منزول آل السباعي في حمص: صراع الوقف الذري وسلطة الأوقاف يفتح ملف الملكيات التاريخية في سوريا

ليست قضية “منزول آل السباعي” في حمص مجرد نزاع عقاري بين عائلة تاريخية ومديرية الأوقاف، فهي اختبار لطبيعة الدولة السورية المعاصرة وكيف تنظر إلى التاريخ وتدير الميراث الاجتماعي؟ وما حدود سلطتها حين تصطدم بمؤسسات محلية عمرها قرون؟

في المدن العريقة، لا تكون الأبنية مجرد كتل حجرية، فهي مستودعات معنى، ومنزول آل السباعي، كما تقدمه العائلة، ليس مجرد بيت قديم أو وقف عائلي؛ إنه مؤسسة اجتماعية ممتدة في الزمن، وجزء من سيرة حي بني السباعي، ومن الذاكرة الحضرية لحمص القديمة.

محاولة انتزاعه من سياقه الأهلي لا تقرأ فقط باعتبارها إجراء إداريا، بل بوصفها إعادة تعريف قسرية للعلاقة بين المجتمع والدولة، وبين التاريخ والسلطة.

ما وراء النزاع على الملكية

من حيث الشكل، تبدو القضية واضحة، فالعائلة تقول إن “المنزول” وقف ذري يعود إلى أكثر من ثمانية قرون، وإنه وهب ليبقى إطارا خيريا واجتماعيا مرتبطا بالذرية وشروط الواقف، في المقابل، تصدر مديرية الأوقاف قرارا يفهم منه أن العقار يجب أن يوضع تحت يدها أو إدارتها، لكن هذا التوصيف القانوني لا يكفي وحده لفهم عمق المسألة.

في سوريا لا تتعلق النزاعات على الأوقاف بالنصوص الفقهية أو السجلات العقارية فقط، بل بموازين القوة أيضا، فمن يملك حق التفسير وسلطة التنفيذ؟ ومن يستطيع أن يفرض تعريفه لـ”المصلحة العامة”؟

هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس هل هذا العقار وقف ذري أم لا؟ بل من يملك الكلمة الأخيرة في تعريف الوقف نفسه؟

حين تكون الدولة قوية مؤسساتيا وعادلة إجرائيا، يصبح الاحتكام إلى القانون أمرا طبيعيا، أما حين تضعف الثقة بالمؤسسات، فإن كل قرار إداري يقرأ بوصفه تعبيرا عن تغول السلطة أكثر مما يقرأ كتطبيق لنص قانوني، لهذا لم تكتف عائلة السباعي بالاعتراض القانوني، بل ذهبت مباشرة إلى رفع السقف السياسي، مطالبة بتدخل رئاسة الجمهورية والحكومة؛ وهذ دليل على أن العائلة لا ترى في المسارات المعتادة ضمانة كافية، أو لا تثق بأن النزاع سيحسم فيها بحياد كامل.

الوقف الذري: من مؤسسة اجتماعية إلى عبء على المركزية

لفهم أعمق للنزاع، ينبغي التوقف عند معنى الوقف الذري نفسه، فتاريخيا، لم يكن هذا النوع من الأوقاف مجرد أداة لحفظ المال داخل العائلة، ففي كثير من الأحيان يجسد آلية اجتماعية لتنظيم التضامن الداخلي، وتأمين الاستمرارية، وربط المكان بالنسب وبالوظيفة الاجتماعية في آن واحد، فكانت الأوقاف الذرية جزءا من نسيج المدينة، لا مجرد ملكيات خاصة مقنعة بغطاء ديني.

لكن الدولة الحديثة، خصوصا في صيغتها البيروقراطية المركزية، لا ترتاح كثيرا لهذه الأشكال الوسيطة من التنظيم الاجتماعي، فتفضل كيانات واضحة التصنيف؛ ملكية خاصة خاضعة للقانون المدني، أو وقف عام خاضع للإدارة الرسمية.

الوقف الذري، بما يحمله من خصوصية تاريخية، وما يخلقه من مناطق رمادية بين الخاص والعام، فهو يربك هذه الرغبة في التصنيف الصارم، ومن هنا تبدأ المشكلة.

ليست المسألة مجرد خلاف على وثيقة أو سجل، إنها تعبير عن صدام بين منطقين: اجتماعي تاريخي يرى في “المنزول” استمرارا لعقد أهلي عمره قرون، وآخر إداري حديث يميل إلى ضم كل ما هو ملتبس أو غير خاضع تماما إلى سلطة المؤسسة الرسمية، وفي هذه المساحة تتولد معظم أزمات الذاكرة العمرانية في العالم العربي.

حمص القديمة: مدينة تدافع عما تبقى من ذاكرتها

لا يمكن فصل القضية عن المكان، حمص ليست مدينة عادية في الوجدان السوري الحديث، فهي دفعت ثمنا باهظا في الحرب، عمرانا وبشرا ونسيجا اجتماعيا، وأحياؤها القديمة ليست مجرد خرائط تراثية، بل مواقع جرح مفتوح، وأي نزاع على معلم تاريخي داخل هذه الأحياء يكتسب بطبيعته حساسية مضاعفة.

في المدن التي خرجت من الحروب، لا تكون معركة إعادة الإعمار تقنية فقط، بل على السردية أيضا؛ من يروي تاريخ المكان ويقرر ما الذي يجب أن يحفظ وما الذي يمكن الاستغناء عنه؟ وفي كثير من الأحيان، لا يجري تدمير الذاكرة دفعة واحدة، بل عبر سلسلة من القرارات الصغيرة التي تبدو قانونية ومنظمة ومحايدة، وبعد سنوات نكتشف أن ما تبقى من المدينة القديمة لم يعد يشبه نفسه.

من هذه الزاوية، يصبح دفاع آل السباعي عن المنزول” أكثر من حق عائلي، إنه دفاع عن فكرة أن بعض الأمكنة لا تدار بوصفها أصولا عقارية فقط، بل باعتبارها عقدا رمزيا بين الماضي والحاضر، وإذا صح أن العائلة تكفلت بترميمه وصيانته طوال عقود من دون دعم رسمي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس لماذا تتمسك به، بل لماذا لم تظهر المطالبة به إلا الآن بهذه الصيغة الحادة؟

الدولة بين الحماية والمصادرة

ثمة مفارقة تتكرر في كثير من الملفات السورية؛ الدولة تضع يدها على الشيء باسم حمايته، وهذا المنطق مشروعا من حيث المبدأ في بعض الحالات؛ لكن مشروعية المبدأ لا تكفي وحدها، فالسؤال الحاسم هل توجد شفافية وحيثيات معلنة؟ وهل ثمة قرار معلل، ووثائق منشورة، ولجنة مستقلة، ومسار تظلم فعلي؟

حين تغيب هذه العناصر، تتحول “الحماية” بسهولة إلى اسم آخر للمصادرة، ليس لأن الدولة بالضرورة سيئة النية في كل مرة، بل لأن انعدام الشفافية يجعل أي إجراء، مهما كان مبرره، موضع ريبة، وفي البيئات التي تراجعت فيها الثقة العامة، لا يعود الناس يطلبون فقط عدالة القرار، بل عدالة الطريقة أيضا.

قوة خطاب العائلة لا يستند فقط إلى التاريخ أو العاطفة، بل إلى فراغ رسمي في الشرح والإقناع، وإذا كانت الأوقاف واثقة من سلامة موقفها القانوني، فإن أكثر ما يخدمها ليس التشدد التنفيذي، بل الكشف العلني عن الوثائق والأسس الشرعية والقانونية التي بنت عليها قرارها، أما الغموض، فهو الرافعة الأولى لكل رواية مضادة.

ويبدو طلب العائلة التدخل الرئاسي مبالغا فيه للوهلة الأولى، لكن في بنية سياسية شديدة المركزية، يصبح هذا الطلب مفهوما، وإن كان كاشفا أكثر مما هو عملي، فيشي بأن العائلة لا ترى النزاع محليا مع مديرية، بل جزءا من خلل أوسع في تدرج العدالة الإدارية، فتلجأ إلى رأس الهرم لأن ثقتها بما دونه محدودة.

من يملك التاريخ؟

قضية منزول آل السباعي تطرح سؤالا أكبر من ملفها المباشر: هل التاريخ ملك للدولة لأنها الأقوى، أم ملك للمجتمع لأنه الأقدم عهدا به؟ التاريخ ليس ملكا حصريا فهو أمانة مشتركة، لكنها لا تدار بالغلبة بل بالتوازن والقانون، وبالاعتراف بأن بعض الأمكنة لا يمكن فصلها عن ناسها من دون أن تفقد جزءا من روحها.

ما يجري في حمص ليس مجرد نزاع على بناء أثري، فهو مشهد مصغر لسوريا كلها؛ بلد يحاول أن يعيد ترتيب سلطته، لكنه يكتشف في كل مرة أن السيطرة على الحاضر لا تمنح تلقائيا حق إعادة تعريف الماضي.

بين السلطة التي تريد التسلط على أملاك البلد بحجة الضبط، والعائلات التي تريد الحفاظ على إرث، يبقى السؤال معلقا، فهل نستطيع حماية التراث من الخراب من دون أن نحوله إلى مجرد ملف إداري بارد؟

في مثل هذه القضايا، لا يكفي أن يكون القرار قانونيا؛ يجب أن يكون مقنعا أيضا، لأن المدن القديمة لا تحكم بالنصوص وحدها، بل بما تبقى فيها من ثقة، وهذه هي المادة الأندر اليوم في سوريا.

الرسم البياني التفاعلي – منزول آل السباعي: صراع الذاكرة والسلطة في حمص

منزول آل السباعي في حمص

رسم بياني تفاعلي يلخص أبعاد الصراع بين الدولة والذاكرة والمجتمع
استناداً إلى التحليل الاستقصائي لـ “سؤال عن الدولة والذاكرة والحق”

تمرير الماوس أو اللمس على الأعمدة لقراءة التحليل المفصل لكل بُعد (القيم تقديرية تعكس حضور المحور في المقال)
جوهر التحليل: قضية “منزول آل السباعي” ليست نزاعاً عقارياً بل اختبار لطبيعة الدولة السورية. الرسم البياني يظهر أن التوتر بين المركزية الإدارية والنسيج الاجتماعي التاريخي وأزمة الثقة والشفافية هما الأكثر حضوراً، بينما يتوسط البعد القانوني الشكلي. المقال يخلص إلى أن حل الأزمة يحتاج ليس فقط إلى قرار قانوني، بل إلى قرار “مقنع” يعيد الاعتبار للذاكرة والشراكة في حماية التراث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *