على مدى خمسة عشر عاما، تحولت سوريا من ساحة نزاع إلى مختبر سياسي مفتوح، يُجرب فيه كل ما أنتجته النخب الدولية من نظريات حول “إدارة الفوضى” و”الاستقرار المنضبط”.
وما يجري اليوم في دمشق، من رفع أسماء محددة عن لوائح العقوبات إلى الحديث عن زيارات مرتقبة لأعضاء مجلس الأمن، ليس تفاصيل تقنية في سجل بيروقراطي أممي، بل فصل جديد من عملية أكثر تعقيدا لإعادة هندسة النخب القابلة للاستخدام.
التحولات الكبرى في الدول المنهارة لا تبدأ من الدساتير ولا من صناديق الاقتراع، بل من الطبقة التي يُسمح لها بالجلوس إلى الطاولة، فمن هم الوسطاء الذين يستطيع المجتمع الدولي التحدث إليهم دون أن يتورط في شرعنة “الإرهاب” أو إعادة تأهيل النظام؟ من هم الأشخاص الذين يمكن الوثوق بأنهم لن يُعيدوا إشعال النار في الهشيم كما تعرفه الدوائر والمصالح الأميركية _الإسرائيلية لا كما يمثل مصالح الشعب السوري ويحقق سيادته؟
في هذه المنطقة الرمادية، تصنع السياسة الحقيقية، وتصاغ خرائط النفوذ بأدوات دقيقة وغير مرئية.
النخبة كأداة للسيطرة
تاريخيا كانت النخب الوسيطة هي الجسر بين القوة الإمبراطورية والمجتمع المحلي، فالبريطانيون فعلوا ذلك في الهند، والفرنسيون في شمال أفريقيا، والأمريكيون في العراق وأفغانستان، وتعاد التجربة في سوريا بصيغة معاصرة؛ نخب “منزوعة الأيديولوجيا”، وخفيفة الوزن الأخلاقي والسياسي، قابلة للتفاوض من جهة، وللاستبدال عند الحاجة من جهة أخرى.
إنهم ليسوا سياسيين بالمعنى الكلاسيكي، بل مقاولين في مشروع إدارة الفوضى؛ يتم اختيارهم وفق معايير دقيقة، فيكونوا على تماس مع مراكز القوة في الداخل، وليسوا ملوثين تماما في الخارج، ويحملون في سيرهم الذاتية ما يكفي من البراغماتية ليكونوا “مقبولين”، وما يكفي من الطموح ليكونوا “قابلين للتوجيه”.
شطب الأسماء من قوائم الحظر ليس تصحيحا لمسار قانوني، بل تصميم سياسي بطيء لطبقة جديدة، أشبه بممر إنساني نحو مرحلة تفاوض لا تخيف أحدا، وهذه العملية ليست سورية حصرا، بل نمط عالمي في إدارة ما يسمى “الدول الرمادية” التي لا يراد لها أن تنهض تماما، ولا أن تسقط بالكامل.
الدولة كواجهة، والنخبة كخدمة
في دمشق اليوم، يُعاد ترميم السلطة من فوق لا من العمق، وليس الهدف بناء مؤسسات مستقلة أو إعادة صياغة العقد الاجتماعي، بل إعادة إنتاج قابلية الدولة للضبط، فالدولة لم تعد جهازا سياسيا بل “بنية خدمة أمنية واقتصادية”، تعمل كمضخة استقرار موضعي، فتمنع الانفجار، وتسهل مرور التفاهمات بين القوى الكبرى.
لهذا السبب، لا تهتم القوى الدولية كثيرا بمصير الدستور أو الانتخابات، بقدر ما تهتم بتحديد من سيجلس في المقعد الأمامي عندما تُعاد خريطة النفوذ، والتحكم في النخبة يعني امتلاك في القرار، حتى لو بقيت الأرض خارج السيطرة الكاملة.
وإعادة تدوير الشخصيات ليست سوى وسيلة لضمان أن أي تغيير قادم سيكون تحت السقف المرسوم سلفا، وهنا يظهر البعد الأخلاقي المظلم للعملية، فالقوى الكبرى لم تعد تؤمن بإمكانية اجتثاث العنف، بل بإدارته، ومن يدير العنف ليس خصومه، بل أبناؤه السابقون الذين يعرفون مفاتيحه.
بهذه الطريقة تتحول “مكافحة الإرهاب” من استراتيجية أمنية إلى مشروع لإعادة تأهيل رموزه السابقين ضمن نظام جديد من الطاعة المشروطة.
من تفكيك التنظيمات إلى تفكيك الجماعات
الاستراتيجية الأعمق لهذه الهندسة ليست في استبدال القادة، بل في كسر الرابط بين القيادة والقاعدة، فحين تكافأ الانشقاقات الفردية وتترك القواعد تحت ضغط العقوبات والملاحقات، تتحول الجماعات إلى جزر معزولة، بلا سردية جامعة ولا شعور بالانتماء.
إنها آلية يفكك عبرها المجتمع من الأعلى، وتستبدل “الشرعية الجماعية” بـ”شرعية فردية” مرهونة بالموافقة الدولية، وفي نهاية المطاف، لم تعد سوريا ساحة حرب فقط، بل ساحة تجريب اجتماعي لما يمكن أن نسميه “تفكيك الانتماء السياسي كأداة للضبط الأمني”.
كل شخص يمكن أن يتحول إلى كيان مستقل، وكل حركة إلى ملف قابل للتفاوض، وتختفي الجماعة، وتبقى النخبة الممسوكة بخيوط دقيقة من التمويل والاعتراف.
الزيارة المرتقبة: تتويج لا اعتراف
زيارة مرتقبة لأعضاء من مجلس الأمن إلى دمشق تبدو، في ظاهرها، خطوة دبلوماسية نحو الانفتاح، لكنها في جوهرها إعلان يخفي هدف انتهاء مرحلة الفوضى وبدء مرحلة الإدارة المنضبطة، فالوفود لا تأتي لتمنح الشرعية، بل لتثبت الأسماء التي تمت تهيئتها لتكون نقاط اتصال رسمية؛ “الوسطاء الجدد” بين المجتمع الدولي والسلطة المحلية.
لا معنى للحديث هنا عن سيادة أو إعادة إعمار، فالعملية ليست إعادة بناء دولة، بل تنظيم من سيُسمح له بإدارة الخراب، وكل شيء مؤقت، وكل اتفاق هش، وأي وجه جديد هو جزء من معادلة أكبر تضمن فيه القوى الدولية أن تبقى سوريا تحت السيطرة من دون أن تتحمل مسؤولية السيطرة.
النظام الدولي: براغماتية بلا ذاكرة
منطق هذه السياسة يعكس تحولا أوسع في النظام الدولي، فلم تعد الأمم المتحدة أو مجلس الأمن يسعيان لفرض معايير قانونية بقدر ما يسعيان لإدارة الملفات بما يضمن “قابلية النظام للعيش”، وهذا يفسر لماذا ترفع أسماء أفراد من القوائم بينما تبقى التنظيمات مصنفة إرهابية.
الفرد يمكن التفاوض معه، أما التنظيم فهو خارج المعادلة، وهذه البراغماتية لا تعني فقط تخلي القوى الكبرى عن خطاب القيم، بل تسليمها بأن النظام العالمي الجديد لا يصلح الخراب بل يقوم بإعادة هندسته، وفي الشرق الأوسط، حيث التاريخ والجغرافيا يفرضان منطق القوة على منطق المؤسسات، لا يبدو هذا الانحدار صادما بقدر ما هو استمرار لتقليد قديم؛ إدارة المنطقة عبر وسطاء محليين تعاد صياغتهم كل عقد من الزمن.
ما بعد النخبة: مستقبل بلا مشروع
المفارقة أن هذه النخب الجديدة، التي تمنح شرعية مشروطة، لا تملك مشروعا سياسيا سوى النجاة الفردية، فهم جيل من التقنيين والمفاوضين والبيروقراطيين الذين لا يتحدثون بلغة الثورة ولا بلغة الدولة، ويتقنون لغة التمويل والضمانات، ويعرفون حدودهم بدقة.
إنهم “الوسطاء الأبديون” في وطن لم يعد يعرف طريقا إلى ذاته، وهذا ما يجعل الحديث عن “الاستقرار” وهما، فما يُسمّى استقرارا ليس سوى تجميد مؤقت لحركة الانهيار، وإدارة دقيقة للانقسام بحيث يبقى تحت السيطرة.
البلاد لا تُبنى على التسويات، بل على الثقة، وهذه الأخيرة لا تمنح من الخارج، ولا تشترى بالعقوبات ولا تصنع في أروقة مجلس الأمن.
النهاية المفتوحة
منذ بدايات الحرب، كانت سوريا مرآة لأزمات العالم أكثر مما كانت أزمة في ذاتها، وهي تدخل اليوم مرحلة إعادة الترتيب، تبدو كمنطقة رمادية بين الدولة واللا دولة، والنظام والفوضى، والاعتراف والإنكار، لكن ما يعاد تشكيله ليس نظاما سياسيا بقدر ما هو نظام للوظائف؛ من يحرس السلطة ويتحدث باسمها، ومن يدفع الثمن، ومن ينال حصته من الغنيمة.
ربما يزور أعضاء مجلس الأمن دمشق قريبا، لكنهم لن يروا دولة تنهض من رمادها، بل آلية دقيقة لإدارة الرماد نفسه، وفي هذا المشهد، لا يبدو أن أحدا يبحث عن حل، بل عن صيغة دائمة لتأجيل الانفجار، فيتحول “السلام” إلى إدارة للعنف، و”الإصلاح” إلى عملية اختيار أشخاص يمكنهم التعايش مع الخراب دون أن يطالبوا بتجاوزه.
الاستقرار هنا ليس نقيض الفوضى، بل شكلها المنضبط، وسوريا تجسد هذه الأمر القاسي بكل تفاصيله، فهي بلد يعاد تشكيله لا من خلال إعادة بناء مؤسساته، بل عبر إعادة تعريف من يحق له أن يتحدث باسمه، فيُصنع السلام لا كإعادة ميلاد للدولة، بل كصياغة متأنية لطبقة تمسك بالبقايا وتديرها إلى أجلٍ غير مسمى.

