لا يمكن التعامل في السياق السوري مع واقعة تعيين رئيس للمحكمة العسكرية ورئيس للنيابة العامة بوصفها تفصيلا إداريا عابرا، بل كحلقة كاشفة من تآكل الحوكمة القضائية تحت وطأة الاستثناء الدائم، ففي سوريا، حيث تشكل القضاء العسكري أحد أكثر مفاصل السلطة حساسية وتأثيرا في مصائر الأفراد، يكتسب أي خلل في بنيته دلالات مضاعفة، لأنه يمس مباشرة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والقانون.
تعيين حسن الأقرع في منصبين قضائيين متعارضين جوهريا لا يعكس فقط إشكالية قانونية تقنية، بل يسلط الضوء على نموذج حكم يرى في القضاء أداة إدارة وضبط، لا مؤسسة مستقلة لضمان العدالة، ما يفتح الباب مجددا أمام سؤال مركزي، فهل ما زال القضاء في سوريا قادرا على أداء دوره كضامن للحقوق، أم أنه بات امتدادا لوظيفة السلطة نفسها؟
أولا: الحوكمة القضائية كمعيار كوني
في التجارب المقارنة، تُقاس الحوكمة القضائية بثلاثة معايير أساسية: الاستقلال، والحياد، والكفاءة، هذه ليست شعارات نظرية، بل شروط تشغيلية لا غنى عنها لقيام قضاء وظيفي، الاستقلال يعني التحرر من التدخلات السياسية والأمنية؛ الحياد يعني الفصل الصارم بين أطراف الخصومة وسلطة الحكم؛ والكفاءة تعني التأهيل القانوني والمؤسسي لمن يتولى إصدار الأحكام باسم الدولة.
أي إخلال جوهري بأحد معايير الحوكمة القضائية لا يؤدي إلى ضعف تقني في الأداء فحسب، بل يزج النظام القضائي كاملا في نطاق ما يمكن تسميته بـ”العدالة الصورية“؛ حيث تستمر المحاكم في الانعقاد، وتُستكمل الإجراءات، وتُصدر الأحكام وفق الشكل الخارجي للقانون، بينما يكون جوهر العدالة أُفرغ من مضمونه.
في هذا النموذج، لا يختفي القضاء، بل يتحول إلى واجهة مؤسسية تمنح قرارات السلطة غطاء قانونيا، دون أن تمتلك القدرة أو الإرادة على فحصها أو مساءلتها، يصبح القاضي جزءا من سلسلة تنفيذ، لا طرفا مستقلا في عملية بحث عن الحقيقة، وتغدو المحاكمة طقسا إداريا يضفي المشروعية على نتائج محددة سلفا.
الأخطر أن العدالة الصورية، بخلاف غياب العدالة الصريح، تُنتج وهما جماعيا بوجود دولة قانون، فيما تتآكل ثقة المجتمع تدريجيا بالقضاء كملاذ أخير.
حين يدرك المتقاضي أن القانون لا يُطبق بوصفه قاعدة عامة، بل كأداة انتقائية تخضع لموازين القوة، يتراجع الامتثال الطوعي، وتُستبدل العدالة المؤسسية بمنطق النفوذ أو الحماية أو الانكفاء، وعند هذه النقطة، لا يعود الخلل قضائيا فحسب، بل يتحول إلى مأزق حوكميشامل، تفقد فيه الدولة قدرتها على إنتاج الشرعية، حتى وإن استمرت في إنتاج الأحكام.
الجمع بين الادعاء والحكم… انهيار مبدأ الفصل
أخطر ما تكشفه الواقعة المطروحة ليس مسألة الخلفية العلمية أو المهنية فحسب، بل الجمع بين منصبين متعارضين جوهريا، رئاسة النيابة العامة ورئاسة المحكمة، وفي كل الأنظمة القضائية التي تحترم الحد الأدنى من المعايير الدولية، يُعد هذا الجمع مستحيلا قانونيا، لأنه ليس مخالف لنصوص إجرائية فقط، بل يهدم مبدأ الفصل بين سلطات الخصومة.
النيابة العامة طرف أصيل في الدعوى، تمثل سلطة الاتهام، وتعمل على بناء ملف الإدانة، فالقاضي يفترض أن يقف على مسافة واحدة من الادعاء والدفاع، وحين يصبح الشخص ذاته ممثلا للادعاء وحكما في النزاع، تنتفي فكرة “المحاكمة” من أساسها، ويتحول الإجراء إلى تصديق مسبق على قرار اتخذ سلفا.
ثالثا: الحياد كشرط للشرعية لا للإجراء
غالبا ما تختبئ الأنظمة السلطوية خلف القول إن “القانون لم يُمنع صراحة” هذا الجمع، أو إن “الظروف الاستثنائية” تبرره. هذا منطق مضلل، فالقانون لا يُختزل في النصوص، بل في روح العدالة التي تحكم تفسيرها، فالحياد القضائي ليس امتيازا للقاضي، بل حق أصيل للمتقاضي، وأي مساس به يجرد الأحكام من شرعيتها الأخلاقية، حتى لو استوفت شكلها الإجرائي.
في الأدبيات الدولية، يكفي الاشتباه المعقول بعدم الحياد لإبطال الإجراءات، فكيف إذا كان التعارض معلنا ومؤسسيا؟
الكفاءة والمؤهلات… ليست مسألة شكلية
يُضاف إلى ذلك عنصر الكفاءة، فغياب التأهيل القانوني المتخصص لمن يتولى أعلى المناصب القضائية لا يمكن تبريره باعتبارات “الواقع” أو “الاستثناء السوري”، فالقضاء، بخلاف الإدارة، لا يتسامح مع الهشاشة المعرفية، والأحكام القضائية لا تُبنى على النوايا، بل على فهم دقيق للنصوص، والسوابق، ومبادئ العدالة.
عندما يُسند القضاء إلى غير المختصين، لا تكون النتيجة فقط أخطاء فردية، بل تراكما ممنهجا للأحكام القابلة للنقض، وانعداما للاستقرار القانوني، وتآكلا إضافيا للثقة العامة.
القضاء العسكري كحالة اختبار
قد يجادل البعض بأن القضاء العسكري “حالة خاصة”، هذا صحيح جزئيا، لكنه لا يبرر إلغاء المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة، حتى في أكثر الأنظمة صرامة، يخضع القضاء العسكري لمعايير دنيا من الفصل الوظيفي والرقابة، تحديدا لأن اختصاصه يمس الحريات الأساسية، وغالبا ما يُحاكم مدنيين أو قضايا ذات طابع سياسي.
حين يتحول القضاء العسكري إلى مساحة معفاة من قواعد الحوكمة، يصبح أداة لضبط المجتمع لا لتحقيق العدالة، وهو ما يفاقم هشاشة الدولة بدل أن يعزز أمنها.
سادسا: الأثر البنيوي على الدولة والمجتمع
من منظور الحكم الرشيد، لا تُقاس خطورة هذه التعيينات بآثارها الآنية، بل بتداعياتها التراكمية، فكل حكم يصدر عن محكمة يختلط فيها الادعاء بالحكم هو حكم قابل للطعن المعنوي حتى قبل الطعن القانوني، وكل متقاض يشعر أن خصمه هو ذاته القاضي، يفقد الثقة ليس بالمحكمة فقط، بل بفكرة العدالة ذاتها.
وحين تتآكل الثقة، تتراجع الامتثال الطوعي للقانون، وتُستبدل العدالة المؤسسية بآليات القوة أو الوساطة أو الانتقام، وهي جميعها مؤشرات فشل حوكمي واضح.
ما الذي تكشفه الواقعة؟
هذا التعيين لا يكشف خللا شخصيا معزولا، ولا يمكن اختزاله في اسم أو سيرة ذاتية، بقدر ما تفضح منظومة تعيينات مغلقة على ذاتها، تعمل خارج منطق المساءلة والشفافية، حيث تُقدم الولاءات واعتبارات النفوذ والامتثال، على حساب المعايير المؤسسية التي يفترض أن تحكم الوصول إلى المناصب القضائية العليا، وفي هذه الحالة لا يُطرح السؤال هنا حول الكفاءة أو تضارب المصالح أو الأهلية القانونية، بل حول مدى الانسجام مع توازنات السلطة القائمة، وهو ما يحول التعيين من إجراء مؤسسي إلى قرار سياسي مُقنع بصيغة قانونية.
تمثل الواقعة تذكيرا صارخا بأن الحوكمة لا تنهار فجأة ليس عبر قرارات كبرى مُعلنة، بل من خلال سلسلة من الانزلاقات الصغيرة التي تُبرر دائما بالضرورة أو الاستثناء أو الخصوصية، وقرار بعد آخر، يُعلق معيار هنا، ويُلتف على قاعدة هناك، إلى أن يصبح ما كان يُعد خرقا فاضحا أمرا اعتياديا، ويغدو الاستثناء هو القاعدة، فلا تعود المشكلة في القرار بحد ذاته، بل في المسار الذي أنتجه، وفي النظام الذي لم يعد قادرا على التمييز بين ما هو مقبول مؤسسيا وما هو مدمر لبنية العدالة ذاتها.
العدالة لا تُدار بالاستثناء
لا يمكن بناء دولة، أو حتى إدارة أزمة، عبر تعليق مبادئ العدالة بحجة الخصوصية، فالحوكمة القضائية ليست ترفا في أوقات الاستقرار، بل شرطا للبقاء في أوقات الهشاشة، وأي نظام يقبل أن يكون القاضي خصما، وأن يكون الحكم صدى للادعاء، إنما يختار طوعا الخروج من فكرة الدولة القانونية.
فالقضية ليست اسم شخص أو منصب بعينه، بل سؤال أعمق؛ هل ما زال القضاء مؤسسة مستقلة، أم مجرد وظيفة ضمن جهاز السلطة؟ وعلى أساس الإجابة العملية التي ستنتجها هذه المنظومة، سيتحدد اتجاه العدالة بوصفها وظيفة عامة، ليس في هذه الواقعة بعينها، بل في الطريقة التي تُدار بها الدولة ومؤسساتها على المدى الأوسع.
تآكل الحوكمة القضائية في سوريا: دراسة حالة تعيين مزدوج
تحليل تفاعلي لتعيين رئيس المحكمة العسكرية ورئيس النيابة العامة في منصب واحد وتداعياته على الحوكمة القضائية
يمكنك التفاعل مع الرسم البياني عن طريق النقر على الأزرار أدناه
تعيين حسن الأقرع في منصبين قضائيين متعارضين جوهرياً: رئيس المحكمة العسكرية ورئيس النيابة العامة. هذا التعيين لا يعكس إشكالية قانونية تقنية فحسب، بل يكشف عن نموذج حكم يرى في القضاء أداة إدارة وضبط، لا مؤسسة مستقلة لضمان العدالة.
محاور التحليل
الجمع بين منصبي الادعاء والحكم يهدم مبدأ الفصل بين سلطات الخصومة. النيابة العامة طرف في الدعوى تمثل سلطة الاتهام، بينما يفترض بالقاضي أن يقف على مسافة واحدة من الادعاء والدفاع.
تستمر المحاكم في الانعقاد، وتُستكمل الإجراءات، وتُصدر الأحكام وفق الشكل الخارجي للقانون، بينما يكون جوهر العدالة أُفرغ من مضمونه. القضاء يتحول إلى واجهة مؤسسية تمنح قرارات السلطة غطاء قانونياً.
حين يدرك المتقاضي أن القانون لا يُطبق بوصفه قاعدة عامة، بل كأداة انتقائية تخضع لموازين القوة، تتراجع الثقة بالقضاء كملاذ أخير، وتُستبدل العدالة المؤسسية بمنطق النفوذ أو الحماية.
تُقاس الحوكمة القضائية بثلاثة معايير أساسية: الاستقلال (التحرر من التدخلات السياسية والأمنية)، الحياد (الفصل الصارم بين أطراف الخصومة وسلطة الحكم)، والكفاءة (التأهيل القانوني والمؤسسي). أي إخلال جوهري بأحد هذه المعايير يزج النظام القضائي في نطاق “العدالة الصورية”.
الخلاصة: العدالة لا تُدار بالاستثناء
هذا التعيين لا يكشف خللاً شخصياً معزولاً، بل يفضح منظومة تعيينات مغلقة تعمل خارج منطق المساءلة والشفافية. الحوكمة القضائية ليست ترفاً في أوقات الاستقرار، بل شرطاً للبقاء في أوقات الهشاشة. وأي نظام يقبل أن يكون القاضي خصماً، وأن يكون الحكم صدى للادعاء، إنما يختار طوعاً الخروج من فكرة الدولة القانونية.

