الجيش السوري الجديد: قراءة جيوسياسية نقدية ومقارنة مع جيوش المنطقة

حين يُتداول حديث عن “جيش سوري جديد”، فإن المسألة لا تتعلق فقط بتسمية عسكرية أو بإعادة تنظيم تشكيلات مسلحة متفرقة ضمن هرمية إدارية مفترضة، فالقضية هي مسألة سلطة على المجال، فمن يسيطر على الأرض؟ ومن يربط بين المناطق؟ ومن يملك القدرة على تحويل الانتشار العسكري إلى سيادة سياسية؟ هنا تحديدا تبدأ القراءة الجيوسياسية الجادة، لأن الجيش ليس مجرد رجال وسلاح ورايات، بل قبل كل شيء أداة لفرض ترتيب معين على المكان.

في الحالة السورية، لا يمكن فهم أي حديث عن جيش جديد بمعزل عن الطبيعة المجزأة للمجال الوطني نفسه، فسوريا لم تعد ساحة واحدة تخضع لتراتبية سلطة موحدة، بل فضاء متعدد المستويات من مناطق نفوذ، وأحزمة أمنية، ومعابر، وجيوب عسكرية، وشبكات تمويل، وممرات تأثير خارجي.

ضمن الحالة السورية يصبح السؤال عن “جيش جديد” مرتبط بإمكانية توحيد فضاءات متنافرة قبل أن يكون سؤالا عن توحيد تشكيلات مسلحة، ومن يروج لفكرة الجيش الجديد يتعامل مع الجغرافيا كما لو أنها مجرد خريطة قابلة للتلوين، بينما هي في الحقيقة بنية معقدة من المصالح والارتباطات والقوى المتداخلة.

من التشكيل المسلح إلى المؤسسة: قفزة في اللغة أكثر منها في الواقع

تكمن أهمية السرديات المتداولة حول هذا الجيش المفترض في أنها لا تكتفي بوصف القوى الموجودة، بل تعيد تصنيفها، والفصائل، في هذه المقاربة، ترتب داخل بنية توحي بوجود جيش وطني في طور النشوء، وهذا الانتقال الاصطلاحي لا يحل المعضلة الأساسية، فهل يكفي جمع قوى متفرقة تحت اسم واحد لكي تتشكل مؤسسة عسكرية؟

من منظور جيوسياسي فإن المؤسسة العسكرية لا تُقاس بعدد الألوية أو بالألقاب أو بتوزيع الوظائف على الورق، بل بقدرتها على احتكار العنف ضمن مجال سياسي محدد، وعلى فرض سلسلة قيادة مستقرة، وعلى الاندراج في تصور سيادي للدولة، هذه العناصر غير متوافرة بعد بصورة متماسكة، فما يوجد أقرب إلى تركيب وظيفي لقوى محلية متفاوتة الولاء والتسليح والمرجعية، لا إلى جيش حديث يمتلك عقيدة موحدة.

التناقض الجوهري أن الخطاب السياسي يريد مؤسسة عسكرية، لكن البنية ما تزال فصائلية؛ ويشدد الخطاب على “جيش وطني”، لكن المجال الذي يتحرك فيه هذا الجيش موزع بين نفوذ داخلي وضغط خارجي؛ كما يريد تراتبية مركزية، لكن الواقع يستند إلى تعدد مراكز القرار، فـ”الجيش السوري الجديد” ليس معطى حقيقي، بل مشروع تسمية يحاول أن يسبق شروطه.

خرائط النفوذ قبل خرائط القيادة

كل جيش، في أحد أبعاده الأساسية، تعبير عن وحدة المجال السياسي الذي يتحرك فيه، وما يميز الحالة السورية هو أن خرائط النفوذ تسبق خرائط القيادة، فأي انتشار عسكري لا ينتج عن قرار سيادي واحد، بل عن تسويات محلية وإقليمية ودولية متراكبة، فالقوة التي تسعى إلى الظهور بوصفها “جيشاً جديدا” تجد نفسها محكومة لا فقط بقدرتها القتالية، بل أيضا بعلاقاتها مع القوى التي تنظّم المجال حولها فتركيا في الشمال، الولايات المتحدة في الشرق، روسيا في غرب البلاد ووسطها، وإسرائيل كفاعل أمني لا يمكن تجاهل أثره في الجنوب والعمق السوري.

تبدو فكرة الجيش الجديد، في كثير من الأحيان، أقرب إلى لغة سياسية تتجاوز إمكاناتها الميدانية، فالجيوش لا تقوم فقط على التجنيد والتدريب، بل على الاستقلال النسبي في القرار، وعلى قدرة وصل الأطراف بالمركز، أما حين تكون خطوط الحركة والتمويل والتسليح والغطاء السياسي مرتبطة بفاعلين خارجيين، فإن المؤسسة العسكرية تصبح جزءا من هندسة نفوذ أوسع، لا تعبيرا خالصاً عن سيادة وطنية.

المقارنة مع جيوش المنطقة: أين تكمن الفوارق البنيوية؟

المقارنة مع جيوش المنطقة تكشف حدود هذا الطرح بوضوح، فالجيوش النظامية في الشرق الأوسط، على تفاوت مستوياتها، تشترك في ثلاث خصائص رئيسية: أولا، الارتباط الصريح بالدولة، حتى حين تضعف الدولة أو تتآكل شرعيتها؛ ثانياً، وجود سلسلة قيادة معترف بها ومؤطرة قانونيا؛ ثالثاً، احتكار نسبي لوسائل الحرب النظامية.

الجيش المصري، على سبيل المثال، ليس مجرد قوة عسكرية ضخمة، بل مؤسسة دولة بالمعنى الحرفي تقريبا، حيث يمتلك عمقا بيروقراطيا، واقتصادا رديفا، ونظام تعليم عسكري، وشبكة مصالح تضمن استمراريته بوصفه أحد أعمدة النظام السياسي، وهذا ما كان عليه الجيش السوري قبل سقوط النظام.

الجيش التركي، رغم تعقيدات علاقته بالسلطة المدنية في العقود الأخيرة، يبقى مؤسسة مكتملة من حيث العقيدة، والتراتبية، والتصنيع العسكري، والقدرة على العمل ضمن فضاء وطني متماسك، فحتى الجيوش التي تعرضت لتصدعات عميقة، كحال الجيش العراقي بعد 2003، أعيد بناؤها ضمن إطار دولة واضح، ولو بقيت مثقلة بالانقسامات والاختراقات.

أما في الحالة السورية فالمشكلة ليست في ضعف الموارد فقط، بل في غياب الإطار الخاص بالدولة والمؤسسات، فلا توجد سلطة مركزية متفق عليها تعيد تعريف المجال كله، ولا منظومة قانونية موحدة تضبط العلاقة بين السلاح والسيادة، ولا جهاز إداري قادر على تحويل القوة المسلحة إلى مؤسسة عامة، فالمقارنة مع جيوش المنطقة لا ينبغي أن تقوم على الحجم أو التسليح أو العدد، بل على سؤال أكثر جذرية، فهل هذه القوة جزء من دولة، أم أنها تحاول اكتساب شرعية سياسية تمكنها لاحقا من تقديم نفسها بوصفها ممثلا للدولة؟

الجيش والعقيدة: ما الذي يوحّد القوة؟

الجيش الحديث لا يكتفي بالانضباط؛ إنه يقوم أيضاً على عقيدة، وهي ليست شعارا أيديولوجيا، بل تصور للدولة وللعدو وللوحدة الوطنية ولموقع السلاح داخل النظام السياسي، من هذه الزاوية، يبدو الحديث عن جيش جديد في سوريا محفوفا بإشكال عميق، فما هي العقيدة التي يمكن أن تجمع تشكيلات نشأت في بيئات أيديولوجية ومحلية مختلفة، وتحت رعاية متباينة، وفي سياقات حرب أهلية وإقليمية معقدة؟

هذا السؤال شديد الحساسية، لأنه يكشف أن الإشكال ليس تقنيا بل سياسيا، فالجيوش العربية، مهما كانت أزماتها، تمتلك عادة سردية تأسيسية واضحة، مثل حماية الدولة، والحدود، أو الأمة وفق خطاب قومي أو وطني، أما التشكيلات السورية فلا تزال محكومة بسرديات متنافسة محلية وفصائلية ودينية وثورية وأمنية، أو وظيفية، وبدون عقيدة جامعة، تبقى البنية العسكرية عرضة للتشظي مهما بدا هيكلها منظما.

الاقتصاد العسكري: الشرط الصامت لبقاء القوة

ثمة خطأ متكرر في كثير من السرديات السياسية، وهو التعامل مع الجيوش كما لو أنها كيانات رمزية أو تنظيمية فقط، لكن كل جيش هو أيضاً منظومة مالية ولوجستية من الرواتب والتموين وخطوط الإمداد والتسليح والنقل والصيانة وشبكات الولاء، وكلها عناصر تحدد ماهية المؤسسة أكثر مما تحددها البيانات المعلنة، وأي حديث عن “جيش جديد” في سوريا ينبغي أن يبدأ من سؤال التمويل والسيطرة على الموارد.

في جيوش المنطقة، تتولى الدولة، بدرجات مختلفة، تمويل المؤسسة العسكرية وربطها بالميزانية العامة أو بالاقتصاد الوطني، أما في البنى المسلحة السورية، فإن الاقتصاد العسكري كثيرا ما يتوزع بين داعم خارجي، ومورد محلي، ومعبر، وشبكات جباية ونفوذ، وهذا يعني أن السلاح لا يرتبط فقط بالأمر العسكري، بل بالبنية الاجتماعية والاقتصادية التي تعيد إنتاجه، فالمشكلة ليست فقط في توحيد البندقية، بل في توحيد الاقتصاد الذي يغذيها، وما دام هذا الاقتصاد موزعا ومفككا، فإن وحدة الجيش ستظل بدورها عرضة للانكسار.

بين الجيش والدولة: من يسبق من؟

السؤال الحاسم هل يمكن أن يتشكل جيش وطني قبل أن تتشكل سلطة سياسية ذات شرعية جامعة؟ التجارب الإقليمية تشير إلى أن الجواب معقد، لكنه يميل إلى النفي، ففي معظم الحالات، كان الجيش إما أداة الدولة في طور التكوين، أو الأداة التي استحوذت على الدولة بعد قيامها، أما أن يولد الجيش كبديل سابق للدولة، في سياق تعدد النفوذ والمرجعيات، فتلك معادلة شديدة الهشاشة.

من هنا فإن ما يتم تداوله عن “الجيش السوري الجديد” ينبغي أن يقرأ بوصفه مؤشرا على صراع على تعريف المستقبل السوري أكثر من كونه وصفا لمؤسسة مكتملة، فالمعركة الحقيقية ليست فقط حول من يملك السلاح، بل حول من يملك حق تسمية السلاح شرعيا ووطنيا، وهذه معركة سياسية وجيوسياسية في آن واحد، لأنها تتعلق بإعادة رسم العلاقة بين الأرض والسلطة والحدود والرعاية الخارجية.

جيش مؤجل داخل جغرافيا معلقة

لا تبدو المسألة في جيش جديد بقدر ما هي مجال سياسي لم يُحسم بعد، وما دام المجال السوري نفسه موزعا بين سلطات ومظلات ونطاقات تدخل، فإن أي مؤسسة عسكرية تدعي تمثيل “سوريا الجديدة” ستبقى محكومة بهذا التناقض البنيوي، فهي تريد لغة الدولة، لكنها تعمل في جغرافيا لم تستعد وحدتها؛ وتريد هيئة جيش، لكنها تقوم على مواد فصائلية؛ تريد شرعية وطنية، لكنها تتنفس داخل توازنات إقليمية ودولية متشابكة.

وعند المقارنة بجيوش المنطقة، يتضح أن الفارق ليس فقط في القوة أو العدد أو التجهيز، بل في العلاقة العضوية بين الجيش والدولة والمجال، فحيث توجد دولة، حتى لو كانت سلطوية أو مأزومة، يوجد جيش يمكن فهمه بوصفه ذراعها، أما حيث لا يزال المجال السياسي نفسه قيد النزاع، فإن الحديث عن جيش وطني يبقى، إلى حد بعيد، تعبيرا عن رغبة في اختصار المراحل، وهذا ما يجعل هذه السردية مثيرة للاهتمام، فلا تقول لنا فقط كيف يفكر مروجوها في القوة، بل كيف يريدون إعادة ترتيب سوريا ذاتها على الخريطة.

الرسم البياني التفاعلي: الجيش السوري الجديد – تحليل جيوسياسي

الجيش على خرائط متعددة: الجغرافيا السياسية لـ”الجيش السوري الجديد” ومأزق المقارنة مع جيوش المنطقة

قراءة جيوسياسية في فجوة اللغة والمؤسسة: من التشكيل المسلح إلى الدولة

معضلة التوحيد

3+
مناطق نفوذ رئيسية (شمال، شرق، غرب)
خرائط النفوذ تسبق خرائط القيادة — لا توجد سلسلة قيادة موحدة تعكس سيادة وطنية كاملة، فسوريا لم تعد ساحة واحدة بل فضاء متعدد المستويات.

الفجوة المؤسسية

مؤشرات مقارنة: الجيوش النظامية بالمنطقة vs البنى الفصائلية

شبكة الاعتماد الخارجي

التأثير الدولي والإقليمي على أي مشروع “جيش جديد”

المقارنة البنيوية: جيوش المنطقة مقابل “الجيش السوري الجديد”

عقيدة موحدة ارتباط بالدولة اقتصاد عسكري مركزي سيطرة على المجال
قراءة تحليلية: الجيوش النظامية في المنطقة (مصر، تركيا، العراق بعد 2003) تقوم على احتكار العنف وسلسلة قيادة مؤسسية. أما في سوريا، فالبنية العسكرية المقترحة تفتقر إلى الإطار الوطني الجامع، وتظل أسيرة الانقسام الفصائلي والتمويل الخارجي وغياب العقيدة الموحدة. الجيش في هذه الحالة ليس أداة دولة بل جزء من هندسة نفوذ أوسع.

ركائز العقيدة العسكرية

غياب سردية جامعة يعوق تحول التشكيلات إلى مؤسسة دائمة. الجيش الحديث لا يقوم فقط على الانضباط بل على عقيدة تحدد علاقته بالدولة والعدو.

الاقتصاد العسكري: التمويل والإمداد

تعدد مصادر التمويل (خارجي/محلي/معابر) يعيق المركزية المالية. الاقتصاد العسكري المفكك يحول دون تحول القوة إلى مؤسسة عامة.

الخلاصة الجيوسياسية: “الجيش السوري الجديد” ليس مؤسسة مكتملة بقدر ما هو سردية سياسية تحاول اختصار المراحل. المقارنة بجيوش المنطقة تكشف أن الفارق الجوهري يكمن في وجود إطار الدولة والمجال السياسي الموحد. فالجيش في الدول المجاورة (مصر، تركيا) يعبر عن سيادة راسخة حتى في لحظات الأزمات، بينما في سوريا لا تزال الجغرافيا السياسية معلقة بين قوى إقليمية ودولية، مما يجعل أي جيش وطني محتمل “مؤجلاً داخل جغرافيا لم تحسم بعد”. فالمعركة الحقيقية ليست حول من يملك السلاح بل حول من يملك حق تسمية السلاح شرعياً ووطنياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *