في سوريا لم يعد خطاب الكراهية انفعالا لغويا عابرا، بل ممارسة اجتماعية وسياسية قابلة لإنتاج الوقائع.
الكلمة هنا لا تكتفي بوصف العنف؛ إنها تمهد له، وتعيد ترتيبه أخلاقيا، وتمنحه جمهورا وهوية وذريعة، وتحليل خطبة الجمعة التي ألقاها الدكتور علاء الدين السايق في جامع الإيمان يوم 1 أيار 2026، بما حشدته من عبارات من قبيل “لسنا كهيئتكم” و“لا ننسجم معكم”، و”العفن النجس” و”دماء الشهداء تلعنكم” لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الاستنكار الأخلاقي، على وجاهته، بل أن يتجاوزه إلى سؤال أعمق، فكيف تصنع صورة الجماعة في الخطاب؟ وكيف ينقل الجرم من فاعله الفردي أو شبكته المباشرة إلى هوية مذهبية كاملة؟ وكيف يعاد إنتاج الخوف بوصفه “معرفة عامة” قابلة للتداول والتصديق والتحريض؟
وفق تعريف الأمم المتحدة، يشمل خطاب الكراهية كل تواصل يهاجم فردا أو جماعة، أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية بحقهم، على أساس الدين أو العرق أو الجنسية أو اللون أو النسب أو الجندر أو أي عامل هوية آخر.
هذا التعريف مهم في الحالة السورية لأنه يفرق بين نقد الجريمة أو المطالبة بالعدالة، وبين تحويل الهوية إلى موضوع إدانة جماعية.
نحن الطاهرون وهم المذنبون
تقوم إحدى أكثر الأدوات فاعلية لفهم هذا النمط من الخطاب على مبدأ “المربع الأيديولوجي” لـ”فان دايك”، الباحث الهولندي في تحليل الخطاب النقدي، القائم على أربع حركات متلازمة: إبراز محاسن “نحن” ومساوئ “هم”، وتخفيف مساوئ “نحن”، وتهميش محاسن “هم”.
في كتاباته عن الخطاب والهيمنة، يربط فان دايك بين اللغة والإدراك الاجتماعي والسلطة؛ فالخطاب لا ينقل معتقدات جاهزة فحسب، بل يساهم في تشكيل “النماذج الذهنية” التي يرى الجمهور من خلالها نفسه والآخرين، فالنخب، بسبب امتلاكها منابر أوسع، تملك قدرة خاصة على التأثير في تعريف المشكلات وتحديد الأعداء وترتيب الأولويات العامة.
من هذه الزاوية، تبدو الخطبة نموذجا كثيفا لـ”التقديم الإيجابي للذات” و”السلبي للآخر”، فـ”نحن” تظهر بوصفها جماعة الألم والضحايا والكرامة والدماء التي لم تجف.
أما “هم” فيقدمون بوصفهم كتلة ساكتة ومتواطئة ونجسة وفاقدة للندم، ومتموضعة خارج الإنسانية والوطن، فلا يعود الخطاب يتحدث عن مسؤولية جنائية أو سياسية، بل عن جوهر جماعي مفترض، وهذا هو قلب خطاب الكراهية؛ نقل الاتهام من الفعل إلى الهوية.
من الجريمة إلى الهوية
أخطر ما في هذا الخطاب أنه يبدأ من ذاكرة ومظلومية حسب وصفه، ثم ينحرف نحو تعميم عقابي، فالجرائم في سوريا ليست خيالا، والضحايا ليسوا مادة بلاغية، والعدالة ليست ترفا، لكن الفاصل الحاسم يكمن في السؤال: هل نسمي الجناة أم ندين الجماعات؟ هل نطالب بمحاكمة المتورطين أم نجعل الانتماء الطائفي قرينة اتهام؟
في الخطبة، يصبح “الصمت” دليلا على الذنب، وهذه حجة خطيرة في مجتمع يعيش اليوم تحت وطأة خوف متجدد، خصوصا بعد مجازر الساحل والسويداء وما رافقها من تهديدات وتحريض وانهيار إضافي في الثقة العامة.
الصمت في مثل هذا السياق، هو خوف على النفس والعائلة، أو عجز عن الكلام في بيئة مأزومة، أو محاولة نجاة فردية أمام خطاب يستسهل الاشتباه بالجماعات، وتحويل الصمت إلى إدانة جماعية لا يخدم العدالة، بل يختصر السوريين في محكمة هوية، ويجعل الانتماء قرينة اتهام بدل أن تبقى المسؤولية مرتبطة بالفعل والدليل والقانون.
المنبر بوصفه نخبة
“خطاب النخبة” لا يكتسب خطورته من كلماته وحدها، بل من موقع قائله، السياسي، الإعلامي، الأكاديمي، رجل الدين، وخطيب الجمعة لا يتكلم كفرد عادي؛ فهو ينتج معرفة عامة قابلة للتداول، وعندما يصدر خطاب تعميمي من منبر ديني، فإنه لا يقدم رأيا فحسب، بل يكسوه بشرعية أخلاقية وروحية.
هنا تصبح مفردات مثل “النجاسة” و”اللعنة” و”لسنا كهيئتكم” أكثر من شتائم؛ إنها أدوات فرز رمزي، فالآخر لا يوصف بأنه خصم سياسي أو متهم أو حتى مذنب، بل ينزع عنه الانتماء الإنساني والوطني، وهذه الاستراتيجية معروفة في تحليل الخطاب العنصري، فالمشكلة لا تعرض بوصفها بنية سلطة أو نظام قمع أو شبكة مصالح، بل تختزل في “صفات” منسوبة إلى جماعة كاملة.
الفضاء الرقمي كغرفة صدى
لا يأتي هذا الخطاب من فراغ، حيث شهدت سوريا خلال 2025 و2026 تصاعدا واسعا في خطاب التحريض الطائفي، سواء عبر المنابر التقليدية أو عبر شبكات التواصل.
تقرير “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” حول أحداث الساحل في آذار 2025 أشار إلى انتشار واسع للمعلومات المضللة ونظريات المؤامرة، وإلى دعوات للتعبئة عبر مكبرات المساجد، وخطاب يحرض على العنف ويشيطن “الآخر” بما ساهم في تأجيج الانقسام ودفع المشهد إلى مستويات أشد خطورة.
وفي قراءة موازية للفضاء الرقمي، خلص بحث لمنظمة “Seen for Civil Peace” بالتعاون مع “مركز مرونة المعلومات” إلى وجود ترابط واضح بين تصاعد الخطاب والتعبئة على الإنترنت وبين زيادة العنف على الأرض.
حلل البحث أكثر من 200 ألف منشور على تلغرام وفيسبوك من حسابات وشبكات سورية مؤثرة، بعضها يملك مئات آلاف المتابعين، ووجد أن خطاب الكراهية ظاهرة عابرة للاصطفافات السياسية وليست حكرا على طرف واحد.
هذا مهم لأن الخطبة لا تقرأ كواقعة منفصلة، بل كحلقة في نظام تداول أوسع؛ خطيب يطلق صيغة اتهامية، وجمهور يصفق أو يقتطع، وصفحات تعيد النشر، وتعليقات تضخم، وخوارزميات تكافئ الغضب، وتتحول الجملة من وعظ إلى تعبئة، ومن انفعال إلى مادة قابلة للتنظيم.
سويداء والساحل: كلفة اللغة حين تنفلت
لا يمكن فصل هذا النمط الخطابي عن موجات العنف الأخيرة، حيث قالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا إن أحداث السويداء في تموز 2025 خلفت أكثر من 1700 قتيل ونحو 200 ألف نازح، ووثقت عمليات إعدام وتعذيب وعنفا قائما على النوع الاجتماعي وحرقا للمنازل، معتبرة أن بعض الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية إذا ثبتت عناصرها.
كما حذرت هيومن رايتس ووتش من أن اشتباكات السويداء أشعلت خطاب كراهية طائفيا ومخاطر انتقام ضد جماعات درزية في أنحاء البلاد، وسط انهيار الخدمات ونزوح واسع وانعدام ثقة عميق بين المكونات المحلية.
هذه المعطيات لا تعني أن الخطاب وحده يصنع المجازر، فالعنف يحتاج سلاحا، وتنظيما، وفاعلين، وغياب محاسبة، لكن الخطاب يهيئ البيئة الإدراكية التي تجعل العنف مفهوما، ثم مبررا، ثم مرغوبا، فهو يزود الجمهور بـ”نموذج ذهني” يرى الآخر خطرا وجوديا، لا مواطنا مختلفا أو حتى خصما سياسيا.
معركة سوريا على المعنى
في سوريا، لم تعد المعركة على الأرض وحدها، بل على المعنى أيضا، فمن يملك حق تعريف “الشعب”؟ من يقرر من ينتمي ومن يطرد رمزيا من الوطن؟ من يحول الذاكرة إلى عدالة، ومن يحولها إلى لعنة؟
تكشف الخطبة عن بنية أعمق من ألفاظها؛ ذات جماعية تبرئ نفسها، وآخر جماعي يدان كله، وذاكرة تستثمر لتثبيت الاستقطاب، ومنبر يستخدم رصيده الأخلاقي لإعادة إنتاج حدود طائفية.
النقد دفاع عن الضحايا من أن تختطف قضيتهم، فحين تتحول العدالة إلى كراهية، تخسر العدالة نقاءها، ويكسب العنف فرصة جديدة للعودة باسم الضحايا أنفسهم.
خطاب الكراهية في سوريا: حين تتحول الذاكرة إلى أداة إقصاء
إبراز محاسن “نحن”
نحن جماعة الألم والضحايا والكرامة، “دماء الشهداء تلعنكم” – تعظيم الذات كضحية نقية.
تضخيم مساوئ “هم”
“العفن النجس” ، “لا ننسجم معكم”، تحويل الآخر إلى خطر وجودي نجس.
تخفيف مساوئ “نحن”
تبرئة الجماعة من أي عنف فئوي، تغليف الممارسات الانتقامية كرد فعل مشروع.
تهميش محاسن “هم”
نفي أي فضل أو إنسانية عن الطرف الآخر، صمتهم دليل ذنب، فلا استحقاق وطني.
(اضغط على أي بطاقة لعرض تحليل معمق من الخطبة والتقرير)
آليات التحريض في المنصات الرقمية (عينات 2025-2026)
تواتر العبارات الإقصائية في خطبة الجمعة والخطاب الرقمي
خطبة الجمعة لـ الدكتور علاء الدين السايق – جامع الإيمان (1 أيار 2026). من منظور تحليل الخطاب النقدي، تعيد إنتاج “الجماعة المقدسة” مقابل “الآخر النجس”، وتنقل الجريمة من الفاعل إلى الهوية.

