في لحظة تعيد فيها سوريا تعريف نفسها بعد أكثر من عقدٍ من الحرب والانهيار الاقتصادي، يبرز مشهد جديد لا يقل خطورة عن الدمار المادي يتجلى بانهيار الحوكمة.
القضية التي كشفتها المعلومات المتداولة حول مسؤول حكومي يشغل في الوقت ذاته مواقع تنفيذية واستثمارية ورقابية، ليست مجرد مسألة إدارية عابرة؛ بل هي صورة مكثفة لبنية الحكم في سوريا اليوم، حيث تتقاطع السلطة بالمال، ويغدو المراقِب والمراقَب وجها لعملة واحدة، وتتحول الدولة إلى كيان يختلط فيه دور المنظّم بدور المنتفع.
من الدولة إلى الشبكة
لفهم ما يجري، لا بد من النظر إلى التحول الأعمق الذي أصاب مفهوم الدولة في سوريا، ففي العقود الماضية، كانت الدولة تمتلك شكلا من البيروقراطية القادرة على العمل وفق تسلسل إداري واضح، أما اليوم، فالمؤسسات تحولت إلى شبكات متداخلة من المصالح، تديرها مجموعة صغيرة من رجال الولاء، لا من رجال الكفاءة.
إن الجمع بين ثلاث وظائف متناقضة في يد واحدة ليس مجرد عبث إداري، بل نتيجة طبيعية لنظام بات يرى في الدمج بين السلطات وسيلة للسيطرة.
في مثل هذه الأنظمة، الولاء يسبق القانون، فلا أحد تتم مساءلته لأن المحاسبة تزعزع توازنات الولاء التي يقوم عليها النظام، فتتحول الدولة من منظومة قانونية إلى كيان يعتمد على شبكة من الامتيازات المتبادلة؛ عبر منصب مقابل ولاء، ورخصة استثمار مقابل دعم سياسي، وغض طرف مقابل تمويل.
الفساد كأداة حكم
في الدول الديمقراطية، ينظر إلى الفساد بوصفه تهديدا للدولة، أما في سوريا فأصبح آلية من آليات حكمها، فهو يخلق روابط مصلحية بين النخبة الاقتصادية والسياسية، تجعل من الجميع شركاء في بقاء المنظومة، فيصبح الفساد نظام ضبط سياسي وليس انحرافا.
حين يُعين رجل أعمال في منصب حكومي، أو يمنح مسؤول حكومي صلاحية إدارة شركة خاصة، فإن الهدف ليس الكفاءة، بل ضمان أن تبقى مصالحه مرهونة ببقاء السلطة نفسها، فمن يملك ما يمكن خسارته لا يخاطر، والارتباط بالسلطة ماليا يصبح حماية طبيعية، وتتحول الحوكمة إلى أداة للسيطرة لا للمساءلة.
قوانين بلا مؤسسات
القوانين السورية، على الورق، واضحة لا لبس فيها، فـ”قانون العاملين الأساسي” يمنع الجمع بين الوظيفة العامة وأي عمل تجاري، و”قانون الشركات” ينص صراحة على عدم جواز أن يكون المدير موظفا في الدولة.
لكن النصوص لا تساوي شيئا حين تغيب المؤسسات التي تطبّقها، فالقوانين في سوريا تستخدم كما الشعارات كأداة سياسية لتجميل الواقع لا لتغييره، فتُفعل المواد القانونية حين تخدم غرضا سياسيا كإقصاء منافس، أو إرسال رسالة “إصلاح” للمجتمع الدولي لكنها تُعطل حين تمس أحد أركان الولاء الداخلي.
عمليا هناك منظومة قانونية قائمة، لكن دون دولة قانون.
القضية التي تمثلها هذه الحالة تكشف التناقض بأوضح صوره، فمسؤول واحد يوقع القرارات التنظيمية بصفته ممثلا للحكومة، ويستفيد منها في الوقت ذاته من خلال موقعه في شركة خاصة، ثم يكلف بالإشراف على الجهة الرقابية التي يفترض أن تراقبه.
في أي منظومة حكم حديثة، يعد هذا تضارب مصالح صارخا؛ أما في السياق السوري، فهو نموذج مألوف لإدارة الشأن العام.
الاقتصاد السياسي للولاء
منذ أواخر العام الماضي، ومع بروز ملامح النظام السياسي الجديد، بدأ الاقتصاد السوري يشهد تحولا نوعيا في بنيته وآلياته، فظهر نمط اقتصادي قائم على إعادة توزيع النفوذ والموارد عبر شبكات الولاء السياسي، فلم يعد رأس المال مجرد أداة إنتاج، بل وسيلة لضمان الاصطفاف مع السلطة؛ حيث يجري تمكين رجال الأعمال المقربين بوصفهم شركاء في تمويل الدولة، مقابل امتيازات خاصة في قطاعات حيوية كالزراعة والتجارة والعقارات.
إنه اقتصاد يدار بالثقة السياسية قبل الحسابات السوقية، ويعيد صياغة العلاقة بين الدولة والسوق على أساس الولاء لا الكفاءة، وفي هذه البنية الجديدة، الاقتصاد ليس منفصلا عن الأمن، وكل نشاط تجاري مرتبط بموافقة سياسية، وكل رخصة استثمار تمر عبر شبكة معقدة من الوساطات.
الجمع بين منصب نائب وزير ومدير شركة خاصة لا يبدو خللا من وجهة نظر النظام، بل حلا براغماتيا لضمان السيطرة على الموارد الحيوية، فيتحول القطاع الزراعي، الذي يفترض أن يكون شريان الأمن الغذائي السوري، إلى مساحة تجريبية لتكريس هذا النموذج، ومن يملك القرار الزراعي، يملك أيضا مفاتيح الاستيراد والتصدير، وبالتالي السيطرة على السوق والغذاء، وهما الركيزتان الأساسيتان لأي سلطة في زمن الأزمات.
الشفافية كتهديد
في الأنظمة المنهكة، الشفافية ليست فضيلة، بل خطر وجودي، فأي كشف للحقائق يهدد تماسك الشبكة التي تقوم عليها السلطة، فتدار لجان “مكافحة الفساد” بوصفها واجهات إعلامية، لا أدوات رقابة حقيقية، وتصدر بيانات، وتعقد مؤتمرات، لكنها لا تقترب من مراكز القوة الحقيقية.
وحين تثار قضية علنية تتعلق بتضارب المصالح أو تداخل السلطات، يكون الرد الرسمي عادة أقرب إلى التجاهل أو التبرير العام، لأن الاعتراف بمثل هذه الحالات يعني الإقرار بخللٍ بنيوي أعمق في منظومة الحكم، خلل لا يمكن معالجته دون المساس بالأسس التي يقوم عليها النظام الجديد نفسه.
من الحوكمة إلى التزييف المؤسسي
في الدول التي نجحت في تجاوز الأزمات العميقة، مثل رواندا أو جورجيا، كانت إعادة بناء الحوكمة هي المدخل الأول للإصلاح، لكن في سوريا، الإصلاح الإداري المعلن تحول إلى إعادة هندسة للفساد، فلا يلغى، بل يعاد تنظيمه.
يتم استبدال الفساد الفوضوي بآخر منضبط ومركزي وخاضع للرقابة السياسية، يحافظ على صورة الدولة من الخارج، بينما تتآكل مؤسساتها من الداخل، فهي دولة واجهات فالقوانين موجودة، واللجان تعمل، والخطابات تتحدث عن النزاهة، لكن لا شيء يتغير فعليا لأن من يراقب هو ذاته من يستفيد.
الحوكمة كمرآة للشرعية
حين تفقد الدولة شرعيتها الاجتماعية، تبحث عن أدوات بديلة للبقاء، وفي سوريا، هذه الأدوات كانت ثلاثية: القبضة الأمنية، والولاء الاقتصادي، واحتكار الموارد، وفي ظل هذه المعادلة، يصبح تضارب المصالح ليس مشكلة، بل آلية ضبط.
فالكل متورط ومستفيد، ما يجعل الجميع شركاء في الصمت “المكلف”، فمع كل حالة فساد تطوى دون محاسبة، تتآكل ثقة المجتمع أكثر، وحين تنهار الثقة، تتحول الدولة إلى هيكل بلا روح، وجهاز إداري بلا معنى، تماما كما يحدث في سوريا اليوم.
إصلاح الحوكمة: من النص إلى العقد الاجتماعي
الحوكمة ليست قوانين فقط، بل عقد اجتماعي يقوم على الشفافية والمساءلة، وما لم يُعاد بناء هذا العقد، فلن تجدي أي إصلاحات شكلية نفعا، وإعادة الثقة تتطلب استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وفصل السلطة الاقتصادية عن القرار السياسي.
هذه الشروط لا يمكن أن تتحقق في بيئة تعامل الشفافية كتهديد، والمساءلة كخيانة، فلا يمكن لدولة أن تنهض بينما تدار كشبكة مصالح مغلقة، ولا يمكن لمجتمع أن يستعيد كرامته بينما يعامل كمصدر تمويل لفساد ممنهج.
الطريق نحو سوريا جديدة يبدأ من الاعتراف بأن الحوكمة ليست تقنية إدارية، بل قيمة سياسية وأخلاقية، وما لم تفهم النخبة الحاكمة هذه الحقيقة، ستظل الدولة السورية تراقب نفسها لتبرئ نفسها، وتعيد إنتاج فسادها تحت مسميات جديدة.
فالمشكلة في سوريا لم تعد فقط فيمن يحكم، بل في إدارة الحكم، وهو جوهر معركة الحوكمة في القرن الحادي والعشرين.
سوريا بين الولاء والفساد: حين تتحول الدولة إلى شبكة مراقبة ذاتية
تحليل لبنية الحكم في سوريا اليوم، حيث تتقاطع السلطة بالمال، ويغدو المراقِب والمراقَب وجهاً لعملة واحدة
التحول البنيوي: من الدولة إلى الشبكة
لم تعد الدولة في سوريا تمتلك بيروقراطية تعمل وفق تسلسل إداري واضح، بل تحولت إلى شبكات متداخلة من المصالح، تديرها مجموعة صغيرة من رجال الولاء، لا من رجال الكفاءة.
الفساد كأداة حكم
أصبح الفساد آلية من آليات الحكم في سوريا، يخلق روابط مصلحية بين النخبة الاقتصادية والسياسية، تجعل الجميع شركاء في بقاء المنظومة.
قوانين بلا مؤسسات
القوانين السورية واضحة على الورق، لكن النصوص لا تساوي شيئاً حين تغيب المؤسسات التي تطبقها. هناك منظومة قانونية قائمة، لكن دون دولة قانون.
الاقتصاد السياسي للولاء
رأس المال لم يعد مجرد أداة إنتاج، بل وسيلة لضمان الاصطفاف مع السلطة. الاقتصاد يدار بالثقة السياسية قبل الحسابات السوقية.
الشفافية كتهديد وجودي
في الأنظمة المنهكة، الشفافية ليست فضيلة بل خطر وجودي. فأي كشف للحقائق يهدد تماسك الشبكة التي تقوم عليها السلطة، فتدار لجان “مكافحة الفساد” بوصفها واجهات إعلامية، لا أدوات رقابة حقيقية.
إصلاح الحوكمة: من النص إلى العقد الاجتماعي
الحوكمة ليست قوانين فقط، بل عقد اجتماعي يقوم على الشفافية والمساءلة. وما لم يُعاد بناء هذا العقد، فلن تجدي أي إصلاحات شكلية نفعاً. إعادة الثقة تتطلب استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وفصل السلطة الاقتصادية عن القرار السياسي.

