافيا لا على المؤسسات.
ثقافة إدارة الانهيار
الدرس الفنزويلي يقدم تحذيرا بالغ الأهمية، فالأزمات الطويلة لا تخلق حلولا، بل تؤسس لثقافة إدارة الانهيار، فالدولة التي تتكيف مع الانهيار تفقد تدريجيا قدرتها على النهوض، لأنها تتعلم كيف “تعيش” الأزمة بدل أن تواجهها.
هذا ما تعيشه سوريا اليوم؛ فبدل أن تكون مرحلة ما بعد النظام فرصة لإعادة البناء، تحولت إلى زمن لإدارة التوازن بين مناطق النفوذ، حيث يغيب المشروع الوطني الجامع، ويختزل الخطاب العام في تبرير الأمر الواقع.
يتحول “الخطاب الوطني” إلى أداة لتجميل التجزئة، لا لتجاوزها، فكل طرف يتحدث عن “الوطن” بلغته الخاصة، بينما يترسخ واقع جغرافي يفرض تعريفه العملي للدولة؛ شرق تسيطر عليه قوى محلية متصلة بإدارة خارجية، وشمال تتحكم به معادلات أمنية تركية، وجنوب يعاد تشكيله وفق موازين أمنية إسرائيلية – إقليمية دقيقة، فالجغرافيا السورية أصبحت الفاعل السياسي الأول، ولم تعد مجرد مسرح للصراع.
الجغرافيا كمورد سياسي
من الشرق، حيث حقول الطاقة والمعابر مع العراق، إلى الجنوب حيث الممرات الأمنية نحو الأردن وفلسطين، تتعامل القوى الإقليمية والدولية مع سوريا لا كدولة ذات سيادة، بل كعقدة لوجستية في شبكة النفوذ الإقليمي، وهنا يتكرر المشهد الفنزويلي بطريقة مختلفة، فكما تحولت كاراكاس إلى ساحة تنازع بين واشنطن وموسكو على النفط والتأثير، أصبحت دمشق محور تنازع بين قوى كبرى وإقليمية على الممرات والمعابر والنفوذ الحدودي.
لكن الفارق الجوهري يكمن في التاريخ الاجتماعي، ففنزويلا، رغم أزماتها السياسية، احتفظت بمركز قومي واحد وهو العاصمة التي لم تفقد رمزية الدولة، أما سوريا فتواجه إعادة تعريف للهوية الوطنية نفسها، بعد أن تفككت سلطتها المركزية إلى مراكز نفوذ متجاورة تتعايش بقدر ما تتنافر.
“الدرس الفنزويلي” في التجربة السورية ليس في شكل الأزمة، بل في إمكان تحويل السقوط إلى تأسيس جديد، أي في قدرة المجتمع السوري على تجاوز الصراع حول الجغرافيا نحو مشروع سياسي يعيد بناء الدولة بوصفها فضاء للعيش المشترك، وهذا ما لا تتيحه السلطة الجديدة نتيجة تاريخها داخل الحرب السورية، و نتيجة سياساتها الالغائية التي مهدتها بمجزرتين كبيرتين لمكونيين أساسيين من مكونات المجتمع السوري.
من الجغرافيا إلى المشروع الوطني
المعضلة السورية اليوم ليست فقط في غياب السلطة المركزية، بل في غياب الرؤية لما يجب أن تكون عليه الدولة، فالمناطق التي أفرزها الصراع لم تعد مجرد خطوط تماس، بل أصبحت أطر حكم محلي ذات ذاكرة سياسية منفصلة، وإعادة بناء الدولة تتطلب أكثر من مصالحة سياسية؛ إنها تحتاج إلى اتفاق على معنى الانتماء نفسه، فالوحدة الجغرافية لم تعد كافية إن لم تترجم إلى وحدة رمزية ومؤسساتية.
ما تحتاجه سوريا اليوم هو تجاوز منطق “التمثيل المناطقي” إلى صياغة وطنية جديدة تعيد الاعتبار للسيادة كعلاقة بين المجتمع والدولة، لا بين المركز والأطراف، وهذا التحول لا يمكن أن يتحقق عبر تفاهمات خارجية فحسب، لأن الخارج يمكنه أن يفرض توازنا، لكنه لا يستطيع أن يمنح دولة معنى أو روحا، والتجارب التاريخية، من العراق إلى لبنان، تؤكد أن الاستقرار لا يولد من التفاهمات بل من الوعي الوطني بالعيش المشترك.
اختبار الوعي السياسي
في العمق، ما تعيشه سوريا اليوم هو اختبار للوعي السياسي أكثر منه أزمة سلطة، فالمسافة بين سقوط النظام وبداية المرحلة الحالية ليست زمنا محسوبا بشكل تقليدي، بل مسافة في الإدراك لأنه يطرح تحديات وجودية، فهل يمكن تجاوز منطق البقاء إلى مشروع وجود؟ وهل يمكن تحويل الجغرافيا من ساحة نزاع إلى مشروع وطني؟ هذه الأسئلة تحدد ما إذا كانت سوريا ستعيد إنتاج نفسها كدولة حديثة، أم ستدخل في دورة طويلة من “إدارة الانهيار” التي حذر منها الدرس الفنزويلي.
في كلا التجربتين، يظهر أن الزمن السياسي لا يقاس بمدة الأزمة بل بقدرة المجتمع على تجاوزها؛ فنزويلا لم تسقط رغم الانهيار الاقتصادي، لكنها فقدت روح التغيير، وسوريا لم تفقد جغرافيتها رغم تعدد القوى، لكنها مهددة بفقدان المعنى الجمعي للدولة، وجوهر المقارنة ليست فيمن بقي أو سقط، بل من استطاع أن يعيد تعريف نفسه كدولة قادرة على التجدد.
نحو دولة ما بعد الانهيار
لا يمكن النظر إلى ما جرى في سوريا على أنه مجرد سقوط للنظام، بل كتحول جذري في مفهوم الدولة نفسها، فالدولة الحديثة لا تعرف فقط بحدودها أو مؤسساتها، بل بقدرتها على إنتاج عقد اجتماعي جديد عندما يتآكل القديم، وهذا ما يجعل اللحظة الراهنة حاسمة؛ فإما أن تتحول الجغرافيا السورية إلى مشروع سياسي جامع، أو تظل خريطة لتوزيع السيطرة والنفوذ.
الدرس الفنزويلي يقول بوضوح أن الدولة التي تتكيف مع الانهيار تفقد القدرة على النهوض، لأنها تتصالح مع عجزها وتحوله إلى نظام حياة، وسوريا اليوم أمام مفترق طرق مماثل؛ فإما أن تبقى رهينة الجغرافيا كقدر سياسي، أو أن تعيد إنتاج ذاتها بوصفها دولة مواطنين لا مراكز قوى.
المستقبل السوري لن يرسم على طاولة التفاهمات وحدها، بل في القدرة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى صياغة المشروع الذي يبدأ من وعي جديد بالجغرافيا وبالهوية وبالإنسان الذي بقي في قلب هذا الركام ليعيد اختراع وطنه من جديد.
الدرس الفنزويلي والتجربة السورية
الجغرافيا بوصفها قدر الدولة: تحليل مقارن لإدارة الأزمات وإعادة تشكيل الهوية

