الجيش السوري الجديد: من يحكم العنف حين تسقط الأيديولوجيا؟

ما بعد سقوط العقيدة

بعد سقوط نظام البعث، لم تبدأ سوريا من الصفر كما يظن بعض المراقبين، بل بدأت من حطام مؤسسات ورثت نصف قرن من والولاء، وفي لحظة فراغ السلطة، تحوّل الجيش إلى سؤال وجودي للدولة الجديدة؛
من يملك القوة الآن؟ ولمن تُوجه البنادق؟

في الخطاب الرسمي للحكومة الانتقالية، يبدو الحديث عن “إعادة بناء الجيش الوطني” مشروعا توحيديا؛
لكن خلف هذا الخطاب تكمن شبكة من الافتراضات غير المعلنة؛ فمن له الحق في حمل السلاح؟ وما حدود الإيمان والدولة؟ وهل يمكن توحيد جيش في بلد لم يتفق بعد على معنى الوطن؟

جيش الولاء لا جيش الوطن

يُفترض أن الجيش الجديد سيُعيد تعريف السيادة السورية، لكن ما يُبنى أقرب إلى إعادة توزيع الولاءات منه إلى تأسيس مؤسسة وطنية، فالرئيس أحمد الشرع القادم من بيئة المعارضة المسلحة لم يرث فقط كل الهواجس الأمنية، بل أيضا الهاجس التاريخي من الانقلاب الذي لازم كل حكم سوري منذ الاستقلال.

بنية الجيش الجديد تقوم على منطق البقاء لا الدولة، فيُختار القادة من دائرة الموثوقين أيديولوجيا وشخصيا، لا من الأكفأ مهنيا، وهذه الآلية تمنح القيادة شعورا بالسيطرة، لكنها في الوقت ذاته تحرم الجيش من عموده الفقري المهني.
الضباط المحترفون من الجيش السابق إمّا مُبعدون أو تحت المراقبة، وكأن الخبرة العسكرية صارت تهمة، فما هو معلن توحيد القوات تحت راية وطنية، وفي العمق: إنشاء جيش مخلص للرئيس، لا للدولة.

التديين الممنهج للانضباط

في معسكرات التدريب الجديدة، يُخصَّص الأسبوع الأول بالكامل للدروس الدينية، وتبدو هذه الخطوة في ظاهرها “تربية روحية”، لكنها في جوهرها عملية هندسة هوياتية، فحين يُربط الانتماء العسكري بعقيدة دينية، لمكون واحد، فإن معيار الولاء يصبح إيمانيا لا وطنيا.

إنها آلية لضبط الولاءات عبر الإيمان، لا عبر الانضباط المؤسسي، وتكشف هذه المقاربة أن السلطة الجديدة تخشى الانقسام أكثر مما تخشى الجهل العسكري، ولذلك تلجأ إلى العقيدة بوصفها لاصقا رمزيا.

لكن الخبراء العسكريين يعرفون أن الجيوش لا تُبنى على العقيدة، بل على الانضباط والتراتبية، فحين يصبح القرآن أو الحديث جزءا من المنهج العسكري، لا لأن الدولة متدينة بل لأنها تحتاج إلى وحدة وجدانية قسرية، فذلك يعني أن المشروع الوطني لم يتجاوز بعد مرحلة “من نحن؟”، فالدين هنا ليس مرجعية، بل هندسة سياسية للانتماء.

العدالة بوصفها سلاح فرز

تُقدّم الحكومة الانتقالية فكرة “التطهير العسكري” كجزء من العدالة الانتقالية، والممارسة اليومية تكشف أنها آلية فرز طائفي وسياسي أكثر من كونها مساءلة قانونية، فالانتماء إلى الجيش السابق أو الطائفة العلوية، أو حتى إلى قوى كردية، بات كافيا لإقصاء الضباط من الخدمة، بغضّ النظر عن سجلّهم.

هذه ليست عدالة، بل إعادة تعريف للانتماء المقبول داخل “الدولة الجديدة”، فالافتراض غير المعلن أن الجيش يجب أن يكون “نقيا سياسيا” كي يكون آمنا.
هذا “النقاء” يُحوّله إلى جيش فئوي لا وطني، ويكرس إنتاج العداوات التي نتجت عن الحرب، فالعدالة الانتقائية لا تبني مصالحة، بل تؤسس لدورة انتقام جديدة.

إقصاء الخبرة وتفكيك الذاكرة

الجيش السوري السابق امتلك ذاكرة مؤسسية عمرها ثمانية عقود، شكلت خبرة تنظيمية وانضباطية نادرة في المنطقة، وحين أُلغيت الرتب السابقة واستُبدلت بقيادات جديدة من المعارضة المسلحة، فُقدت تلك الذاكرة.

يبدو القرار سياسيا عبر تفكيك مؤسسة ارتبطت بالمواجهة العسكرية المباشرة، ومن منظور عسكري، هذا التفكيك يعني البدء من الصفر في بلد بلا مؤسسات تدريب متقدمة ولا مدارس حرب.الضباط الجدد يعرفون الحرب الأهلية، لكنهم لا يعرفون كيف تُدار جيوش نظامية، وبين حرب الشوارع وحرب المؤسسات، هوة لا تُردم بالشعارات، والجيش الذي يمحو تاريخه، يفقد خريطته.

تحالفات الخارج كبديل للسيادة

لتعويض هذا الفراغ المهني، وقّعت سلطات دمشق الجديدة اتفاقات تدريب مع تركيا وبعض الدول الأوروبية، لكن هذه الشراكات ليست حيادية، فالتدريب الخارجي يحمل معه نقلا غير معلن للقرار السيادي، فالممول يحدد سقف التسليح، ويشرف على برامج الإعداد، ويرسم خطوطا حمراء لا تُرى في الوثائق.

إنها “وصاية تقنية” تتغلغل عبر بوابة الدعم العسكري، ويتحول الجيش السوري الجديد إلى قوة مدرّبة بمعايير غير سورية، تخضع لضوابط سياسية تتجاوز الحدود، فالخبرة المستوردة ليست دائما دعما، وتكون تطويقا ناعما للسيادة.

إقصاء الأقليات: الاستقرار الزائف

رغم الحديث الرسمي عن “جيش لكل السوريين”، لا تزال “الأقليات” الدينية والإثنية ؛ وهي مكونات سيادية أساسية في بناء سوريا، شبه غائبة عن صفوف القيادة العسكرية.
العلويون، الذين شكّلوا تاريخيا، وفي مراحل ما قبل البعث، العمود الفقري للمؤسسة العسكرية، يُنظر إليهم اليوم بريبة، والكرد، رغم قوتهم الميدانية، لم يُدمجوا فعليا في البنية الجديدة، خشية أن يحتفظوا بهياكلهم الذاتية.

هذا الاستبعاد يتم تبريره تحت شعار “تفادي الاختراق”، لكنه يُهدد تماسك الدولة على المدى الطويل، فجيش لا يعبّر عن تنوّع سوريا هو جيش مؤقت، يخص فئة تحكم لا وطن يحمي، والتجانس الأمني يُنتج استقرارا هشا، بينما التنوع المنضبط يصنع دولة.

الانضباط الغائب والذاكرة المستوردة

في أي جيش محترف، يبدأ البناء من الانضباط قبل العقيدة، لكن في الجيش السوري الجديد، تقدم الأيديولوجيا على التدريب، والتعليم الديني على التكتيك.يظهر عن ذلك أنها قوة متماسكة وجدانيا لكنها بالفعل ضعيفة عملياتيا، وهو ما يفسّر تصاعد حالات الانتهاك، وضعف السيطرة المركزية على الوحدات الميدانية، وعودة النزعات المحلية في التشكيلات.

الانضباط لا يُكتسب بالإيمان أو الحماس الثوري، بل بالتراتبية والتقليد العسكري، وحين يُعاد تعريف الجيش كمشروع أخلاقي أو ديني، لا كمؤسسة نظامية، يصبح كل قائد مركز قوة مستقلا بذاته، فالعقيدة تحشد، لكنها لا تُنظّم، والانضباط يُنظّم، لكنه يحتاج إلى سلطة قانون، هذه السلطة تجسد مفهوما أخلاقيا يشمل الجميع، لا سلطة عاطفة.

الجيش كامتداد للسياسة لا للدولة

في نهاية المطاف، ما يجري في سوريا ليس بناء جيش وطني بقدر ما هو إعادة تموضع للقوة في نظام جديد لم يُعرّف نفسه بعد، والجيش اليوم هو انعكاس لميزان القوى داخل السلطة الانتقالية؛ بين الإسلاميين السابقين، والقوى المدنية، وبقايا المؤسسة القديمة، ورعاة الخارج.

كل بند في لوائح الخدمة وكل رتبة تُمنح، هي قرار سياسي بامتياز، فالدولة تتشكل عبر جيش لا يزال يبحث عن معنى وجوده، فهل هو ذراع الدولة، أم حارس الثورة، أم مشروع هوية بديلة؟

الجيش السوري الجديد لا يُعيد إنتاج القوة فقط، بل يُعيد تعريف الدولة السورية نفسها.

من يملك العنف، يكتب الدستور

الجيش ليس مؤسسة أمنية فقط، بل الترجمة الميدانية لفكرة الوطن، وفي سوريا فكرة الوطن موضع تفاوض، فالقيادة الجديدة تتحدث عن الوحدة، لكنها تبني جيشا على الولاء، وتتحدث عن العدالة، لكنها تُقصي باسمها، وتتحدث عن السيادة، بينما تعتمد على الخارج لتدريب جنودها.

ما لا يُقال صراحة هو أن الجيش السوري الجديد ليس مجرد مشروع أمني، بل المرآة التي ستعكس شكل الدولة المقبلة؛ دولة متعددة متصالحة، أو سلطة جديدة بثوب وطني.

فحين يُعاد بناء الجيش، لا يُعاد بناء المؤسسة فقط، بل يُعاد تعريف من يملك الحق في العنف، ومن يُعرّف معنى سوريا نفسها.

من يملك القوة المنظمة في سوريا، يملك المستقبل.
والسؤال الحقيقي ليس كيف يُبنى الجيش، بل من يبنيه ولأي وطن يُراد له أن يدافع، ويحمي.

الجيش السوري الجديد: من يحكم العنف حين تسقط الأيديولوجيا؟

الجيش السوري الجديد: من يحكم العنف حين تسقط الأيديولوجيا؟

بعد سقوط نظام البعث، لم تبدأ سوريا من الصفر كما يظن بعض المراقبين، بل بدأت من مؤسسات ورثت نصف قرن من الولاء العقائدي، وفي لحظة فراغ السلطة، تحوّل الجيش إلى سؤال وجودي للدولة الجديدة: من يملك القوة الآن؟ ولمن تُوجَّه البنادق؟

مفارقات بناء الجيش السوري الجديد

🏛️ مفارقة الولاء مقابل الوطن

يُبنى الجيش الجديد على منطق البقاء لا الدولة، حيث يُختار القادة من دائرة الموثوقين أيديولوجيا وشخصيا، لا من الأكفأ مهنيا. هذه الآلية تمنح القيادة شعورا بالسيطرة لكنها تحرم الجيش من عموده الفقري المهني.

ولاء شخصي كفاءة مهنية توازن مفقود

⚖️ مفارقة العدالة الانتقالية

تُقدّم “التطهير العسكري” كجزء من العدالة الانتقالية، لكن الممارسة تكشف أنها آلية فرز طائفي وسياسي أكثر من كونها مساءلة قانونية. الانتماء إلى الجيش السابق أو طائفة معينة بات كافيا للإقصاء بغضّ النظر عن السجل المهني.

فرز طائفي مساءلة قانونية

🕌 مفارقة التديين مقابل الانضباط

في معسكرات التدريب الجديدة، يُخصَّص الأسبوع الأول بالكامل للدروس الدينية. هذه العملية هي هندسة هوياتية لربط الانتماء العسكري بعقيدة دينية، مما يجعل معيار الولاء إيمانيا لا وطنيا.

ولاء ديني انضباط مؤسسي

🌍 مفارقة السيادة مقابل التبعية

لتعويض الفراغ المهني، وقّعت السلطات اتفاقات تدريب مع دول أجنبية. هذه الشراكات تحمل نقلا غير معلن للقرار السيادي، حيث يصبح الجيش السوري الجديد قوة مدرّبة بمعايير غير سورية تخضع لضوابط سياسية تتجاوز الحدود.

تبعية تقنية استقلال سيادي

مقارنة بين نموذجي الجيش: القديم والجديد

المعيار الجيش السوري القديم الجيش السوري الجديد
المرجعية الأيديولوجية عقيدة حزب البعث والقومية العربية عقيدة دينية وهوية إسلامية
معيار الولاء الولاء للحزب والنظام الولاء للقيادة الشخصية والعقيدة الدينية
الخبرة المهنية ذاكرة مؤسسية عمرها 8 عقود، خبرة تنظيمية وانضباطية خبرة في الحرب الأهلية، نقص في إدارة الجيوش النظامية
تمثيل المكونات تنوع طائفي معتدل إقصاء ممنهج للأقليات (علويون، كرد) بحجة “التطهير”
الانضباط انضباط تراتبي بيروقراطي صارم انضباط يعتمد على العقيدة الدينية والولاء الشخصي
التحالفات الخارجية تحالفات إقليمية ودولية (روسيا، إيران) شراكات تدريب مع تركيا ودول أوروبية
العدالة الانتقالية غياب تام للمحاسبة على الانتهاكات محاسبة انتقائية تستخدم كأداة فرز طائفي وسياسي

مسار تحول المؤسسة العسكرية السورية

مرحلة ما قبل 2024

الجيش السوري كنظام بعثي – ولاء للحزب، خبرة مؤسسية متراكمة على مدى 8 عقود، تحالفات مع روسيا وإيران.

2024 – سقوط نظام البعث

فراغ سلطة وتحول الجيش إلى سؤال وجودي. بداية عملية تفكيك المؤسسة العسكرية القديمة تحت شعار “التطهير”.

مرحلة الانتقال (2024-2025)

إقصاء الضباط المحترفين من الجيش السابق، استبدال الرتب السابقة بقيادات من المعارضة المسلحة، فقدان الذاكرة المؤسسية.

مرحلة إعادة البناء (2025-2026)

بداية تدريبات عسكرية بدعم خارجي، اعتماد منهج التدريب الديني، محاولات بناء ولاءات جديدة تعتمد على العقيدة الدينية بدلا من الوطنية.

التحديات المستقبلية

استمرار إقصاء الأقليات، ضعف الانضباط المؤسسي، الاعتماد على الخبرة الخارجية، تحول الجيش إلى أداة سياسية بدلا من مؤسسة وطنية.

الركائز السبعة للجيش السوري الجديد

الولاء الشخصي
يُبنى الجيش على منطق الولاء للقيادة الشخصية والثقة الأيديولوجية، وليس على الكفاءة المهنية أو الانضباط المؤسسي.
الهندسة الهوياتية
استخدام الدين كأداة لبناء هوية عسكرية موحدة، حيث يتحول الانتماء من وطني إلى إيماني.
العدالة الانتقائية
استخدام شعار “التطهير” كآلية للفرز الطائفي والسياسي، وليس كمساءلة قانونية حقيقية.
إقصاء الخبرة
تفكيك الذاكرة المؤسسية للجيش القديم وإقصاء الضباط المحترفين باعتبارهم “تورطوا” مع النظام السابق.
التبعية الخارجية
اعتماد على التدريب والدعم الخارجي مما يؤدي إلى نقل غير معلن للقرار السيادي.
التجانس القسري
إقصاء مكونات أساسية من الجيش (علويون، كرد) باسم “تفادي الاختراق” مما ينتج جيشا فئويا.
السيطرة السياسية
تحويل الجيش إلى أداة سياسية لترسيخ نظام الحكم الجديد بدلا من جعله مؤسسة وطنية محايدة.
“الجيش ليس مؤسسة أمنية فقط، بل الترجمة الميدانية لفكرة الوطن. وفي سوريا فكرة الوطن موضع تفاوض. من يملك القوة المنظمة في سوريا، يملك المستقبل.”

❓ السؤال المركزي: أي وطن يُراد للجيش أن يدافع عنه؟

الجيش السوري الجديد لا يُعيد إنتاج القوة فقط، بل يُعيد تعريف الدولة السورية نفسها. المشكلة ليست في كيفية بناء الجيش، بل في الإجابة على الأسئلة الأساسية: من يملك الحق في العنف؟ من يُعرّف معنى سوريا؟ لأي وطن يُراد لهذا الجيش أن يدافع ويحمي؟

ما يحدث اليوم هو إعادة تموضع للقوة في نظام جديد لم يُعرّف نفسه بعد. الجيش هو انعكاس لميزان القوى داخل السلطة الانتقالية، وكل بند في لوائح الخدمة وكل رتبة تُمنح هي قرار سياسي بامتياز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *