في البلدان المستقرة، تكون الجنسية نقطة البداية؛ رابطة قانونية وسياسية وأخلاقية بين الفرد والدولة، أما في البلدان التي خرجت من الحرب مثقلة بالأمن والشكوك والولاءات المتنازعة، فإن الجنسية تتحول من حق تأسيسي إلى موضوع قلق جماعي، ومن رابطة ثابتة إلى أداة تهديد رمزية.
من هذه الزاوية اكتسبت الرواية المتداولة عن “سحب الجنسية السورية” القوة الاستثنائية في الانتشار، لأنها لامست خوفا قديما، لا لأنها استندت إلى نص موثق.
مشكلة في الأصل — تصريح غير موجود
المشكلة الأولى في هذه القضية ليست في التصريح نفسه، بل في غيابه، فلم يظهر نص رسمي موثق عن وزير الداخلية السوري يتضمن الإعلان المتداول بشأن البدء بسحب الجنسية من فئات واسعة من السوريين أو المجنسين أو المستثمرين.
التدقيق المتاح يشير إلى أن الرواية انتشرت في الأصل منسوبة إلى وزير الخارجية أسعد الشيباني، قبل أن يعاد خلطها لاحقا باسم وزير الداخلية أنس خطاب في بعض الصفحات، فبعض المنصات المتخصصة في التحقق وصفت الادعاء بأنه غير صحيح، بعد مراجعة المصادر الرسمية دون العثور على التصريح المتداول.
في المجال العام السوري، لا تعيش الشائعة لأنها دقيقة، بل لأنها معقولة نفسيا، فالناس لا تسأل هل قيل هذا فعلا؟ بل ترجع لوعيها العميق ويصبح السؤال هل يمكن أن يقال؟ وعندما يتعلق الأمر بالجنسية، فإن الجواب، في المخيال العام المرهق، يكون غالبا نعم يمكن أن يقال، بل ويمكن أن يحدث، من هنا تنبع قوة الشائعة من خلال تاريخ القابلية لتصديقها.
التوقيت والسياق — مفارقة المنح والسحب
التوقيت التي ظهر فيها “الخبر” يزيدها قابلية للانتشار، ففي مطلع أبريل 2026، أعلنت وزارة الداخلية السورية رسميا بدء استقبال طلبات الحصول على الجنسية السورية للمشمولين بالمرسوم رقم 13 لعام 2026، في سياق منح الجنسية لفئات من أبناء المكون الكردي.
هنا تبرز المفارقة، فالدولة التي كانت تعلن، في موادها الرسمية، عن منح الجنسية لفئات جديدة، تم اتهامها في الفضاء الرقمي نفسه بأنها تستعد لـسحبها من فئات أخرى، وتكشف هذه مفارقة أمرين معا؛ ضعف الثقة بين الجمهور والمؤسسات، وقوة البيئة الرقمية في إعادة تشكيل معنى الحدث على نحو يناقضه بالكامل، فالمسألة لم تعد ماذا قالت الدولة، بل ماذا يصدق الناس أنها قادرة على قوله.
القانون مقابل الشائعة
لا ينبغي أن تقودنا النتيجة السابقة إلى التهوين من الموضوع، فكون الرواية شائعة لا يعني أن المخاوف التي غذتها وهمية، فالقانون السوري للجنسية له تاريخه الخاص يمنح الدولة، في بعض الحالات، سلطة واسعة نسبيا في مسائل الفقد أو الإسقاط أو التخلي أو آثار التجنس، وفق المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969 وما تلاه من تنظيمات مرتبطة به.
المجال القانوني ليس بريئا بالكامل من منطق السيادة الثقيلة على مسألة الانتماء الوطني، غير أن هذا شيء، والادعاء المتداول عن “قانون جديد” يبدأ العمل به “مطلع العام القادم”، ويستهدف فئات واسعة على نحو شامل وفضفاض، شيء آخر لا تسنده وثيقة رسمية منشورة حتى الآن.
لغة الذعر — كيف صيغت الرواية؟
ما يهم ليس فقط تكذيب الادعاء، بل فهم لغته، فالنص المتداول، بصيغته التي أعيد تدويرها، كتب بلغة تؤدي وظيفة سياسية ونفسية معا، فلا يتحدث عن حالات قانونية محددة، بل عن كتل بشرية واسعة؛ مغتربون، ومجنسون، ومستثمرون وأجانب، ولا يستخدم مفردات تقنية مضبوطة، بل عبارات مشحونة مثل “سحب الجنسية” و”سيبدأ العمل” و”الفئات المشمولة”.
هذه ليست لغة بيان رسمي محكم، بل مصممة لإنتاج الذعر، لأنها تنقل الجنسية من كونها وضعا قانونيا مستقرا إلى كونها امتيازا هشا يمكن انتزاعه بقرار سيادي مبهم.
الأثر النفسي والسياسي
تكمن خطورة هذا النوع من النصوص في عدم اكتفائها بتضليل الناس حول واقعة بعينها، بل تعيد تعريف علاقتهم بالدولة، فحين تنتشر رواية من هذا النوع، يصبح المواطن أو المغترب أو اللاجئ في موقع من يفاوض باستمرار على أهليته الوطنية، ولا يعود يسأل عن حقوقه، بل عن شروط بقائه داخل تعريف “السوري”، وهذه نقلة نفسية مدمرة؛ لأنها تحول الوطن من إطار جامع إلى سلطة فرز.
الأمر اللافت أيضا أن هذا النمط ليس جديدا تماما، ففي أيلول 2015، اضطرت وكالة “سانا” إلى نفي شائعات مشابهة عن سحب الجنسية أو مصادرة أملاك السوريين المهاجرين، فهو ملف دوري الظهور، يعود كلما توافرت ثلاثة شروط؛ سلطة ذات سمعة أمنية ثقيلة، مجتمع واسع الاغتراب والتهجير، وفضاء إعلامي هش التحقق وسريع الانفعال.
ما وراء الشائعة — أزمة ثقة
من الخطأ قراءة القضية بوصفها مجرد “فبركة فيسبوكية”، الشائعة هنا ليست هامشا على السياسة، بل مرآة لها فتكشف أن فكرة المواطنة في سوريا ما زالت غير محصنة بالكامل ضد منطق الاشتباه، كما تكشف أن الدولة، حتى عندما لا تقل شيئا من هذا النوع، لا تملك بعد رصيد الثقة الكافي ليستقبل صمتها بوصفه تطمينا.
وربما يكون الدرس الأهم في هذه الواقعة أن الشائعات الأكثر رواجا ليست تلك التي تختلق واقعا من عدم، بل التي تستثمر في جرح قديم.
شائعة “سحب الجنسية” لم تنتشر لأنها ذكية من الناحية الإعلامية، بل لأنها خاطبت قلقا متجذرا لدى السوريين في الداخل والخارج من قلق الانتماء المشروط، وهذا ما يجعل مواجهتها مسؤولية تتجاوز “التحقق” إلى ترميم الثقة العامة نفسها.
لا تبدو القضية تصريح مضلل فقط، بل عقد سياسي هش، فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على منح الجنسية أو تنظيمها، بل على جعل المواطن مطمئنا إلى أن هويته القانونية ليست رهينة المزاج السياسي ولا الشائعة الإلكترونية، وعندما تصبح شائعة قابلة للتصديق على نطاق واسع، فإن المشكلة لا تكون في الأكاذيب وحدها، بل في التربة التي تسمح لها بأن تبدو منطقية.
القصة ليست أن وزيرا قال ما لم يقله، بل أن مجتمعا كاملا كان مستعدا لأن يصدق أن ذلك ممكن.
الجنسية كأداة خوف
تفكيك شائعة سحب الجنسية السورية
التصريح غير موجود
لم يصدر أي بيان رسمي عن وزير الداخلية أو وزير الخارجية يتضمن البدء بسحب الجنسية من فئات واسعة. التدقيق يشير إلى رواية مختلقة أعيد تداولها.
مفارقة المنح والسحب
في مطلع أبريل 2026، أعلنت وزارة الداخلية رسمياً بدء استقبال طلبات الجنسية للمشمولين بالمرسوم 13 (منح الجنسية لفئات من أبناء المكون الكردي).
لغة الذعر
النص المتداول يستخدم “كتل بشرية واسعة” (مغتربون، مجنسون، مستثمرون، أجانب) وعبارات مشحونة: “سحب الجنسية”، “سيبدأ العمل”. ليست لغة بيان رسمي بل مصممة لإنتاج الخوف.
أزمة ثقة
الشائعة ليست مجرد فبركة، بل مرآة لهشاشة العقد السياسي. المجتمع كان مستعداً لتصديق أن الجنسية يمكن سحبها بقرار مبهم، وهذا يكشف جرحاً قديماً.

