تفتح حوادث نبش القبور في سوريا باباً أوسع من قراءة الفعل بوصفه غضبا عابرا أو انتقاما محليا، فالقبر في هذه الوقائع لم يعد موضع دفن فحسب، بل صار شاهدا ماديا على صراع حول من يحق له البقاء داخل الذاكرة العامة، ومن يجب إخراجه منها.
من القرداحة إلى مخيم اليرموك وصولا إلى عربين، تظهر المقبرة كأحد أكثر الأماكن حساسية في معركة إعادة تعريف الماضي السوري بعد 8 كانون الأول 2024.
تبدو الظاهرة اعتداء على حرمة الموتى، لكنها في عمقها فعل اجتماعي يمس علاقة الجماعة بتاريخها، فالمجتمع لا يتعامل مع القبر كمساحة فردية خالصة، بل كعلامة انتماء ومكان اعتراف.
وجود قبر شخصية سياسية أو عسكرية أو محلية في مكان محدد يعني أن صاحبها ما زال يحتفظ بحيز في ذاكرة المكان، ونبشه أو تحطيمه أو نقل الجثمان يعني سحب هذا الحيز، وإعلانا رمزيا بأن التاريخ الجديد لا يريد لهذا الاسم أن يستقر في أرضه.
ثقافة ما بعد 8 كانون الأول
شهدت سوريا بعد سقوط النظام السابق إنتاجا سريعا لثقافة عامة جديدة؛ لم تقتصر على تغيير السلطة السياسية، بل امتدت إلى اللغة والرموز والتقويم والمناهج وأسماء المؤسسات.
ظهرت لحظة 8 كانون الأول بوصفها تاريخا مؤسسا، لا حدثا سياسيا ضمن سلسلة طويلة من الأحداث السورية، وبدأ الفرز بين ذاكرة مرغوب فيها وذاكرة يراد دفعها إلى الهامش.
هذا التحول يظهر بوضوح في إعادة ترتيب العطل الرسمية، وإضافة عيد الثورة في 18 آذار و “عيد التحرير” في 8 كانون الأول، ما منح المرحلة الجديدة تقويما خاصا بها.
في المقابل، أثار غياب عيد الشهداء وذكرى حرب تشرين عن لائحة العطل الرسمية نقاشا يتجاوز مسألة يوم عطلة، فعيد الشهداء متصل بذاكرة وطنية أقدم، وحرب تشرين مرتبطة بذاكرة عسكرية وعائلية وجغرافية تخص جنودا وجرحى وعائلات ومدنا، وحذف المناسبة من التقويم لا يلغي الحدث من التاريخ، لكنه ينقله من مركز التذكر الرسمي إلى هامشه.
يصبح التقويم أداة سلطة رمزية، فالدولة لا تحدد أيام الراحة فقط، بل تحدد أيضا الأيام التي تستحق أن تتذكرها الجماعة معا، فكل عيد رسمي هو إعلان بأن هذا الحدث جزء من القصة الوطنية المشتركةـ، وما حذف من التقويم يطرح سؤالا حساسا، فهل تجري إزالة ذاكرة النظام السابق، أم يجري سحب الاعتراف من ذاكرات اجتماعية أوسع استوعبها النظام سابقا؟
المقبرة كمكان ذاكرة
تحتل المقبرة موقعا فريدا داخل الذاكرة الجمعية، فالشارع يمكن تغيير اسمه، والصورة يمكن إنزالها، والتمثال يمكن نقله، لكن القبر يحمل طبقة أعمق من الرمزية، فهو يجمع الجسد والاسم والمكان والعائلة والزيارة والطقس الديني والاجتماعي، وتصبح أي محاولة للمساس به إعلانا بأن الصراع وصل إلى الحد الأخير؛ جسد الميت نفسه.
في حالة قبر الرئيس الراحل حافظ الأسد، كان الضريح أكثر من قبر رئيس سابق، وتحول على مدى عقود إلى موقع رمزي داخل السردية العامة، وإحراقه ثم تداول أخبار نبش القبر ونقل الرفات عكسا رغبة في إزالة الأثر المادي للحقبة، لا الاكتفاء بإسقاط صورتها السياسية.
الفعل هنا يطاول مكانا كان يؤدي وظيفة “المزار السياسي”، والمكان الذي تعيد السلطة عبره إنتاج حضورها بعد موت صاحبها.
في مخيم اليرموك، يحمل قبر أحمد جبريل دلالة مختلفة، فالرجل ليس سوريا بالمعنى المحلي الضيق، لكنه ارتبط في الذاكرة السورية والفلسطينية بتحالفات سياسية وعسكرية وبمواقف خلال سنوات الحرب.
استهداف قبره، وفق ما تداولته منصات ومواقع، يكشف أن معركة الذاكرة لا تقف عند حدود رموز الحكم المباشر، بل تمتد إلى رموز التحالفات التي تركت أثرا في المجال السوري.
أما في عربين، فتأخذ المسألة طابعا محليا، فالمقبرة ليست ضريحا سياسيا كبيرا، بل فضاء جماعيا، والاعتراض على دفن شخص متهم بالارتباط بأجهزة النظام السابق داخل مقبرة محلية يقول إن الجماعة تريد ضبط حدودها الرمزية؛ من يدفن بيننا؟ من يشارك ضحايانا المكان؟ من يحق له أن يصبح جزءا من تاريخ البلدة بعد موته؟
الذاكرة الجمعية لا تعمل وحدها
تكشف طريقة التعامل مع الذاكرة بعد 8 كانون الأول عن نزعة لدى السلطة الحالية إلى احتكار تعريف الماضي، لا إلى تحريره من احتكار سابق.
الأطر الاجتماعية التي تحفظ الذاكرة، من العائلة والبلدة والمدرسة إلى النقابة والجيش والمقبرة، تدفع اليوم إلى الاصطفاف داخل سردية رسمية جديدة تعيد توزيع الشرعية على الأحداث والأسماء والرموز، فلا يبدو حذف مناسبة من التقويم، أو تعديل منهج، أو تغيير اسم مؤسسة، أو التساهل مع خطاب يستهدف قبور رموز سياسية، إجراءات منفصلة، بل حلقات في ثقافة سلطة تريد إنتاج ذاكرة مطابقة للحظة انتصارها.
تتحول حرب تشرين من ذاكرة جنود وعائلات وجبهات إلى عبء رمزي، ويتراجع عيد الشهداء رغم جذره الوطني السابق على النظام، بينما يعاد تعريف المقبرة بوصفها جزءا من خريطة الولاء والنبذ.
المشكلة هنا أن السلطة الحالية، وهي تعلن القطيعة مع سردية الماضي، تعيد استخدام الآلية ذاتها عبر اختيار ما يحتفى به، وما يحذف، وما يدفع إلى الهامش، فتصبح معركة الذاكرة في سوريا الجديدة أقل ارتباطا بتعدد روايات السوريين، وأكثر اتصالا بثقافة سياسية ناشئة تسعى إلى تحويل ذاكرتها الخاصة إلى ذاكرة وطنية عامة.
يبدأ الخطر حين تتحول مراجعة الماضي إلى عملية فرز سلطوية، لا إلى نقاش وطني مفتوح، فيتم احتكار الذاكرة بلغة وأسماء جديدة، وبسلطة تمنح نفسها حق تحديد ما يستحق البقاء في السردية العامة وما ينبغي دفعه إلى النسيان.
من إزالة الرمز إلى طرد الجثمان
توجد سلسلة رمزية واحدة تربط بين تغيير أسماء المؤسسات، وتعديل المناهج، وإعادة ترتيب العطل، ونبش القبور.
هذه الأفعال ليست متساوية أخلاقيا أو قانونيا، لكنها تنتمي إلى حقل واحد في إعادة هندسة الذاكرة العامة، الدولة تستخدم أدواتها الناعمة، وامتدادها الاجتماعي يستخدم أدوات خشنة.
حين يتحول التصحيح إلى محو شامل، ويختلط رمز السلطة بذاكرة المجتمع، ويجري التعامل مع الماضي ككتلة واحدة ملوثة؛ يصبح نبش القبر هو التعبير الشعبي الأقصى عن منطق رسمي أكثر هدوءا في إخراج الماضي من المكان.
الذاكرة بين الترميم والمحو
تكشف معركة الذاكرة في سوريا بعد 8 كانون الأول عن انتقال الصراع من مستوى السلطة السياسية إلى مستوى المعنى العام.
الرموز والمناسبات والمناهج والقبور لم تعد عناصر متفرقة في المجال العام، بل تحولت إلى مواد يعاد ترتيبها داخل سردية جديدة تسعى إلى تثبيت شرعيتها عبر ضبط الماضي، فتظهر الذاكرة الوطنية كحقل متنازع عليه بين ذاكرة الدولة وذاكرة المجتمع وذاكرة السلطة الصاعدة، لا كمساحة جامعة لتراكم التجارب السورية.
القطع مع المرحلة السابقة يغدو آلية لإزاحة طبقات كاملة من الذاكرة، لا مجرد تفكيك لرموز سياسية بعينها، فتتخذ حوادث نبش القبور معناها الأعمق في التعبير الأقصى عن ثقافة سياسية تتعامل مع الذاكرة كملكية قابلة للمصادرة، ومع المكان كأداة لإعادة توزيع الشرعية، ومع الماضي كأرض يجب تنظيفها لا فهمها.
حرب تشرين مثال واضح، فآلاف العائلات السورية حملت ذاكرة شخصية عنها، وعيد الشهداء سابق على حكم البعث، ومتصل بتاريخ وطني مشرقي، التعامل مع هذه المناسبات كجزء من أرشيف النظام السابق يخلط بين الحدث وتوظيفه، وبين الذاكرة واحتكارها.
الأمر نفسه ينطبق على المقابر، فالقبر رمز سياسي يمكن أن يفقد صفته كمزار تمجيدي من دون هتك حرمة الدفن، ونبش الجثمان يذهب إلى منطقة أخرى فيحول الذاكرة إلى عقوبة جسدية بعد الموت، ويمنح المجتمع إذنا خطيرا بتصفية حساباته مع الماضي عبر الجثث.
معركة على أماكن الذاكرة
تكشف حوادث نبش القبور في سوريا أن الصراع على السلطة تمدد إلى البنية الرمزية التي تنظم حضور الماضي في المجال العام.
المقبرة والتقويم والمدرسة وأسماء الشوارع والحدائق والمشافي والمدارس والصورة ليست عناصر متفرقة، بل أدوات تحدد كيف تتذكر الجماعة نفسها، وكيف تعيد السلطة الحالية توزيع الشرعية بين الأحداث والرموز والأموات، فتتحول أماكن الذاكرة إلى ساحات ضبط سياسي.
واقعة نبش قبر ليست مجرد اعتداء على مكان دفن، بل علامة على ثقافة سياسية تتعامل مع الذاكرة كمساحة قابلة للتطهير وإعادة التملك، لا كأرشيف اجتماعي متعدد الطبقات.
المقبرة التي تنبش لا تكشف خلافا مع ميت، بل اضطرابا في علاقة الثقافة الجديدة بالماضي، فالجثمان الخارج من الأرض يصبح علامة على ذاكرة تدار بمنطق الإخراج لا التأويل، والحذف لا إعادة الفهم.
تبدو سوريا أمام ذاكرة عامة تعاد صياغتها تحت ضغط سلطة اللحظة، وذاكرة تمنح بعض الرموز حق البقاء، وتدفع رموزا أخرى إلى العتمة، وتوسع معركة التذكر والنسيان حتى تشمل الأحياء والأموات معا.

