سوريا والإدارة المستحيلة: حين تصبح السياسات العامة جزءًا من الأزمة

بعد خمسة عشر عاما على اندلاع الصراع السوري، لا تزال البلاد تدور في مجال إداري واحد، وإن تعددت سلطاتها وأعلامها، فالمناطق السورية على اختلاف خرائط السيطرة لم تنجح في بلورة نموذج حكم مدني مستقل عن منطق القوة والسلاح، بل ظهر في كل منها شكل مختلف من السلطة، يتشارك في الجوهر ذاته؛ إدارة المجتمع عبر الولاء لا عبر الكفاءة، وتوزيع النفوذ عبر شبكات مصالح اقتصادية متداخلة، أكثر مما يسعى إلى بناء مؤسسات عامة حقيقية.

لم تعرف البلاد انتقالا سياسيا حقيقيا، بل انتقلت من سلطة مركزية إلى سلطات متعددة تعيد إنتاج الأسلوب نفسه في الحكم، مستخدمة الخطاب الثوري أو المحلي لتبرير بنية زبائنية متجددة تخفي هشاشة الدولة خلف واجهات مؤسسية شكلية.

البنية الزبائنية كمنهج حكم

من يراقب توزيع المناصب في محافظات الشمال يدرك أن السلطة هناك لا تبنى على برامج أو مؤهلات، بل على محاصصة غير معلنة داخل الكيانات المهيمنة. فالمسؤول المحلي لا يختار لخبرته أو انتمائه الجغرافي، بل لأنه يمثل «حصة» ضمن توازنات دقيقة بين مراكز القوة.

هذه البنية تعيد إنتاج الزبائنية لا كآلية ظرفية، بل كمنهج إدارة، فالمحافظ، والمدير العام، ورئيس المجلس المحلي جميعهم يتحركون في فضاء من “التكليف” وليس “التفويض”، فهم وكلاء لا يمثلون المجتمعات المحلية، وتدار مؤسسات الدولة بوصفها حقول نفوذ أكثر منها فضاءات خدمة عامة.

اللافت أن هذا النمط يمارس اليوم دون مواربة، بل يقدم بوصفه “ضرورة” لإدارة المرحلة الانتقالية، وكأن غياب الكفاءة هو شرط للاستقرار، واحتكار القرار هو ضمانة للانضباط.

اقتصاد السلطة: من الميدان إلى المقاولة

من يتتبع مسار كثير من الفاعلين المحليين في شمال سوريا يلاحظ تحولا لافتا، فمن العمل المسلح إلى إدارة الشركات، ومن الكتائب إلى المقاولات.
التحول ليس في طبيعة الأشخاص فقط، بل في جوهر الاقتصاد نفسه، فبدلا من اقتصاد السوق المحلي، تشكلت طبقة ريعية جديدة تملك مفاتيح العطاءات والامتيازات والعقود الكبرى، وتتحكم في مسار مشاريع الإعمار والخدمات.

شركات محدودة العدد، غالبها ارتبط بالسلطة السياسية والعسكرية الحاكمة، استحوذت على عقود ضخمة لتعبيد الطرق، وإنشاء محطات الكهرباء، والمدارس والمستشفيات، وترسى هذه العقود في مناخ مغلق لا يسمح بالمنافسة، وتنفذ غالبا من دون رقابة مالية مستقلة، فنشأت شبكة متداخلة من المصالح جعلت من الاقتصاد المحلي أداة لضبط المجتمع لا لتحريكه.

تحول “الإعمار” إلى أداة للهيمنة؛ تدار المشاريع وفق اعتبارات الولاء لا المصلحة العامة، فيكافأ الحليف بعقد، ويقصى المعارض بتجميد أو حرمان، إنها بيروقراطية بلا مؤسسات، واقتصاد بلا تنمية.

4. تهميش المجتمع المحلي وإقصاء الخبرة

الرقة التي عانت أهوال الحرب ودفعت ثمن التحولات الميدانية المتكررة، تعد نموذجا صارخا لهذا الواقع،
فبدل أن تدار مرحلة ما بعد الحرب عبر تمكين كوادرها المحلية، شهدت تعيينات فوقية أتت بشخصيات لا تمت للمنطقة بصلة اجتماعية أو مهنية، وهذه التعيينات لا تعبر عن رؤية إدارية بقدر ما تعكس نظام الحصص بين القوى المتنفذة.

في هذه البنية، تغيب المشاركة الحقيقية للمجتمعات المحلية، فالمواطن لا يشعر أن صوته أو رأيه يؤثر في القرار العام، بل إن الانخراط في الإدارة المحلية أصبح مشروطا بالانتماء التنظيمي أو بالعلاقات الشخصية، لا بالكفاءة أو النزاهة، وهذه الآلية لا تضعف فقط الأداء الإداري، بل تصادر روح الانتماء الوطني التي يفترض أن تبنى عليها أي عملية إعادة إعمار أو مصالحة.

فشل الحوكمة والتحول إلى إدارة الأزمة

في ظل هذه المعادلة، لم تعد السياسات العامة تسعى لحل المشكلات، بل لإدارتها وتأجيلها، فالقرارات الاقتصادية لا تهدف إلى تحفيز الإنتاج، بل إلى تأمين الموارد للنخب الحاكمة، والقرارات الإدارية لا تبنى على تقييم الحاجة، بل على موازين القوى داخل السلطة، أما الخدمات العامة من الكهرباء إلى الطرق والتعليم فتدار بوصفها أوراق ضغط سياسي أكثر مما تقدم بوصفها حقوقا للمواطنين.

هذا النمط من الحوكمة المرتجلة جعل من مؤسسات الحكم المحلي مجرد أدوات لتوزيع المنافع، لا لصياغة سياسات طويلة المدى، وبغياب المحاسبة أو الشفافية، تتحول كل مبادرة إلى مشروع ظرفي يهدف لتثبيت السيطرة أكثر مما يهدف لبناء الاستقرار.

هندسة الوعي وتطبيع الاستبداد الجديد

الأخطر في هذا المشهد لا يكمن في الفساد أو الاحتكار بوصفهما ممارسات، بل في تحولهما إلى منظومة ذهنية مقبولة اجتماعيا، حيث بدأت تتشكل في المجتمع السوري قناعة خطيرة بأن الفساد ليس استثناء بل قاعدة، وأن العدالة ترف نظري لا مكان له في واقع هش، وأن الكفاءة تقاس بالقدرة على البقاء لا بالإنتاج أو النزاهة.

هذه القناعة لا تنتج فقط استسلاما جماعيا، بل تؤسس لمرحلة جديدة من الهيمنة الناعمة، حيث لا تحتاج السلطة إلى القمع المباشر ما دام الناس تعلموا التعايش مع انعدام البدائل، فما يجري في شمال سوريا اليوم ليس مجرد استمرار لأزمة الحكم، بل إعادة هندسة للوعي العام فتستبدل فكرة المواطنة بفكرة الرعاية، وفكرة المشاركة بفكرة الحماية.

مشروع للحرية والكرامة يتم إعادة صياغتها في الخطاب الرسمي بوصفها “مرجعية شرعية” لتبرير السلطة، لا لتقييدها، فيتحول مفهوم “الشرعية الثورية” إلى ذريعة أخلاقية لتكريس الوصاية، فيتم تقديم الإقصاء بوصفه ضرورة ضريبة “المرحلة الانتقالية”.

تستخدم في هذا السياق لغة مزدوجة تخاطب العاطفة الجمعية أكثر مما تخاطب الوعي السياسي، فتعد بالتحرير لكنها تمارس الوصاية، وتعلن محاربة الفساد بينما تنظمه في قنوات مغلقة، وتقدم الأمن كبديل عن العدالة، وبهذه اللغة يتم تسويغ استمرار السيطرة على القرار المحلي، وإقناع المجتمع بأن أي بديل سيكون أكثر فوضوية أو أكثر كلفة، وهذه إستراتيجية الخوف في صيغة جديدة، فلا تفرض بالقوة فقط، بل بالتعويد النفسي على انعدام الخيارات.

ما يتعرض له السوريون ليس قمعا سياسيا بالمعنى الكلاسيكي، بل إعادة إنتاج للقبول الشعبي باللامساءلة، فحين يفقد الناس الإيمان بإمكانية التغيير، تتحول السلطة من خصم إلى قدر، ويغدو الفساد نوعا من “النجاة الفردية” لا جريمة جماعية، وعند هذه النقطة يتحول الصراع بين سلطة وشعب إلى مجتمع يريد استعادة المعنى وسلطة تملك مهارة تفريغه.

المفارقة أن هذا التطبيع لا يفرض من فوق فقط، بل يجد حاضنته في الأسفل أيضا، في ثقافة الخوف والنجاة، وفي لغة التبرير التي تقول “على الأقل هم أفضل من غيرهم”، أو “لا يمكن أن نطالب بكل شيء الآن”، فيعاد بناء الطاعة على أنقاض المرحلة الانتقالية، ويختزل مفهوم الحرية إلى مجرد مساحة كلام لا تترجم إلى قرار.

نحو عقد اجتماعي محلي

رغم المشهد القاتم ما زالت فرص التغيير ممكنة، فبناء إدارة محلية فاعلة في سوريا لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار سياسي صريح بفصل العمل الإداري عن الولاء الفصائلي، وإطلاق عملية انتخابية حقيقية على مستوى المجالس المحلية، تتيح تمثيلا حقيقيا للمجتمع.

التحول المطلوب ليس في الأشخاص بل في المفهوم؛ أن تبنى السلطة بوصفها خدمة لا امتيازا، وأن يدار الاقتصاد كمنظومة إنتاج لا كشبكة ريعية، وعندها فقط يمكن الحديث عن سياسة عامة سورية بالمعنى الحقيقي تخطط من أجل الناس لا من فوقهم، وتقيم بنتائجها لا بخطابها.

السلطة التي لا تتعلم

أخطر ما يواجه سوريا اليوم ليس استمرار الانقسام، بل إدامته بوصفه أسلوب حكم، فالسلطة التي تبني استقرارها على توازنات المصالح لن تعرف يوما استقرارا حقيقيا، والمجتمع الذي تسلب منه أدوات المشاركة سيبقى مجتمعا مقيدا، مهما تعددت الشعارات.

لا مستقبل لإدارة تستبدل الدولة بالكارتيل، والتمثيل بالوصاية، والمواطنة بالولاء، فالقوة التي لا تنتج ثقة، تفقد معناها سريعا، والشرعية التي لا تستند إلى عدالة، تتحول إلى عبء على نفسها، وإعادة بناء سوريا تبدأ من تعريف السلطة المحلية كأداة للمساءلة لا للهيمنة، وكفضاء للمواطنة لا للمحاصصة.

السياسات العامة في سوريا: إدارة الانقسام وإدامة الأزمة

السياسات العامة في سوريا: إدارة الانقسام وإدامة الأزمة

تحليل تفاعلي لآليات الحكم المحلي وإعادة إنتاج الأزمة بعد 15 عاماً من الصراع

النموذج الحاكم: من المركزية إلى الزبائنية المتعددة

النموذج الحاكم
في سوريا
السلطة المركزية (ما قبل 2011)
حكم مركزي يقوم على الولاء للسلطة وليس الكفاءة
السلطات المتعددة (ما بعد 2011)
انتقال من سلطة مركزية إلى سلطات متعددة تعيد إنتاج الأسلوب نفسه
البنية الزبائنية كمنهج
المحاصصة غير المعلنة واختيار المسؤولين بناءً على “الحصة” وليس الكفاءة
اقتصاد السلطة
من الميدان إلى المقاولة: تحول الفاعلين من العمل المسلح إلى إدارة الشركات
توزيع أسباب فشل الحوكمة المحلية
أسباب
الفشل
البنية الزبائنية
اقتصاد الريع
تغييب الكفاءة
غياب المحاسبة
مقارنة معايير اختيار المسؤولين المحليين
الواقع الحالي
المطلوب

دورة إعادة إنتاج الأزمة

آليات إدامة الأزمة

تحول الإعمار إلى أداة للهيمنة: تدار المشاريع وفق اعتبارات الولاء لا المصلحة العامة
تغييب المجتمع المحلي: تعيينات فوقية لأشخاص لا يمتون للمنطقة بصلة اجتماعية أو مهنية
فشل الحوكمة والتحول إلى إدارة الأزمة: السياسات لا تسعى لحل المشكلات بل لإدارتها وتأجيلها
هندسة الوعي وتطبيع الاستبداد الجديد: تحول الفساد من استثناء إلى قاعدة مقبولة اجتماعياً

نحو عقد اجتماعي محلي

بناء إدارة محلية فاعلة في سوريا لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار سياسي صريح بفصل العمل الإداري عن الولاء الفصائلي، وإطلاق عملية انتخابية حقيقية على مستوى المجالس المحلية. التحول المطلوب ليس في الأشخاص بل في المفهوم؛ أن تبنى السلطة بوصفها خدمة لا امتيازاً، وأن يدار الاقتصاد كمنظومة إنتاج لا كشبكة ريعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *