شهداء 6 أيار.. ذكرى تأسيسية لسوريا الحديثة وصراع الذاكرة الوطنية

كانت المشانق التي نصبت في ساحة البرج في بيروت وساحة المرجة في دمشق في السادس من أيار 1916 أكثر من أدوات إعدام، فبالمعنى الجيوسياسي العميق هي إعلان عن صراع على المجال، فمن يملك بلاد الشام؟ من يعرف هويتها؟ ومن يكتب تاريخها؟

أعدمت السلطات العثمانية في ذلك اليوم 21 من المثقفين والوطنيين العرب؛ 14 في بيروت، و7 في دمشق، بتهمة التخابر مع بريطانيا وفرنسا، في ذروة الحرب العالمية الأولى.

جوهر القضية لم يكن قضائيا، بل سياسيا، فالسلطة الإمبراطورية شعرت بأن أطرافها العربية بدأت تفلت من قبضتها، والنخب المدنية العربية بدأت ترى في اللغة والصحافة والتعليم والجمعيات فضاء بديلا للسيادة.

مكان الإعدامأسماء الشهداء
بيروتجرجي موسى الحداد، سعيد فاضل عقل، عمر حمد، عبد الغني العريسي، عارف الشهابي، توفيق البساط، سيف الدين الخطيب، علي النشاشيبي، محمود جلال البخاري، بترو باولي، الشيخ أحمد طبارة، محمد الشنطي، أمين لطفي الحافظ، سليم الجزائري
دمشقشفيق مؤيد العظم، الشيخ عبد الحميد الزهراوي، رفيق رزق سلوم، عبد الوهاب الإنكليزي، شكري العسلي، عمر الجزائري، رشدي الشمعة

هذه الأسماء لا تنتمي إلى مهنة واحدة ولا إلى مدينة واحدة ولا إلى طائفة واحدة، ففيها الصحفي، والمحامي، والضابط، والشاعر، والمعلم، والإمام، والموظف الحكومي، والمترجم، والروائي، والتنوع ليس تفصيلا اجتماعيا، بل مفتاح لفهم الحدث، فشهداء 6 أيار كانوا صورة مبكرة عن مجتمع سياسي مشرقي قيد التشكل، لا عن نخبة مغلقة؛ أبناء مدن ومدارس وصحف ومنتديات، فهم نتيجة للمجال العام الحديث الذي بدأ ينازع السلطة العثمانية حقها الحصري في تعريف الولاء والخيانة.

دمشق وبيروت: الساحة بوصفها خريطة للسيادة

إذا كانت الجغرافيا معرفة استراتيجية لا وصفا محايدا للأمكنة، فإن اختيار السلطة العثمانية لساحتين مركزيتين، البرج في بيروت والمرجة في دمشق يتجاوز هدف قتل الأفراد فقط، بل إخضاع المدينة ذاتها، فالساحة العامة هي قلب المجال الرمزي، ففيها يمر الناس، وتتكون الذاكرة، ويتحول الخوف إلى لغة سياسية.

لكن السلطة أخطأت في حساب أثر المكان، فأرادت أن تجعل من الساحة درسا في الطاعة، فجعلها التاريخ نصبا للتمرد الأخلاقي.

ساحة البرج صارت ساحة الشهداء، وساحة المرجة بقيت في الذاكرة السورية مسرحا للكرامة المهدورة، فانقلبت الجغرافيا على صاحب القوة، فالمكان الذي اختارته السلطة لتأكيد هيمنتها صار شاهدا على عنفها، والمشنقة التي أريد لها أن تنهي فكرة دشنت، في الواقع، واحدة من أكثر لحظات الوعي الوطني رسوخا في سوريا ولبنان.

كان شهداء 6 أيار يتحركون ضمن فضاء أوسع من حدود الدول اللاحقة، من دمشق وبيروت وحمص وصيدا وزحلة وحاصبيا والدامور ويافا وإسطنبول وباريس والقاهرة والمهاجر؛ كلها عقد في شبكة واحدة، وهذه الجغرافيا تقول إن الوطنية السورية واللبنانية لم تولدا في عزلة، بل في مشرق متصل، قبل أن تأتي حدود الانتداب فتقسم المجال وتعيد هندسة الهويات.

من التتريك إلى سؤال الدولة الوطنية

كانت الدولة العثمانية في سنواتها الأخيرة سلطة مذعورة من التفكك، ومع صعود جمعية الاتحاد والترقي، تحول الإصلاح العثماني إلى مركزية قاسية، وبدأت سياسة التتريك تضغط على العرب في الإدارة والتعليم والجيش والتمثيل السياسي، وفي هذا المناخ، لم يعد السؤال كيف نكون رعايا صالحين في السلطنة؟ بل كيف نحمي لغتنا وحقوقنا ووجودنا السياسي؟

عبد الغني العريسي كتب في الصحافة عن الهوية العربية وإصلاح السياسات العثمانية، رشدي الشمعة عارض التتريك في المجلس العمومي العثماني، أما عبد الحميد الزهراوي فناهض الاستبداد العثماني بالكلمة والمنبر.

محمود جلال البخاري نشط في الجمعيات السرية، وسليم الجزائري طالب بالمساواة بين العرب والأتراك.

لم يكونوا، بالمعنى الدقيق، دعاة فوضى، بل دعاة سياسة؛ دعاة انتقال من الرعية إلى المواطنة، ومن الخضوع إلى المشاركة، ومن الإمبراطورية إلى فكرة الدولة.

كان إعدامهم لحظة تأسيسية لسوريا الحديثة، ليس لأن الدولة السورية ولدت في ذلك اليوم إداريا أو قانونيا، بل لأن الوعي السياسي السوري اكتسب فيه إحدى رواياته المؤسسة؛ رواية المثقف الذي يدفع حياته ثمنا للكلمة، والمدينة التي تصير ذاكرة، والهوية التي تصاغ ضد الاستبداد لا ضد شعب آخر.

المعركة على الذاكرة: حين تلغى العطلة ولا يلغى المعنى

من هنا تبدو خطورة قرار السلطة السورية إلغاء عيد الشهداء من قائمة العطل الرسمية، فالمرسوم رقم 188 لعام 2025 حدد الأعياد الرسمية الجديدة، وأضاف مناسبات حددها دون أي مرجعية لمجلس شعب مثل “عيد التحرير” في 8 كانون الأول وذكرى انطلاق “الثورة السورية” في 18 آذار، فيما غاب عنه عيد الشهداء في 6 أيار.

المسألة ليست إدارية ولا تتعلق بيوم عطلة مدفوعة الأجر، بل مسألة جغرافيا سياسية للذاكرة، فالدولة حين تختار أعيادها لا تنظم التقويم فحسب، بل ترسم خريطة المعنى العام، وما الذي ينبغي أن يتذكره المواطن؟ ومن هم أبطال القصة الوطنية؟ وأي ماض يستحق أن يبقى ظاهرا في المدرسة والشارع والروزنامة؟

الأخطر أن الجدل لم يقف عند الروزنامة، حيث أثارت تعديلات منسوبة إلى المناهج الدراسية السورية الجديدة انتقادات واسعة، بعدما وردت إشارات إلى إعادة توصيف شهداء 6 أيار باعتبارهم “متآمرين” مع الإنكليز والفرنسيين ضد الدولة العثمانية، بدل تقديمهم بوصفهم رموزا للحركة الوطنية العربية.

هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه “تصحيحا تاريخيا” بريئا، فالتاريخ لا يختزل في محضر اتهام صاغته سلطة جمال باشا في زمن الحرب، وتحويل شهداء 6 أيار إلى “متآمرين” يعني اعتماد لغة السلطة التي أعدمتهم، لا لغة المجتمع الذي حولهم إلى ذاكرة وطنية.

لماذا يخاف الحكم من الشهداء القدامى؟

تخشى السلطات، عادة، من الذاكرات التي لا تستطيع احتكارها، وشهداء 6 أيار ينتمون إلى هذا النوع من الذاكرة، فلا يمكن اختزالهم في حزب، ولا في نظام، ولا في أيديولوجيا واحدة.

إنهم سابقون على البعث على الاستقطابات السورية الراهنة، وإلغاءهم من العيد الوطني، أو تقليل شأنهم في المناهج، لا يحرر التاريخ من التسييس، بل يستبدل تسييسا بآخر.

في العمق، هناك محاولة لإعادة ترتيب الذاكرة السورية وفق أولويات السلطة الحالية وتحالفاتها وحساسياتها الإقليمية، وحين تمس الذاكرة العثمانية تحديدا، يصبح السؤال أكثر حساسية، فهل يراد لسوريا الجديدة أن تعيد قراءة تاريخها بعين نقدية متوازنة، أم أن تتجنب كل ما يحرج علاقاتها السياسية الراهنة؟ الفارق كبير بين مصالحة تاريخية ناضجة مع الجوار التركي، وبين شطب رموز وطنية كي لا تزعج ذاكرة إمبراطورية قديمة.

لا دولة حديثة بلا ذاكرة حرة

6 أيار ليس مناسبة بكائية، بل درس في نشوء السياسة الحديثة في بلاد الشام، ففيه نرى كيف تتحول المدينة إلى ساحة صراع، والصحافة إلى سلاح، والمدرسة إلى مصنع وعي، والذاكرة إلى عنصر من عناصر السيادة.

إلغاء عيد الشهداء من التقويم، أو إعادة صياغة صورته في المناهج بوصفه شبهة لا شهادة، ليس مجرد خطأ تربوي، بل مساس بإحدى اللبنات الرمزية لسوريا الحديثة.

تستطيع السلطة أن تلغي عطلة من الروزنامة، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تلغي المعنى الذي صنعته دمشق وبيروت تحت المشانق، فالأمم لا تقوم فقط على حدود وجيوش ومراسيم، بل على ذاكرة تقول لأبنائها إن الحرية كانت يوما فكرة تستحق الموت، وفي السادس من أيار، لم يولد شهداء فحسب؛ ولد سؤال سوريا الدائم؛ لمن تكون الأرض، ولمن تكون الذاكرة، ومن يملك حق كتابة التاريخ؟

شهداء 6 أيار | رسم بياني تفاعلي للذاكرة السورية

شهداء 6 أيار: الجغرافيا حين تصنع الأمة… وحين تخشاها السلطة

المشانق في ساحة البرج (بيروت) وساحة المرجة (دمشق) – 21 شهيداً من مثقفي وطنيي بلاد الشام – الذاكرة التي تصنع السيادة ومعركة إلغاء العيد الرسمي.
21
إجمالي الشهداء
6 أيار 1916
14
شهداء بيروت
ساحة البرج (ساحة الشهداء)
7
شهداء دمشق
ساحة المرجة
2025
إلغاء العيد
المرسوم رقم 188 · غياب 6 أيار من الأعياد الرسمية
انقر على أي عمود لعرض أسماء الشهداء كاملة والتفاصيل التاريخية

استعرض الذاكرة: اضغط على عمود بيروت أو دمشق

يوضح الرسم البياني توزع الشهداء بين المدينتين. كل مدينة حملت رمزية مكانية خاصة: البرج في بيروت صار “ساحة الشهداء”، والمرجة في دمشق مسرح الكرامة. القائمة الكاملة للأسماء تعكس التنوع المهني والطائفي والمناطقي، دليل على مجتمع سياسي مشرقي قيد التشكل.

المصدر: ذاكرة 6 أيار 1916 – أحكام جمال باشا السفاح. أُعدم 21 من الوطنيين العرب بتهمة “الخيانة” أثناء الحرب العالمية الأولى.
إلغاء عيد الشهداء

المرسوم رقم 188 لعام 2025 حدد الأعياد الرسمية الجديدة (عيد التحرير 8 كانون الأول، ذكرى الثورة 18 آذار) وأغفل 6 أيار. القرار ليس إدارياً بل محو للذاكرة التأسيسية، وتحويل الأبطال إلى متهمين في بعض الخطابات.

مناهج مثيرة للجدل

تعديلات منسوبة للمناهج السورية الجديدة تصف الشهداء بأنهم “متآمرون مع الإنكليز والفرنسيين” ضد الدولة العثمانية، اعتماداً على لغة السلطة التي أعدمتهم، وليس على إرثهم الوطني.

لماذا تخشى السلطة الذاكرة؟

شهداء 6 أيار سابقون على الاستقطابات الراهنة، ينتمون إلى فضاء وطني متعدد. محاولة إعادة ترتيب الذاكرة وفق أولويات سياسية وحساسيات إقليمية تهدد أسس الدولة الحديثة التي تقوم على ذاكرة حرة جامعة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *