يشكل توغل دورية “إسرائيلية” في قرية العشة بريف القنيطرة الجنوبي، وتفتيش أحد المنازل قبل الانسحاب، انتهاكاً محسوباً لا حادثاً محدوداً؛ فهو يعكس نزعة “إسرائيلية” إلى التعامل مع الجنوب السوري كمساحة أمنية قابلة للاختبار والاختراق، لا كجزء من سيادة دولة مجاورة.
تكتسب هذه الحركة وزنها الحقيقي حين تُقرأ داخل بنية الإقليم، حيث تتحول القرى الحدودية إلى نقاط قياس لميزان الردع، وقدرة دمشق على حماية مجالها، وحدود الهامش الذي تسمح به تل أبيب لنفسها عند حافة الجولان المحتل.
عمليا فإن القنيطرة جزء من نطاق تماس بين المجال السوري الداخلي، والجولان المحتل، والعمقين الأردني واللبناني، وموازين الردع بين إسرائيل وخصومها، والعمليات “الإسرائيلية” تتجاوز الواقعة الأمنية الموضعية، فهي مؤشر على اختبار مستمر لحدود الدولة السورية، وقدرتها على استعادة السيادة في منطقة تقع عند حافة واحدة من أكثر البيئات الإقليمية حساسية.
على أطراف الدولة تُقرأ السياسة بوضوح أكبر مما تُقرأ في مركزها، ففي ريف القنيطرة، لا تتحرك دورية عسكرية داخل فراغ حدودي، بل ضمن مجال تتقاطع فيه حسابات “إسرائيل” والجولان والأردن ولبنان ودمشق.
سوريا، بحكم موقعها تحمل في جنوبها واحدة من أكثر عقد التماس حساسية، وتصبح أي حركة عسكرية في هذه المنطقة رسالة ضمن نظام إقليمي، لا إجراءً ميدانياً معزولاً.
الجنوب السوري كمنطقة تماس لا كطرف جغرافي
يمتلك الجنوب السوري قيمة تفوق حجمه الجغرافي، فالقنيطرة ودرعا والسويداء تشكل معاً حزاماً حساساً حول العاصمة، وممراً بين الداخل السوري والحدود، وساحة مفتوحة على تنافس قوى محلية وخارجية.
هذه المنطقة عرفت خلال سنوات الحرب تحولات عميقة في شبكات السيطرة؛ تبدلت الفصائل، وتراجعت بعض البنى القديمة، وصعدت ترتيبات محلية أمنية واجتماعية لم تختف بمجرد تحول النظام السياسي.
ضمن هذا المشهد، تبدو قرية العشة نقطة صغيرة داخل مجال أكبر، وموقعها في ريف القنيطرة الجنوبي يمنحها معنى يتجاوز حدودها الإدارية، لأنها تقع قرب خط يتداخل فيه الأمن المحلي مع الحسابات “الإسرائيلية”.
الجنوب، بالنسبة لـ”تل أبيب”، ليس امتداداً سورياً فحسب، بل مجال مراقبة مبكر لأي تموضع معادٍ قرب الجولان، وبالنسبة لدمشق، هو مساحة سيادية يفترض أن تثبت فيها الدولة قدرتها على ضبط الحدود، وحماية السكان، ومنع تحويل القرى إلى مسارح رسائل متبادلة.
إسرائيل وإدارة الهوامش الأمنية
تعامل “إسرائيل” مع الجنوب السوري يقوم على منطق إدارة الهامش الأمني المحيط بالجولان، فهي تفضّل إبقاء المخاطر تحت مستوى التراكم البنيوي، وتتحرك غالباً عندما ترى أن الفراغ أو الغموض أو ضعف الضبط المحلي يتيحان لقوى معادية بناء موطئ قدم.
يمكن فهم التوغل المحدود في العشة كحركة صغيرة برسالة كبيرة، وهدفها تأكيد القدرة على الوصول، وجس نبض السلطة السورية، ومراقبة البيئة المحلية في آن واحد.
هذا النمط من السلوك لا يسعى بالضرورة إلى احتلال جديد أو تصعيد واسع، بل إلى تثبيت قاعدة عملية بأن “إسرائيل” تملك حرية تدخل في المجال الحدودي عندما ترى تهديداً محتملاً، فالتفتيش في منزل واحد يحمل معنى استخبارياً محدداً، لكنه ينقل أيضاً مؤشرا سياسياً بأن الجبهة الجنوبية لا تزال تحت الاختبار، وسيادة دمشق فيها مشروطة بقدرتها على منع تشكل أخطار عند الحافة الغربية للبلاد.
تعرف “إسرائيل” أن سلطة دمشق لا تزال تتعامل مع الجنوب بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستراتيجية، فبدل بناء معادلة ردع واضحة، وشبكة ضبط محلية تمنع الاختراقات قبل وقوعها، تكتفي السلطة غالباً بإدارة الحرج السياسي بعد كل انتهاك.
هذا الفراغ بين خطاب السيادة وحدود القدرة العملية يمنح “تل أبيب” هامشاً أوسع للمناورة، خصوصاً حين تدرك أن كلفة الرد السوري مرتفعة، وأن المجتمعات المحلية في القنيطرة ودرعا منشغلة بأمنها اليومي أكثر من انخراطها في معادلات الردع الكبرى.
بهذه الصورة لا يصبح التوغل الإسرائيلي نتيجة لقوة “إسرائيل” وحدها، بل ثمرة لاستراتيجية سورية مترددة تركت الجنوب في منطقة رمادية بين إعلان السيطرة وغياب الحماية الفعلية.
دمشق ومأزق السيادة غير المكتملة
تواجه سلطة دمشق في الجنوب اختباراً مختلفاً عن اختبار الإدارة في الداخل، فإعادة فتح مؤسسة أو تعيين مسؤول أو رفع علم لا تكفي لإنتاج سيادة حدودية متماسكة، فالسيادة في القنيطرة تعني قدرة على الإنذار، والردع، وضبط الفاعلين المحليين، وإقناع السكان بأن الدولة تحميهم بدل أن تستدعي عليهم كلفة الصراع الإقليمي.
تكشف حادثة العشة هذا الفارق بين الحضور الرمزي والحضور الفعلي، فالدولة التي تعود إلى قرى الجنوب تحتاج إلى أكثر من خطاب حول وحدة الأرض؛ تتطلب شبكة ثقة محلية، وأجهزة أمن منضبطة، وقواعد اشتباك واضحة، وقدرة على منع الاختراقات من دون دفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، وفي غياب هذه العناصر، تتحول السيادة إلى إعلان سياسي تعجز الجغرافيا عن تصديقه.
تبرز مشكلة السلطة في دمشق في أن مقاربتها للأطراف ما زالت تميل إلى الضبط أكثر من التعاقد، فالجنوب السوري، بتراكماته السياسية والاجتماعية بعد الحرب، لا يمكن إدارته كمساحة أمنية صامتة تنتظر أوامر المركز؛ إنه مجال حدودي هش، يحتاج إلى سياسة تُنتج ثقة محلية لا مجرد امتثال مؤقت.
حين يعجز المركز عن تقديم حماية فعلية ومقنعة، تصبح المنطقة مكشوفة أمام الاختراق، سواء جاء من الخارج أو نشأ من داخل الفراغ الذي تتركه الدولة بين خطاب السيادة وضعف الحضور.
القنيطرة ضمن ميزان إقليمي متعدد الطبقات
يضع موقع القنيطرة سوريا داخل شبكة أوسع من التوازنات، فالجولان المحتل يمنح “إسرائيل” عمقاً مرتفعاً وحساسية أمنية دائمة.
الأردن يراقب الجنوب من زاوية الحدود والتهريب والاستقرار، ولبنان حاضر عبر أثر حزب الله وحسابات الجبهة الشمالية، ووسط هذه السويات، تجد سلطة دمشق نفسها في موقع حرج؛ فهي مطالبة بإثبات قدرتها على ضبط الجنوب، لكنها كلما عجزت عن ذلك تركت لـ”إسرائيل” فرصة التعامل مع المنطقة كحزام أمني مفتوح، لا كأرض خاضعة لسيادة دولة.
حادثة العشة، بهذا المعنى، ليست علاقة ثنائية بين “إسرائيل” وسوريا فقط؛ إنها لحظة صغيرة داخل نظام إقليمي تتصارع فيه قوى على تحديد من يملك حق الحركة، ومن يملك حق المنع، ومن يستطيع تحويل الجغرافيا إلى ضمان أمني.
“إسرائيل” تتحرك بمنطق منع الخطر قبل تشكله، وسلطة دمشق تتحدث بمنطق الحفاظ على بقائها والقوى المحلية تقيس الحدث بمنطق السلامة اليومية، وهذا التعدد في مستويات الإدراك يجعل الجنوب منطقة توتر دائمة حتى في أيام الهدوء.
الحدود كاختبار لبنية الدولة
تعكس الحدود الجنوبية سؤالاً أوسع عن بنية الدولة السورية بعد رحيل نظام البعث، فالدولة المتماسكة تستطيع تحويل الحدود إلى خط منظم بين الداخل والخارج، بينما تجد سلطة دمشق أن الحدود تتحول إلى مساحة تفاوض غير معلنة بين أطراف كثيرة، وفي القنيطرة فقدت الحدود صلابتها القانونية؛ فهي تُدار عملياً كمنطقة اختبار لـ”إسرائيل”، وامتحان متكرر لعجز دمشق عن تحويل السيادة إلى حماية فعلية.
تاريخياً، حافظت اتفاقية فصل القوات عام 1974 على قدر من الهدوء بين سوريا و”إسرائيل”، ولكن المرحلة الحالية أضعفت الإطار العملي لهذا الهدوء، لأن الاتفاقات تحتاج إلى دولة قادرة على ضبط أرضها، وإلى جيش يملك وضوح القرار، وإلى بيئة محلية لا تسمح بنشوء فاعلين بدلاء.
ومع انكسار كثير من هذه الشروط أصبحت “إسرائيل” تميل إلى الأفعال المباشرة المحدودة، فيما تحاول سلطة دمشق ترميم صورتها لا صورة الدولة من دون امتلاك كامل أدوات الردع.

