في سوريا، لا تكمن أهمية التصريحات الاقتصادية الرسمية فيما تقوله فقط، بل فيما تختار ألا تقوله، فحين تتكثف اللغة الإصلاحية وتغيب المؤشرات الكمية، يصبح الخطاب نفسه أداة لإعادة تشكيل الانطباع أكثر منه مرآة دقيقة للواقع.
خلال نيسان 2026، برز تحول لافت في النبرة الاقتصادية الرسمية، فلم يعد الحديث مقتصرا على إدارة الضغوط اليومية أو تبرير الاختلالات، بل اتجه نحو مفردات أوسع مثل الإصلاح، والتحول، والتحديث، وإعادة الاندماج في النظام المالي العالمي؛ من دون أن يواكب ذلك عرض مواز للأرقام التي تسمح بقياس هذا التحول.
هذه اللغة تعكس محاولة لإعادة تعريف موقع الاقتصاد السوري في المخيال الرسمي من اقتصاد محاصر ومنهك وممزق البنية، إلى اقتصاد يراد له أن يظهر بوصفه قيد إعادة البناء المؤسسي، وقابلا، ولو تدريجيا، لاستعادة بعض صلاته بالبيئة المالية الإقليمية والدولية.
هذه المحاولة تصطدم بسؤال أكثر جوهرية، فهل نحن أمام تحول فعلي في السياسات، أم إعادة صياغة للسردية الاقتصادية من دون تقديم الأدلة الكمية التي تسمح بقياس صدقيتها؟
وزير المالية: خطاب التحول والانفتاح من دون جهاز قياس
في تصريحات وزير المالية السوري خلال نيسان 2026، برزت مجموعة من الرسائل الواضحة التي يمكن جمعها تحت عنوان واحد: الدولة تريد أن تقول إنها انتقلت من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، فتحدث عن برنامج تحول اقتصادي متعدد السنوات، وأشار إلى مؤشرات أولية على تحسن الأداء المالي، كما ركز على تحديث القطاع المصرفي وعلى العمل من أجل إعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي.
حين يتحدث وزير المالية عن “تحول اقتصادي متعدد السنوات” فإنه يبعث رسالة بأن الحكومة لم تعد ترى أزمتها بمنظار التدبير المؤقت، بل بمنظار إعادة الهيكلة، وحين يشير إلى “مؤشرات أولية لتحسن الأداء المالي”، فإنه يحاول تأسيس انطباع بأن شيئا ما بدأ يتحرك في الاتجاه الصحيح، وحين يربط ذلك بتحديث القطاع المصرفي والانفتاح على المؤسسات الدولية، فإنه يضع الإصلاح في إطار يتجاوز الشأن المحلي إلى محاولة استعادة الشرعية الاقتصادية في الخارج.
القوة الإيحائية لهذا الخطاب تترافق مع ضعف واضح في مادته الصلبة، فالوزير، بحسب ما ظهر في مجمل تصريحاته، تحدث عن المسار أكثر مما تحدث عن مكوناته، ولم يقدم أرقاما دقيقة حول العجز، ولا مستويات الإيرادات والنفقات، ولا نسب النمو، ولا تقديرات التضخم، ولا صورة واضحة عن حجم الدين أو أولويات الإنفاق، فخطابه بقي في مساحة الوعد والتوجيه السياسي دون الإفصاح المالي القابل للفحص.
في الاقتصادات السليمة نسبيا، يمكن للخطاب العام أن يكتفي بالإشارة إلى الاتجاهات لأن المؤسسات والأرقام متاحة أصلا، أما في اقتصاد يعاني اهتزازات عميقة في الثقة والبنية والإحصاء، فإن غياب الأرقام يتحول إلى جزء من المشكلة، فالإصلاح الذي لا يقترن بمؤشرات معلنة يظل أقرب إلى نية سياسية منه إلى برنامج اقتصادي مكتمل المعالم.
حاكم المصرف المركزي: بوابة مصرفية إلى الخارج أم إشارة سياسية أكثر منها مالية؟
إذا كان وزير المالية ركز على خطاب التحول الهيكلي، فإن حاكم مصرف سوريا المركزي قدم إشارة بدت أكثر تحديدا من الناحية الإجرائية، تمثلت في الحديث عن العمل على إنشاء حساب مراسل مصرفي مع البنك المركزي التركي، وهذه النقطة، وإن بدت فنية للوهلة الأولى، تحمل دلالات أوسع بكثير من حدودها التقنية.
في السياقات الطبيعية فإن يكون فتح حساب مراسل مصرفي هو مجرد خطوة تشغيلية، أما في الحالة السورية، فإن مجرد الحديث عن علاقة مراسلة مع مؤسسة نقدية خارجية يعني أن هناك محاولة للخروج جزئيا من الاختناق المصرفي، ولإعادة فتح قنوات يمكن أن تؤثر في التحويلات والتسويات والعلاقات المصرفية الإقليمية.
هذا التصريح لا يتصل فقط بالتعاملات المالية، بل برسالة سياسية مفادها أن النظام المصرفي السوري يسعى إلى استعادة حد أدنى من الاتصال المنظم بالخارج.
لكن، كما في خطاب وزارة المالية، يظهر هنا التناقض ذاته بين أهمية العنوان وضآلة التفاصيل، فلم تطرح أرقام عن حجم العمليات المتوقعة، ولا عن الأثر المحتمل على التحويلات، ولا عن انعكاس هذه الخطوة على سعر الصرف أو السيولة أو كلفة التعاملات، ولم يصدر ما يسمح بتقدير ما إذا كانت هذه الخطوة تأسيسية فعلا، أم أنها ما زالت في طور الاختبار السياسي والمالي.
تنسيق واضح بين الوزيرين… ورسالة واحدة بلغتين
عند جمع تصريحات وزير المالية وحاكم المصرف المركزي، يتضح أن هناك تنسيق ظاهر في الرسالة الاقتصادية الرسمية، فالوزير يتحدث عن التحول والإصلاح والانفتاح وإعادة الدمج في النظام المالي العالمي، والحاكم عن خطوة مصرفية خارجية تحمل معنى الاندماج التدريجي في الشبكات الإقليمية، وبين الاثنين، تتشكل رواية تقول إن سوريا تحاول أن تعيد تقديم نفسها ماليا ونقديا لا بوصفها حالة طارئة ، بل دولة تسعى إلى استعادة وظائفها المؤسسية.
يكشف هذا التوازي عن جهد لتوحيد النبرة، وربط المالية العامة بالإصلاح المصرفي، والداخل بالمؤسسات الدولية، والخطاب المحلي بإشارات موجهة إلى الخارج، لكن هذا التنسيق يكشف أيضا حدود المقاربة، فالوحدة هنا قائمة في اللغة، لا في الشفافية، الرسالة متماسكة من حيث الشكل، لكنها تظل فقيرة من حيث المعطيات التي تمكن المراقب من التحقق من مضمونها.
ما الذي يقوله غياب الأرقام؟
أكثر ما يلفت في تصريحات الجانبين خلوها من المؤشرات، فلا الوزير قدم تفصيلات كمية عن “تحسن الأداء المالي”، ولا الحاكم أرفق مبادرته المصرفية بأرقام تسمح بفهم نطاقها وآثارها، وهذا الغياب يمكن قراءته على أكثر من مستوى:
- فهو أولا يعكس حساسية سياسية واقتصادية عالية تجاه الأرقام، حيث يمكن لبعض الأرقام أن تكون مزعجة أكثر من الصمت نفسه من عجز مرتفع، واحتياطي ضعيف، وتضخم متفاقم، أو فجوة كبيرة بين السعر الرسمي وسعر السوق، فمثل هذه المعطيات تقوض أثر أي خطاب يهدف إلى بث الثقة.
- هذا الغياب يعبر عن ضعف البنية الإحصائية نفسها، فالإعلان عن الأرقام لا يحتاج فقط إلى قرار سياسي، بل إلى جهاز قادر على إنتاج بيانات حديثة ومتسقة وموثوقة، وفي الاقتصاد السوري لا يمكن افتراض أن هذا الجهاز يعمل بالكفاءة المطلوبة.
- الأمر الثالث أن عدم الإفصاح مؤشر على استراتيجية متعمدة عنوانها تسويق الاتجاه قبل تسليم الأرقام، وتقديم رؤية عامة عن الإصلاح والانفتاح، ريثما تتضح معالم الترتيبات السياسية والمالية الأوسع، وهذه الاستراتيجية، تبقى عالية الكلفة من منظور الثقة العامة، فالثقة لا تبنى بالإيحاءات وحدها، بل بالتزام قابل للقياس.
إصلاح لمن؟ والسؤال الاجتماعي الغائب
المفارقة الأهم في هذا الخطاب أنه يركز على البنية المؤسسية للاقتصاد أكثر مما يركز على بنيته الاجتماعية، وزير المالية تحدث عن التحول والانفتاح والتحديث، والحاكم تحدث عن قنوات مصرفية خارجية، لكن أين يظهر المواطن في هذا المشهد؟ أين الأجور، والأسعار، والقدرة الشرائية، والفقر، وتكلفة المعيشة، وأثر أي إصلاح مالي أو نقدي على الشرائح الأكثر هشاشة؟
فالإصلاح الاقتصادي في سوريا لا يقاس فقط بقدرته على استعادة علاقات مالية خارجية أو تحسين صورة الدولة لدى المؤسسات الدولية، بل بقدرته على إعادة توزيع الأعباء بصورة أكثر عدلا، وعلى تخفيف الاختناق عن الاقتصاد الحقيقي لا عن هياكله الرسمية فحسب.
من دون إدخال هذا البعد الاجتماعي في صلب الخطاب، يبقى الإصلاح معرضا لأن يقرأ كمشروع لإعادة انتظام الدولة ماليا، لا كمشروع لإعادة بناء العقد الاقتصادي بين الدولة والمجتمع.
ما تكشفه تصريحات وزير المالية وحاكم مصرف سوريا المركزي أن الخطاب الاقتصادي الرسمي بات أكثر طموحا واتساعا، لكن المشكلة تبدأ عند النقطة التي يفترض أن يبدأ منها اليقين، فمن دون الأرقام، تبقى التحسينات المعلنة بلا مقياس، والوعود بلا تكلفة ظاهرة، والخطوات المصرفية بلا تقدير موضوعي لأثرها، فما يلزم هو أن تتحول هذه اللغة إلى التزامات قابلة للقياس، وأن يدرج الإنسان السوري نفسه، لا المؤشرات المؤسسية وحدها، في قلب السردية الاقتصادية المقبلة.
بين خطاب الإصلاح وغياب الأرقام
تحليل تصريحات وزير المالية وحاكم مصرف سوريا المركزي – نيسان 2026
وزير المالية
برنامج تحول اقتصادي متعدد السنوات، مؤشرات أولية لتحسن الأداء المالي، تحديث القطاع المصرفي، إعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي.
حاكم مصرف سوريا المركزي
العمل على إنشاء حساب مراسل مصرفي مع البنك المركزي التركي – خطوة مصرفية خارجية ملموسة.
السؤال الاجتماعي الغائب
أين المواطن؟ لا ذكر للأجور، الأسعار، القدرة الشرائية، الفقر، توزيع الأعباء. الإصلاح يركز على البنية المؤسسية وليس العقد الاجتماعي.

