هل تُبنى الدولة على الثقة أم على القواعد؟ قراءة في تصريحات حسن الدغيم

ليست أهمية تصريحات حسن الدغيم في دفاعه عن تعيين الأقارب بحد ذاته، بل في الفلسفة السياسية التي تعكسها، ففي لحظة انتقالية تعيد فيها سوريا تعريف ذاتها، يصبح السؤال عن “من يعين” أقل أهمية من السؤال عن “كيف نفهم الدولة أصلا؟” هل هي شبكة ثقة شخصية؟ أم كيان مجرد يقوم على قواعد تتجاوز الأفراد؟

حين قال الدغيم إن تعيين الأقارب ليس ممنوعا حتى في الديمقراطيات الغربية، وإن المرحلة الانتقالية تحتاج إلى أشخاص موثوقين لملفات حساسة تمس الأمن القومي، كان يؤسس من دون تصريح مباشر لرؤية الحكم باعتباره ممارسة قائمة على العلاقة، لا على المسافة المؤسسية، وفي هذا التصور الثقة الشخصية ليست عرضا جانبيا، بل هي حجر الأساس.

الدولة بوصفها دائرة

في الفلسفات السياسية الكلاسيكية، ثمة تمييز جوهري بين الحكم الشخصي والحكم المؤسساتي، فالشخصي ينطلق من فكرة أن السلطة امتداد لشبكة ولاءات، وأن الدولة تتجسد في من يملكها أو يديرها، أما المؤسساتي فيفترض أن الدولة فكرة قانونية وأخلاقية تتجاوز الحاكم، وأن السلطة وظيفة مؤقتة داخل بنية أوسع.

خطاب الدغيم يميل بوضوح إلى النموذج الأول، فالدولة في وصفه أشبه بـ”غرفة عمليات”؛ فضاء مغلق، تحكمه السرية، وتدار فيه الملفات الحساسة عبر أشخاص “مجربين” ومعروفين، وهذا المنطق مفهوم في حالات الطوارئ، لكن الإشكالية الفلسفية تكمن في أن الاستثناء، حين يشرعن خطابا يتحول إلى قاعدة.

عندما تصبح الثقة الشخصية معيارا أوليا للتعيين، فإننا نقترب من تصور للدولة كدائرة مغلقة، لا كمساحة عامة.

“القشور” ومفهوم الجوهر

وصف الدغيم الجدل حول تعيين الأقارب بأنه انشغال بالقشور، وهذه العبارة تكشف تصورا معينا للجوهر السياسي، الذي يبدو، في نظره، هو الأمن، وتوحيد البلاد، وتفكيك البنى المسلحة، أما طريقة توزيع المناصب فهي تفصيل إجرائي.

لكن فلسفة الحكم الحديثة ترى أن ما يسمى “إجراءات” هو في الحقيقة تعبير عن القيم العميقة للنظام، فآلية التعيين ليست مسألة شكلية؛ إنها إعلان صامت عن مفهوم العدالة، والمساواة، وتكافؤ الفرص، فإذا كانت الدولة فكرة عامة، فإن كل قرار إداري هو ترجمة لهذه الفكرة، أما إذا كانت الدولة علاقة، فإن القرارات تصبح امتدادا لمنطق الثقة والولاء.

بين الشرعية الواقعية والشرعية المعيارية

في سياقات انتقالية، غالبا ما تتغلب الشرعية الواقعية والقدرة على فرض النظام وضبط الأمن، على الشرعية المعيارية القائمة على القواعد، وتصريحات الدغيم تعكس هذا الميل بوضوح، فالدولة، في هذه المرحلة، بحسب منطقه، منشغلة بتثبيت أركانها، لا بإعادة هندسة قواعدها.

غير أن التاريخ السياسي يعلمنا أن اللحظات الانتقالية ليست فقط لحظات تثبيت، بل لحظات تأسيس، وما يرسخ اليوم بوصفه ضرورة يتحول غدا إلى بنية ثابتة يصعب تفكيكها.

الفلسفة الجمهورية الحديثة، من هانا أرندت إلى فقهاء الدساتير المعاصرين، تقوم على أن السلطة لا تبرر بفاعليتها وحدها، بل بقدرتها على أن تكون عامة وغير شخصية، والمواطن لا يخضع لشخص، بل لقانون، وكلما تداخلت الحدود بين الشخص والمنصب، تراجعت فكرة الدولة ككيان مجرد.

الاقتصاد كامتداد لفلسفة الحكم

حين سئل الدغيم عما إذا كان الامتناع عن تعيين الأقارب سيحسن سعر الصرف، أجاب بنبرة ساخرة، ومن الناحية التقنية، هو محق، فالاقتصاد لا يستجيب لقرار واحد، لكن الفلسفة السياسية للاقتصاد تقول إن الثقة المؤسسية هي أساس الاستقرار.

الأسواق لا تقرأ النوايا، بل الإشارات، والإشارة الأساسية في أي نظام هي هل القواعد عامة أم مرنة بحسب القرب من مركز القرار؟
حين تدار الدولة عبر علاقات، تتقلص المسافة بين الخاص والعام، وحين تضيق هذه المسافة، تتآكل الثقة، حتى لو بقيت المؤشرات الرقمية على حالها مؤقتا.

هنا، يتضح أن السؤال ليس عن سعر الصرف، بل عن طبيعة السلطة التي تنتج ذلك السعر.

هل الدولة ملك لأحد؟

ثمة سؤال ضمني لم يحسم في التصريحات: لمن تنتمي الدولة؟
إذا كانت الدولة ملكا للجميع، فإن الوصول إلى مواقعها يجب أن يكون مفتوحا من حيث المبدأ، أما إذا كانت امتدادا لدائرة بعينها، فإن القرابة لا تبدو إشكالية، بل طبيعية.

الفارق الفلسفي بين النموذجين ليس أخلاقيا فقط، بل أنطولوجي: هل الدولة كيان فوق الأفراد، أم أنها تتجسد فيهم؟

في النظم التي رسخت مؤسساتها، يفصل بين الشخص والمنصب الذي يسبق الشخص ويستمر بعده، أما حين ينظر إلى المنصب باعتباره مساحة ثقة شخصية، فإن هذا الفصل يضعف، ويصبح التداول مسألة إرادة لا قاعدة.

المرحلة الانتقالية بوصفها اختبارا أخلاقيا

المرحلة الانتقالية ليست فقط اختبارا أمنيا أو إداريا؛ إنها اختبار أخلاقي لفكرة الحكم ذاتها، هل ستبنى الدولة على فكرة المواطنة المتساوية، أم على شبكة ولاءات جديدة؟

في المراحل الانتقالية يبرز جدل مشروع حول دور الثقة الشخصية في إدارة الملفات الحساسة، مقابل تساؤلات موازية عن حدود هذه الثقة وعلاقتها ببناء نظام قائم على قواعد واضحة وآليات مساءلة مؤسسية، وإذا لم تطرح هذه الأسئلة مبكرا، فإن الإجابات تتأخر حتى تصبح مكلفة.

تصريحات حسن الدغيم لا تقدم برنامجا سياسيا متكاملا، لكنها تكشف تصورا واضحا: الحكم في لحظته الراهنة يقوم على الثقة أكثر مما يقوم على القاعدة، وهذا ليس تفصيلا عابرا، بل خيار فلسفي ضمني.

في لحظات إعادة التأسيس، تتحدد هوية الدولة عبر قرارات تبدو صغيرة، لكنها جميعا ترسم حدود العلاقة بين السلطة والمجتمع.

السؤال الذي سيبقى معلقا ليس ما إذا كان تعيين الأقارب قانونيا أو نافعا، بل ما إذا كانت سوريا القادمة ستعرف نفسها كدولة علاقات شخصية أم كدولة مؤسسات، وفي المسافة بين هذين التعريفين، يتحدد معنى الحكم ذاته.

الدولة: علاقة أم فكرة؟ • نسخة محدثة

الدولة كعلاقة أم كفكرة؟

فلسفة الحكم في تصريحات حسن الدغيم: قراءة في مفاهيم الثقة، المؤسسة، والمرحلة الانتقالية
“تعيين الأقارب ليس ممنوعاً حتى في الديمقراطيات الغربية، والمرحلة الانتقالية تحتاج إلى أشخاص موثوقين”

الجوهر · القشور

إشكالية المعيار
وصف الدغيم الجدل حول تعيين الأقارب بأنه “انشغال بالقشور”، فالجوهر عنده: الأمن، توحيد البلاد، تفكيك البنى المسلحة.
هرمية الأولويات وفق خطاب الدغيم
الجوهر (الأمن، توحيد البلاد، تفكيك البنى المسلحة) 85%
85%
القشور (آليات التعيين، الشكليات الإجرائية) 35%
35%
🧿 قراءة تحليلية: الفلسفة الحديثة ترى أن “الإجراءات” ليست شكلية، بل تعبير عن القيم العميقة للنظام: العدالة، المساواة، تكافؤ الفرص. ما يُسمى “قشوراً” هو في الحقيقة جوهر العدالة الإجرائية.
“فلسفة الحكم الحديثة ترى أن آلية التعيين ليست مسألة شكلية؛ إنها إعلان صامت عن مفهوم العدالة والمساواة.”
إجرائية قيم مؤسسية العدالة الجوهر

الدولة: كيان أم شبكة؟

أنطولوجيا السلطة
نموذجان متقابلان للحكم: الدولة كـعلاقة شخصية مقابل الدولة كـفكرة مجردة.
الثقة الشخصية ليست عرضاً جانبياً، بل حجر الأساس في النموذج الأول.

الشرعية

واقعية · معيارية
في السياقات الانتقالية، تتغلب الشرعية الواقعية (القدرة على فرض النظام) على الشرعية المعيارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *