عادة ما تقرأ تقارير لجان التحقيق الدولية ضمن إطار حقوقي ضيق من توثيق انتهاكات، وتوصيف قانوني للجرائم، وتوصيات بشأن المساءلة، غير أن التقرير الأخير للجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا يمكن قراءته بطريقة مختلفة تماما، فهو، رغم لغته القانونية، يقدم مادة ثرية لفهم التحولات الجيوسياسية التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب السورية الكبرى.
فالتقرير لا يوثق فقط موجات العنف في الساحل والسويداء أو الانتهاكات في أماكن الاحتجاز، بل يكشف أيضا عن بنية أعمق للعنف السوري؛ بنية تشكلت عند تقاطع ثلاثة مستويات من الصراع:
- الصراع الداخلي على إعادة تشكيل الدولة بعد الحرب.
- التنافس الإقليمي بين قوى الشرق الأوسط.
- التدخلات الدولية التي جعلت سوريا ساحة اختبار للتوازنات العالمية.
بهذا المعنى، فإن ما يرسمه التقرير ليس مجرد سجل للانتهاكات، بل صورة لبلد يقف عند نقطة التقاء بين أزمة دولة داخلية ونظام إقليمي مضطرب.
موجات العنف الداخلية: أعراض مرحلة انتقالية غير مكتملة
تشير الوقائع التي يوثقها التقرير إلى موجتين كبيرتين من العنف في عام 2025، الأولى في الساحل السوري والثانية في محافظة السويداء، وأسفرت الموجتان عن مقتل آلاف الأشخاص، بينهم مدنيون من خلفيات طائفية وقبلية مختلفة.
قراءة هذه الأحداث بوصفها مجرد انفجار أمني أو صراع محلي ستكون قاصرة، فالأنماط التي يوثقها التقرير، من الإعدامات الميدانية إلى التهجير ونهب الممتلكات، تشير إلى ظاهرة معروفة في دراسات النزاعات: العنف الذي يظهر في المراحل الانتقالية عندما تعيد الدولة تشكيل احتكارها للقوة.
في مثل هذه اللحظات الحساسة في سوريا، فإن سلسلة من ردود الفعل العنيفة غير المتكافئة، مع تتداخل الاعتبارات الأمنية وشبكات مسلحة محلية مرتبطة بالسلطة أو تعمل في محيطها، حولت مناطق بأكملها نحو موجة من أعمال الانتقام والعنف المتفرق، وبشكل خلف آثارا واسعة على النسيج الاجتماعي وكشف هشاشة الواقع وقدرة السلطات الجديدة على ضبط الإيقاع الأمني.
ما تشهده سوريا اليوم ليس حربا أهلية شاملة، ولكن أيضا ليس سلاما مستقرا.
السجون كمرآة لبنية السلطة
يخصص التقرير جزءا مهما للانتهاكات في أماكن الاحتجاز، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والتعذيب والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي.
هذه الممارسات تكتسب دلالة مختلفة في المرحلة الحالية، فالدول التي تخرج من الحروب تواجه دائما سؤالا محوريا: هل ستعيد إنتاج الأجهزة الأمنية القديمة أم ستعيد بناءها وفق قواعد جديدة؟
في كثير من التجارب التاريخية، من أميركا اللاتينية إلى أوروبا الشرقية، كان إصلاح القطاع الأمني أحد أصعب مراحل الانتقال السياسي، فالأجهزة الأمنية، بحكم طبيعتها، تميل إلى الحفاظ على ثقافتها المؤسسية حتى بعد تغير الأنظمة.
والتقرير يوحي بأن سوريا ما زالت في قلب هذه المعضلة؛ دولة لم تحسم بعد شكل العلاقة بين الأمن والقانون.
الولايات المتحدة وسوريا: إدارة الأزمة لا حلها
لا يمكن فهم السياق الذي يظهر فيه هذا التقرير دون النظر إلى الدور الأمريكي في المنطقة، فمنذ بداية النزاع السوري، اتبعت الولايات المتحدة سياسة يمكن وصفها بأنها إدارة للأزمة أكثر منها محاولة لحلها، فواشنطن لم تسعَ إلى إعادة تشكيل الدولة السورية بالكامل، لكنها في الوقت نفسه لم تسمح بعودة سوريا إلى وضعها السابق.
ومع ذلك، فإن المشهد الجيوسياسي المحيط بسوريا شهد تحولات لافتة، فجرى رفع الجزء الأكبر من منظومة العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة على البلاد، كما انتهى الوجود العسكري الأمريكي الذي استمر لسنوات في شمال شرق سوريا، وفي الوقت ذاته، اتخذت الإدارة الأمريكية الحالية موقفا داعما بصورة واضحة للحكومة الانتقالية، مقدمة لها غطاء سياسيا ودبلوماسيا في مرحلة إعادة ترتيب المشهد الداخلي، وهذه التطورات مجتمعة تشير إلى انتقال المقاربة الدولية تجاه سوريا من سياسة الاحتواء والضغط إلى مقاربة تقوم على ترتيب محور كامل في التوازنات الإقليمية.
هذا السياق لا يفسر الانتهاكات التي يوثقها التقرير، لكنه يساعد على فهم البيئة السياسية التي تجعل إعادة بناء الدولة أكثر تعقيدا.
“إسرائيل” وسوريا: استراتيجية الاحتواء بالقوة
عامل آخر لا يمكن تجاهله هو الدور “الإسرائيلي” في المعادلة السورية، فمنذ سنوات، تنفذ “إسرائيل” عمليات عسكرية متكررة داخل الأراضي السورية، بحجة منع ترسيخ الوجود العسكري الإيراني أو نقل أسلحة متطورة إلى حزب الله، هذه العمليات، التي غالبا ما تمر دون رد مباشر، أصبحت جزءا من معادلة الردع الإقليمية الأوسع بعد سقوط النظام السياسي السابق وحل الجيش السوري القديم.
وهذه الاستراتيجية لها أثر جانبي مهم، فهي تبقي سوريا في حالة توتر أمني دائم، حتى في الفترات التي تتراجع فيها العمليات القتالية الداخلية.
وبذلك تصبح سوريا، عمليا، ساحة مفتوحة للتوازنات الإقليمية، حيث تتقاطع المصالح الأمنية “الإسرائيلية” مع حسابات القوى الدولية والإقليمية.
الإقليم وسوريا: صراع النفوذ في دولة منهكة
إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، تلعب قوى إقليمية عدة دورا مهما في تشكيل المشهد السوري، من تركيا إلى بعض الدول العربية.
كل من هذه القوى ينظر إلى سوريا من زاوية مختلفة:
- تركيا تعتبر شمال سوريا منطقة حيوية لأمنها القومي.
- بعض الدول العربية تنظر إلى استقرار سوريا بوصفه عنصرا ضروريا لإعادة توازن النظام الإقليمي.
هذا التعدد في المصالح يجعل سوريا نقطة التقاء للتنافس الإقليمي، وفي مثل هذه البيئات، يصبح بناء دولة مستقرة أكثر صعوبة، لأن القرارات الداخلية غالبا ما تكون بإيحاءات خارجية.
سوريا والنظام الجيوسياسي الجديد في الشرق الأوسط
في العقد الماضي، شهد الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية عميقة، فتراجعت الحروب الكبرى بين الدول، لكنها استُبدلت بشبكة معقدة من النزاعات غير المباشرة.
سوريا كانت أحد أهم ميادين هذه التحولات، فالحرب السورية لم تكن مجرد نزاع داخلي، بل كانت أيضا مختبرا لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، واليوم، بعد انحسار العمليات العسكرية الكبرى، تدخل سوريا مرحلة جديدة من إعادة إدماجها تدريجيا في النظام الإقليمي خارج المحور الذي بقيت فيه لعقود بعيدا عن مسألة السلام مع “إسرائيل”.
التقرير الأممي يأتي في هذا السياق، ليذكر بأن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة نهاية آثارها السياسية والاجتماعية.
التحدي الأكبر: الانتقال من الاستقرار الأمني إلى الاستقرار السياسي
إذا كان هناك درس أساسي يمكن استخلاصه من التقرير، فهو أن الاستقرار الأمني لا يكفي وحده لإعادة بناء الدولة، فالتجارب الدولية تظهر أن الدول الخارجة من النزاعات تحتاج إلى أكثر من وقف إطلاق النار، فهي تحتاج إلى إعادة بناء المؤسسات، واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
في الحالة السورية، يبدو أن هذه العملية غير واضحة وخارج أولويات السلطات الجديدة، فبينما تراجعت المعارك الكبرى، ما تزال آثار الحرب الاجتماعية والسياسية والمؤسسية حاضرة بقوة.
ما يكشفه تقرير لجنة التحقيق الدولية ليس فقط حجم الانتهاكات التي وقعت خلال الفترة الأخيرة، بل أيضا تعقيد اللحظة التاريخية التي تمر بها سوريا، فالبلاد تقف اليوم بين احتمالين متناقضين: فإما أن تنجح في تحويل نهاية الحرب إلى بداية عملية إعادة بناء حقيقية للدولة، أو أن تبقى عالقة في حالة من الاستقرار الهش داخل نظام إقليمي مضطرب.
لن يتحدد مستقبل سوريا فقط داخل حدودها، بل في الطريقة التي سيتطور بها النظام الجيوسياسي في الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة، فالدول التي تقع عند تقاطع الصراعات الإقليمية لا يكفي أن تقف حروبها الداخلية؛ وخاصة اذا كان قرار انهاء الحرب هو قرار خارجي، وجلب جهة تابعة للقوى الاقليمية لتستلم الحكم، فليس سهلا عليها أن تجد موقعا مستقرا داخل توازنات المنطقة، وهذا التحدي، أكثر من أي شيء آخر، هو ما سيحدد شكل سوريا في العقد القادم.
استقرار أمني
وقف نار وتراجع المعارك الكبرى
استقرار سياسي
مؤسسات، ثقة، إصلاحات


من عمرهم مع الظالم وتدمير بلاد وحياة الشعوب الله على الظالم
من عمرهم مع الظالم وتدمير بلاد وحياة الشعوب الله على الظالم