في شمال شرقي سوريا، لم تعد “الخصوصية الكردية” مطلبا ثقافيا أو إداريا معزولا، بل تحولت إلى اسم آخر لمعركة تعريف الدولة بعد الحرب.
المنطقة التي خرجت طويلا من سلطة الدولة السورية لم تعد قابلة للدمج بمنطق العودة البيروقراطية وحدها؛ باتت تملك مؤسسات محلية، وشبكات أمن، وذاكرة سياسية تشكلت تحت ضغط الحرب والتحالفات العابرة للحدود.
من هذه الزاوية، لا يبدو تصريح آلدار خليل، عضو الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي، تفصيلا في سجال محلي، بل علامة على تصدع مبكر في هندسة الاندماج بين سلطة دمشق وشمال شرقي سوريا، فحين يتحدث عن غياب الترجمة الإيجابية لاتفاقيات الاندماج في التمثيل والإدارة والتشاركية، فإنه يضع الإصبع على جوهر الخلاف، فهل تريد السلطة إعادة بسط حضورها الإداري، أم بناء شراكة سياسية تعترف بالتحولات التي صنعتها الحرب؟
كما يحمل تحذيره من “سيناريوهات سلبية” معنى أبعد من الضغط التفاوضي؛ إنه تنبيه إلى أن استعادة السيادة، إذا لم تصغ كعقد سياسي، قد تتحول إلى مصدر احتكاك جديد بين المركز والأطراف.
الجغرافيا ليست خلفية محايدة
يشكل شمال شرقي سوريا عقدة مائية وزراعية وحيوية وأمنية في آن واحد، لا مجرد مساحة بعيدة عن مركز القرار.
في الجغرافيا السياسية، تقرأ الأرض بوصفها أداة لإنتاج السلطة وإدارة الصراع، لا خلفية صامتة للأحداث، وهو ما يجعل الفرات شريان للكهرباء والري والسكن والمعابر، وتغدو الحسكة خزانا للقمح ومجالا حدوديا مفتوحا على العراق وتركيا، فيما تمثل دير الزور صلة وصل بين البادية والجزيرة ومناطق النفط والعشائر والحدود، أي نقاش حول الاندماج أو التشاركية في هذه المنطقة يتجاوز الترتيبات الإدارية إلى إعادة توزيع النفوذ داخل المجال السوري نفسه.
عندما يتحدث حزب الاتحاد الديمقراطي عن التمثيل والإدارة والتشاركية، فهو يتحدث عن توزيع السلطة فوق مجال جغرافي شديد الحساسية، وعندما تدفع الحكومة باتجاه الاندماج، فهي تسعى إلى إعادة إنتاج مركز القرار من دمشق، ولكن ضمن أرض تغيرت بنيتها السياسية والاجتماعية والأمنية خلال سنوات الحرب.
بين الخطابين مسافة واسعة، فواحد يرى الاندماج عودة لمؤسسات الدولة، والثاني يخشى أن يتحول الاندماج إلى احتواء إداري يفرغ التجربة المحلية من مضمونها.
الانتخابات كأداة سيطرة رمزية
إجراء انتخابات تكميلية في الحسكة والقامشلي والمالكية وعين العرب لملء 11 مقعدا يمنح سلطة دمشق رصيدا رمزيا مهما، فصندوق الانتخابات، حتى حين يكون محدود التمثيل، يستخدم لإنتاج صورة عودة الدولة إلى مناطق كانت تدار بمنطق سلطوي بديل.
الأرقام هنا مهمة؛ فـ11 مقعدا لا تغير ميزان السلطة الوطني بالضرورة، لكنها تحمل قيمة سياسية لأنها تخص مناطق كانت عنوانا لانقسام السيادة داخل البلاد.
المشكلة أن التمثيل العددي لا يحل وحده معضلة الشرعية المركبة في شمال شرقي سوريا، فجزء منها محلي، متصل بالإدارة اليومية والخدمات والأمن؛ وجزء قومي، متصل بالمسألة الكردية وذاكرة الإقصاء؛ وجزء دولي، متصل بالحماية والتحالفات التي نشأت أثناء الحرب ضد تنظيم الدولة.
أي عملية انتخابية لا تستوعب هذه الطبقات ستبدو كأنها ترسم حدود الدولة على الورق أكثر مما تعيد بناء العقد السياسي على الأرض.
الفرات ككاشف للسيادة
يكشف ارتفاع منسوب الفرات وفتح ثلاث بوابات مفيض في السد أن الصراع على شمال شرقي سوريا لا يدور حول التمثيل السياسي وحده، بل حول إدارة الموارد التي تمنح السلطة معناها الفعلي.
تحذيرات من ارتفاع المنسوب بأكثر من مترين، وزيادة التصريف المائي إلى 1500 متر مكعب في الثانية، مع دعوات للإخلاء الفوري على ضفاف النهر في الرقة ودير الزور، هذه الأرقام تكشف أن إدارة الماء ليست ملفا فنيا، بل اختبار لقدرة السلطة على التنسيق بين السدود، المجتمعات المحلية، أجهزة الطوارئ، والقوى المسيطرة على المجال.
من يملك قرار الماء يملك جزءا من القرار السياسي، فالسدود لا تنتج الكهرباء فقط، بل علاقات طاعة وتفاوض ومخاطر، وفي منطقة تتقاطع فيها الإدارة الكردية والحكومة والعشائر وبقايا النفوذ الخارجي، يصبح فيضان النهر تمرينا قاسيا على معنى الحكم.
قدرة سلطة دمشق على إدارة أزمة الفرات بالتنسيق مع القوى المحلية قد تعزز منطق الدولة الواحدة؛ أما تحويلها إلى أداة فرض أو دعاية فسيعمق الشكوك القائمة حول نيات المركز.
دير الزور.. الحافة العربية للعقدة الكردية
زيارة وزير الدفاع إلى دير الزور تضيف بعدا بالغ الحساسية، فالمدية ليست امتدادا جغرافيا فحسب لشمال شرقي سوريا، بل عقدة اجتماعية عربية على تماس مع مشروع الإدارة الذاتية ومع المركز الدمشقي في آن واحد.
أي تفاهم كردي – حكومي يتجاهل دير الزور والعشائر سيبقى ناقصا، وأي مقاربة أمنية تنظر إلى المحافظة بوصفها ممرا أو خاصرة رخوة ستصطدم بحقائق محلية شديدة التعقيد.
تملك دير الزور أهمية مضاعفة بسبب موقعها بين الفرات والبادية والحدود العراقية، هنا تظهر الجغرافيا كعلاقات قوة، فالعشائر والمعابر وحقول الطاقة وخطوط التهريب ومخاوف السكان من التهميش، كلها عناصر في خريطة واحدة.
ملف “الاندماج” لا يخص الأكراد وحدهم، لإنه يمس السؤال الأوسع عن توزيع السلطة في الشرق السوري، فهل يدار كمنطقة أمنية، أم كإقليم سياسي واجتماعي يحتاج إلى تفاهمات مركبة؟
تركيا والولايات المتحدة: اللاعبان غير المرئيين في الجملة المحلية
يقرأ الخطاب المحلي في شمال شرقي سوريا ضمن سياق إقليمي، تركيا ترى في أي خصوصية كردية ذات طابع سياسي تهديدا مباشرا لأمنها القومي، خصوصا إذا ارتبطت بحزب الاتحاد الديمقراطي، أما الولايات المتحدة فتنظر إلى المنطقة من زاوية مكافحة الإرهاب وتوازن النفوذ وملف الطاقة والحدود العراقية.
بين هذين العاملين تتحرك السلطة في دمشق لاستعادة السيادة من دون استفزاز تفاهمات أكبر منها، وبعيدا عن واقع المجتمعات المحلية.
تضع هذه المعادلة سلطة دمشق أمام مأزق نتيجة مقاربتها الخاصة أيضا، فالتنازل الواسع للقوى الكردية يقرأ تركياً بوصفه تمكينا لكيان معاد، لكن تحويل هذا الهاجس إلى ذريعة لإفراغ الاندماج من مضمونه السياسي لا ينتج سيادة مستقرة، بل يدفع القوى المحلية إلى البحث عن ضمانات خارجية أشد صلابة.
وبين الخوف من أنقرة والرغبة في استعادة المركزية، تراهن السلطة على صيغة رمادية عبر حضور إداري من دون شراكة فعلية، وتهدئة أمنية من دون عقد سياسي.
هذه المراوحة هي أخطر الاحتمالات، لأنها تصنع سلاما باردا فوق أرض متوترة، قابلا للانفجار عند أول أزمة أمنية أو اقتصادية.
الدولة لا تعود بالخرائط وحدها
تعامل سلطة دمشق مع شمال شرقي سوريا بمنطق استعادة الخريطة يحقق مكاسب رمزية، لكنه لا يكفي لبناء سيادة مستقرة.
الدولة التي تعود عبر المؤسسات فقط، من دون عقد سياسي جديد، ستظهر كسلطة لا كضمانة، والمركزية التي تتجاهل تعدد الجغرافيات السورية بعد الحرب ستعيد إنتاج أسباب التوتر ذاتها بأسماء مختلفة.
يحتاج الملف الكردي إلى هندسة سياسية لا إلى إدارة أمنية مقنعة، فسلطة دمشق لا تستطيع تحويل الاندماج إلى عملية ضبط إداري ثم انتظار ولاء سياسي مستقر، فالتسوية تقتضي إطارا مكتوبا يحدد موقع شمال شرقي سوريا داخل الدولة، ويضمن مشاركة فعلية في القرار، لا حضورا شكليا داخل مؤسسات مركزية.
كلما فضلت السلطة الغموض على التعاقد الواضح، منحت المخاوف المحلية والإقليمية مساحة أوسع للتحول إلى خرائط نفوذ متنافسة.
شمال الشرق بوصفه مرآة لسوريا كلها
تصريح آلدار خليل إشارة مبكرة إلى صراع تعريف سوريا المقبلة، فالمسألة ليست بين حكومة وحزب فقط، بل بين نموذجين للدولة، الأول يرى الوحدة في استعادة الهرم الإداري القديم، والآخر يتصور الاستقرار في إعادة توزيع السلطة داخل الجغرافيا السورية المتعددة.
تكشف المعطيات أن السياسة السورية لم تعد تقرأ من مركز واحد، فالحسكة والرقة ودير الزور وعين العرب ليست أطرافا تنتظر قرار سلطة دمشق، بل مساحات يتقاطع فيها الماء والنفط والقمح والحدود والهويات. وعلى هذه الضفاف تحديدا، ستختبر قدرة الدولة السورية على الانتقال من منطق استعادة الأرض إلى منطق بناء عقد سياسي فوقها.
شمال شرقي سوريا: العقدة الكردية كاختبار للدولة
| الدائرة الانتخابية | المقاعد المملوءة | الدلالة السياسية |
|---|---|---|
| الحسكة | 4 | مركز إداري وكردي مختلط عربياً |
| القامشلي | 3 | بوابة اقتصادية وثقافة كردية |
| المالكية (ديريك) | 2 | منطقة حدودية حساسة مع تركيا |
| عين العرب (كوباني) | 2 | رمز صمود كردي وحاضن للتحالف الدولي |

