سوريا في خطاب أحمد الشرع: من تعافٍ هشّ إلى إعادة تموضع جيوسياسي

في الندوة الحوارية التي عقدها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، لم يقدم تصورا إداريا فحسب لمستقبل سوريا، بل رسم ملامح رؤية سياسية كاملة لشكل الدولة المقبلة، ووظيفتها، وموقعها في الإقليم.

هذه الرؤية، عند تفكيكها، لا تقوم أساسا على المجتمع السوري بوصفه نقطة الانطلاق، بل على الجغرافيا السورية بوصفها أصل القيمة ومصدر الشرعية ومجال الصراع وإمكانات الاستثمار، فسوريا المتخيلة في كلام الشرع ليست أولا دولة مواطنين، بل دولة موقع؛ ليست كيان ينهض من الخراب، بل عقدة عبور بين الشرق والغرب، وممرا للطاقة، ومسرحا لإعادة توزيع النفوذ والمصالح.

هذا ليس تفصيلا بلاغيا، بل قلب التصور نفسه، فحين يكثر الحديث عن السواحل، والطاقة، والربط البري، والغاز، والإنترنت، وسلاسل التوريد، فإن صورة سوريا التي تتشكل لا تنبع من فكرة الدولة الوطنية، بل من وظيفة جيوسياسية وجيو-اقتصادية تتجاوز الداخل، فهل يتصور الشرع سوريا دولة مستقرة، أم منصة مستقرة بما يكفي لكي تعود إلى السوق الإقليمي والدولي؟ وهل يعيد بناء الوطن من الناس، أم يعيد تسويق الأرض بوصفها قيمة استراتيجية جاهزة للاستثمار؟

الجغرافيا بوصفها لغة السلطة الجديدة

الركيزة الأوضح في خطاب الشرع هي أن سوريا تستعيد قيمتها حين تستعيد موقعها، فلا يكتفي بالحديث عن إعادة الإعمار أو إنهاء الحرب، بل يكرر أن سوريا صارت فرصة استثمارية، وأن موقعها يربط الشرق بالغرب، وأنها مؤهلة لتكون عقدة لوجستية وطاقوية وتجارية، وهذه ليست مجرد مفردات تنموية، بل صياغة سياسية ترى أن الجغرافيا نفسها يمكن أن تنتج شرعية جديدة للسلطة.

في هذا التصور، تتحول سوريا من “عبء إقليمي” إلى “أصل استراتيجي”، لكن هذا التحول، على جاذبيته، يكشف أيضا عن انحياز بنيوي في الرؤية، فالقيمة لا تشتق من إعادة بناء العقد الاجتماعي، ولا من ترميم الثقة بين الدولة ومواطنيها، ولا من تأسيس عدالة انتقالية، بل من قدرة البلاد على أن تكون مفيدة للآخرين؛ للمستثمر، ولممرات الطاقة، ولحسابات الاستقرار الدولي، وكأن سوريا لا تستعيد مكانتها لأنها نجحت في حل تناقضاتها الداخلية، بل لأنها استعادت قابليتها للاستخدام الجيوسياسي.

وهذا جوهر الإشكال، فالدولة التي تعرف نفسها عبر موقعها أكثر مما تعرف نفسها عبر مجتمعها، تبقى معرضة لأن تختزل مرة أخرى إلى وظيفة، فالخطاب، وإن أراد تجاوز زمن الحرب، يعيد إنتاج منطق آخر لا يقل خطورة في تحويل سوريا إلى قيمة مكانية قبل أن تكون قيمة سياسية وإنسانية.

الأمن شرط لجعل المجال قابلا للاستثمار

حين يتحدث الشرع عن تجنيب سوريا الصراعات، وعن ضرورة الابتعاد عن الحروب، وعن الدفع نحو الاستقرار الإقليمي، فإنه يبدو كمن يعبر عن حكمة دولة خرجت من دمار طويل، ووراء هذه اللغة الهادئة يكمن معنى أخطر، فالأمن يطرح كمدخل ضروري لتأهيل الأرض السورية كي تعود مجالا للحركة الاقتصادية والربط الإقليمي.

يتحول الاستقرار من مطلب وطني إلى بنية تحتية جيوسياسية، السلام كشرط تشغيل، وكلما تقدم الخطاب في شرح “سوريا الجديدة”، بدا المعيار الضمني بجعل المجال السوري صالحا للعبور، وللاستثمار، ولتقاطعات الطاقة والاتصالات والتجارة.

هذه النقلة تكشف عن تصور للدولة الانتقالية بوصفها سلطة إدارة مساحة أكثر من كونها سلطة إعادة تأسيس جماعة سياسية، فالدولة، في هذا الفهم، مطالبة أولا بأن تضبط المجال، وتنهي التعدديات المسلحة، وتفتح الممرات، وتعيد الانتظام إلى الخريطة.

غير أن الخريطة، مهما كانت مهمة، لا تختصر البلد، فحين تختزل السياسة إلى إدارة مجال، يتراجع سؤال الناس: من يمثل؟ من ينصف؟ من يدمج؟ ومن يهمش تحت اسم الوحدة والاستقرار؟

سوريا المتخيلة عقدة إقليمية أكثر منها وطنا متنازعا على العدالة

في حديث الشرع عن الشرق السوري، وعن قسد، وعن خروج القوات الأجنبية، وعن وحدة الأراضي، تظهر الدولة بوصفها مركزا يعيد جمع الأطراف داخل حيز سيادي واحد.

هذه رؤية مفهومة في سياق بلد ممزق، لكنها في الوقت نفسه رؤية تختصر الأزمة السورية إلى مسألة تفتت في السيطرة أكثر مما تراها أزمة في التمثيل والعدالة والعلاقة بين المركز والأطراف.

يركز الخطاب على دمج القوى، وإنهاء الحالات الخاصة، واستعادة المجال الوطني، لكن دون أن يلقي أي عناية بتفصيل الشروط السياسية والاجتماعية لهذا الدمج، فلا يكفي، في بلد مثل سوريا، أن تعود الأرض إلى سلطة واحدة حتى يصبح البلد موحدا بالفعل، فالسيادة على الخريطة ليست هي نفسها السيادة على الاجماع الوطني، يمكن استعادة الحدود الإدارية، من دون استعادة الثقة، ويمكن توحيد القرار العسكري، من دون حل المظالم التي سمحت أصلا بتفتت المجال.

تبدو رؤية الشرع لسوريا شديدة التركيز على المساحة وعلى ضبطها، لكن لا تفصيلات في سؤال كيف ستعاد صياغة العلاقة بين هذه المساحة ومن يسكنها؟ فالخطاب يطرح تصورا واضحا للمجال، لكنه لا يملك بالوضوح نفسه تصورا مكتملا للمجتمع.

الجولان والسيادة… ثبات المبدأ ومرونة الخرائط

في ملف الجولان، يعتمد الشرع خطابا مزدوجا؛ تمسك كامل بالحق السوري، وفتح متدرج لمسار تفاوضي أمني وسياسي، فالجولان أرض سورية، والاعتراف بضمها باطل، لكن من ناحية الآلية، تظهر واقعية شديدة تراهن على الترتيبات الأمنية، وعلى العودة إلى خطوط واتفاقات، وعلى إدارة النزاع ضمن مراحل طويلة.

فالجولان لا يظهر في الخطاب بوصفه رمزا وطنيا مجردا، بل جزءا من هندسة أوسع للأمن والمجال، فالأرض تقرأ في الوقت نفسه بوصفها حقا سياديا وبوصفها جزءا من توازنات إقليمية قابلة للتفاوض، وهذا يعكس تصورا لسوريا لا يفصل بين التراب الوطني وبين خرائط القوة التي تحيط به.

هذه المقاربة تجعل السيادة مرتبطة بقدرة السلطة على إدارة التوازنات أكثر من ارتباطها بتعبئة داخلية حول مشروع وطني جامع، فالحق يبقى ثابتا لفظيا، لكن وسيلة استعادته تدرج في منطق إدارة المجال الإقليمي، وهنا يعود السؤال نفسه، فهل تبنى سوريا القادمة بوصفها دولة تحسن التفاوض على خرائطها، أم دولة تعيد تعريف نفسها من داخلها أولا؟

إعادة الإعمار… اقتصاد مكان لا اقتصاد عدالة

يقدم الشرع إعادة الإعمار من زاوية الاستثمار لا من زاوية المساعدة، وهذا الخيار لا يحمل أي قدرا من الكرامة السياسية؛ أي منطقا يرفض اختزال سوريا إلى متلق للمنح المشروطة، ويفضل أن يقدمها كبيئة تستقطب رأس المال، لكن هذا الاختيار يقول أيضا بأن إعادة بناء سوريا تتصور أساسا بوصفها إعادة تشغيل للمكان، لا كعملية اجتماعية وسياسية لإصلاح ما حطمته الحرب في البشر والعلاقات والمؤسسات.

التركيز على تعديل قوانين الاستثمار، وخلق بيئة مناسبة، وتحويل البلاد إلى منصة عبور وتصدير، يوحي بأن الاقتصاد المنشود هو تموضع لا اقتصاد إنصاف، ويستمد ديناميكيته من الجغرافيا، لا من إعادة توزيع عادلة للموارد والفرص بين السوريين.

الخطر هنا أن الدول الخارجة من الحروب لا يكفيها أن تجذب الاستثمارات؛ بل تحتاج أيضا إلى إجابة عن سؤال من سيستفيد؟ وأي مناطق ستدمج؟ وأي فئات ستبقى خارج الدورة الجديدة؟

من دون هذا البعد تتحول إعادة الإعمار إلى عملية تحديث انتقائي؛ مرافئ وممرات واتفاقات وربط إقليمي، يقابلها بطء شديد في إعادة بناء السياسة من أسفل، فسوريا ربما تستعيد دورها كممر، من دون أن تستعيد توازنها كوطن.

أين المجتمع في هذه الرؤية؟

هذا هو السؤال الأشد إلحاحا في خطاب الشرع، فالرؤية التي يطرحها متماسكة نسبيا من حيث تصورها للموقع السوري، ولدور الدولة في ضبط المجال، وللاقتصاد بوصفه امتدادا للجغرافيا، لكنها أقل تماسكا حين نبحث عن المجتمع داخلها؛ أين التعددية الاجتماعية في العقد السياسي بين المكونات العدالة الانتقالية؟ وأين إعادة تعريف علاقة الدولة بالمناطق التي عاشت تجارب حكم مختلفة وسؤال اللامساواة التي عمقتها الحرب؟

في الخطاب حضور قوي لـ”سوريا” بوصفها مساحة تاريخية واستراتيجية، لكن حضور “السوريين” بوصفهم جماعات ومصالح وذاكرات متعارضة غائب تماما.

هذا ليس نقصا عابرا، بل كاشفا لطبيعة الرؤية ذاتها التي تعتمد إعادة ترتيب المكان فتنتج تلقائيا إعادة ترتيب الاجتماع، غير أن التجارب الحديثة تقول العكس، المجال يضبط، لكن المجتمع يبقى مفككا؛ الخريطة قد تتوحد، لكن الولاءات والذاكرات والمظالم تستمر تحت السطح.

ينقل خطاب الشرع تصورا واضحا لشكل سوريا التي يريدها حيث تقاس قيمتها بما تتيحه من عبور وربط واستقرار، لا بما تمثله من هوية أو تاريخ أو عقد اجتماعي.

وهذا التصور ناقصا من زاوية أساسية، فهو شديد التركيز على الأرض، ويهمل التفاوتات التي تمزق من يعيشون فوقها، فيرى سوريا بوصفها مساحة ينبغي استعادتها وتشغيلها، لكنه لا يجيب عن سؤال كيف ستبنى جماعة وطنية عادلة داخل هذه المساحة، ولذلك يمكن القول إن الشرع يملك، في هذا الخطاب، تصورا عن أين تقع سوريا في الإقليم، لكنه لا يقدم تصورا مقنعا عن كيف سيعيش السوريون فيها بعد الحرب.

إنه يعد بسوريا ذات موقع كبير، لكنه لم يبرهن على أنه يملك مشروعا لسوريا ذات مجتمع متصالح، واحد مصلحته فوق كل مصلحة، وحقوقه متساوية.

الرسم البياني التفاعلي: تحليل خطاب الرئيس الشرع – سوريا بين الجغرافيا والمجتمع

سوريا بين الجغرافيا والمجتمع

مخطط تفاعلي يقيم محاور خطاب الرئيس الانتقالي أحمد الشرع (منتدى أنطاليا 17 نيسان 2026)
بناءً على التحليل الاستقصائي لمقال “من تعاف هش إلى إعادة تموضع جيوسياسي”

درجة التركيز / الأولوية في الرؤية (كلما زادت النسبة، زاد حضور المحور في الخطاب)
تمرير الماوس أو اللمس على نقاط الرسم البياني لعرض التقييم والتحليل المفصل
خلاصة تحليلية من المقال: رؤية الرئيس الشرع تركّز بقوة على الجغرافيا كأصل استراتيجي (موقع، ممرات طاقة، استثمارات، عقدة لوجستية) وعلى ضبط المجال والأمن كشرط لتشغيل الاقتصاد. في المقابل، تظهر أولوية المجتمع والعدالة الانتقالية والمصالحة الداخلية بشكل ضعيف. كما أن رؤية إعادة الإعمار تميل إلى اقتصاد المكان وليس اقتصاد الإنصاف. المخطط أعلاه يترجم هذه القراءة بصرياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *