9 و10 حزيران 1967: تفاصيل معركة الجولان كما لم تُروَ من قبل

يحتل يوما التاسع والعاشر من حزيران (يونيو) 1967 في سجلات الحروب العربية الإسرائيلية مكانة خاصة، حيث أكملت فيهما “إسرائيل” ما أسمته بـ”النصر الساحق” باحتلالها مرتفعات الجولان السورية، ولكن كاد هذا النصر أن يتحول إلى هزيمة استراتيجية.

        تفكيك الآليات العميقة جعلت هذه المواجهة، رغم كل التفوق التقني العسكر “الإسرائيلي”، أقرب إلى حبل مشدود منه إلى نزهة عسكرية، فالجولان لم تكن سيناء، والتضاريس لم تكن صحراء مفتوحة، والإرادة السورية، رغم فوضى القيادة، أظهرت حيوية قتالية كادت أن تقلب الموازين في أكثر من موقع.

وهم التحصينات المنيعـة

عندما يتحدث المؤرخون العسكريون عن “خط ماجينو السوري”، يشيرون إلى شبكة الخنادق والمتاريس والمواقع المحصنة التي أقامها الجيش السوري على المنحدرات الغربية لهضبة الجولان.

لم تكن تلك التحصينات مجرد أسطورة دعائية؛ فضمت مدفعية ثقيلة موجهة نحو السهل الأسفل، وحوامات مضادة للدروع منصوبة في زوايا تغطي كل ممر صاعد، وخنادق متدرجة تجعل أي تقدم بريا أشبه بتسلق جدار ناري.

لكن الخرسانة وحدها لا تصنع منظومة دفاعية، فالخلل الجوهري لم يكن في صلابة المواقع، بل في فلسفة توزيعها وتشغيلها.

اعتمدت القيادة السورية نموذج “النقاط القوية المعزولة” بدلا من “المنظومة المرنة” القادرة على إعادة توجيه النيران والاحتياطيات بسرعة، وفي النظرية الدفاعية الحديثة، هذا يشبه بناء أبراج منفردة قوية جدا لكنها لا تتحدث مع بعضها، وعندما بدأ القصف الجوي “الإسرائيلي” المركز في صباح 9 حزيران، انقطعت اتصالات القيادة بين تلك النقاط، وتحول كل موقع إلى جزيرة تحارب بمفردها.

السر الذي لا يقال كثيرا هو أن الجيش السوري أعد خطة دفاع متكاملة تحت اسم “الخطة الدفاعية رقم 4″، لكن تنفيذها تعثر بسبب إخلاء معظم وحدات القيادة الوسطى في أعقاب انقلاب 23 شباط 1966، الذي وضع ضباطا جددا غير متمرسين في مواقع حساسة، فالانهيار بدأ قبل القصف الأول، في غرف القيادة في دمشق، وليس على المنحدرات.

لحظة التردد الإسرائيلي.. حين يخاف الأقوى

المفارقة أن “إسرائيل” لم تكن متحمسة لهذا الهجوم، فوزير الدفاع موشيه ديان، البطل الحربي الأسطوري، تردد لأكثر من 24 ساعة قبل أن يعطي الضوء الأخضر لقائد المنطقة الشمالية، اللواء دافيد إلعازار.

لم يكن تردد ديان نابعا من ضعف عسكري، بل من تجربة عميقة بالحروب الجبلية، فكان يخشى أن تتحول معركة الجولان إلى “فردان إسرائيلية”؛ حرب استنزاف طويلة في ممرات ضيقة تحت نيران مرتفعات لا يمكن تطويقها بسهولة.

هذا التردد يعكس وعيا استراتيجيا؛ فالانتصار ليس فقط قدرة على القتال، بل أيضا حكمة في اختيار المعارك، لكن الظروف السياسية والعسكرية حسمت الأمر.

الهيبة الاسرائيلية بعد احتلال سيناء والقدس تتطلبت “تسوية الحساب” مع النظام السوري الذي ظل يقصف القرى الحدودية الإسرائيلية لسنوات، كما أن المخابرات العسكرية قدرت أن السوريين سيوافقون على وقف إطلاق النار في أي لحظة، مما يعني أن نافذة الفرصة تغلق قبل تحقيق مكاسب استراتيجية دائمة.

عندما أعطي القرار أخيرا في صباح 9 حزيران، لم يتبق وقت للتحضير المثالي، ودفع ذلك القادة الميدانيين إلى الاعتماد على مزيج غير مألوف، خطط موضوعة مسبقا (مثل خطة “داويدكا” لتطويق التحصينات من الشمال)، وحرية تصرف شبه كاملة للضباط الصغار.

هذه “اللامركزية القتالية” كانت سلاحا ذا حدين؛ سمحت بوحدات سريعة المناورة، لكنها أوقعت بعض الفصائل في كمائن مميتة.

سبع عشرة ساعة في الجحيم.. تل الفخار نموذجا

في القطاع الشمالي من الجولان، على تلة لا تتجاوز ارتفاعها بضع مئات من الأمتار، وقعت واحدة من أشرس معارك حرب 1967 برمتها.

كان اسم الموقع “تل الفخار”، وكلف باقتحامه لواء المشاة “جولاني” وهو نخبة الجيش الإسرائيلي في القتال المباشر.

لكن التضاريس لعبت لعبتها القاتلة، فالحواف الصخرية جعلت الدبابات عاجزة عن المناورة، وأجبرت المشاة على التقدم سيرا على الأقدام تحت نيران كثيفة من مواقع سورية محصنة لم تصبها القنابل الجوية بدقة كافية، ما حدث بعدها يخرج عن كل تخطيط عسكري؛ تحول القتال إلى اشتباك من مسافة صفر، واستخدمت القنابل اليدوية والحراب، وتقاتل الرجال من غرفة إلى غرفة داخل المخابئ والخنادق.

لمدة سبع عشرة ساعة متواصلة، ظل الموقع خاضعا للكر والفر، وخسر الجانب الإسرائيلي 34 قتيلا و113 جريحا في هذا القطاع وحده وهي نسبة خسائر فادحة بمعايير أي جيش، لكنها كانت كارثية بالنسبة لجيش صغير مثل الجيش “الإسرائيلي”، ومن الجانب السوري استشهد أكثر من 50 جنديا في الموقع نفسه، وأسر عشرون آخرون.

السؤال لماذا لم تتحول هذه المقاومة التي لا تقل شراسة عن أي معركة أسطورية في التاريخ العسكري إلى نقطة تحول لصالح السوريين؟

الجواب في إدارة الاحتياطيات، فبينما كان “جولاني” ينزف في تل الفخار، كانت القيادة السورية تحتفظ بفرقتها المدرعة الاحتياطية في عمق الأراضي السورية، بعيدة عن المعركة.

بعض المصادر تشير إلى أن أوامر التقدم صدرت متأخرة بسبب انقطاع الاتصالات، وبعضها الآخر يتحدث عن خلاف قيادي حول من يتحمل مسؤولية الثغرة.

وصلت الدبابات السورية بعد فوات الأوان، وهذا الدرس في أهمية الاحتياطي المتحرك وسرعة اتخاذ القرار، سيبقى مثالا كلاسيكيا يدرس في الكليات الحربية.

الدبلوماسية كسلاح ذي حدين

بينما كانت المعركة دائرة في الجولان، كان المشهد الدبلوماسي في نيويورك يتحرك بسرعة غير معتادة، وفي مساء 9 حزيران، عقد مجلس الأمن جلسة طارئة بناء على طلب سوري عاجل، وأبلغ المندوب السوري جورج طعمة المجلس أن “غزوا إسرائيليا واسعا” يجري على الأراضي السورية، وناشد الأعضاء التحرك فورا لوقف إطلاق النار.

بعد ساعات من المداولات، صدر القرار رقم 235، الذي يلاحظ قبول إسرائيل وسوريا وقف إطلاق النار ويطلب “الامتثال الفوري”، لكن ما لم يذكر في النص الرسمي هو أن “إسرائيل” استمرت في التقدم لمدة أربع وعشرين ساعة إضافية بعد صدور القرار.

هذه الساعات كانت حاسمة، وسمحت للقوات “الإسرائيلية” بالوصول إلى عمق 30 ميلا داخل الأراضي السورية، والاستيلاء على مدينة القنيطرة، وتطويق ما تبقى من وحدات سورية في شمال الهضبة، فأوقفت الحرب على خط كان أكثر فائدة لـ”إسرائيل” بكثير من الخط الذي كانت سترضى به قبل القرار.

لو أن مجلس الأمن أصدر قراره قبل اثنتي عشرة ساعة فقط، أو لو أن الاتحاد السوفيتي، الحليف الرئيسي لسوريا، ضغط بقوة أكبر لوقف فوري للقتال، لكانت الخريطة مختلفة تماما، لكن الدبلوماسية، كما الحرب، تتوقف على توقيت الدقائق لا الأشهر.

لماذا انهار الجيش السوري في اليوم السادس؟

بحلول صباح 10 حزيران، وبعد مقاومة عنيدة في اليوم السابق، انهارت الجبهة السورية بشكل مفاجئ وسريع.

تركت الوحدات مواقعها، وهربت الدبابات السليمة نحو الداخل، وسقطت القنيطرة دون قتال يذكر في شوارعها، المشاهد التي بثتها الإذاعة السورية عن “انسحابات تكتيكية منظمة” كانت مجرد غطاء لانكسار واسع.

التفسير التقليدي يتحدث عن التفوق الجوي الإسرائيلي الذي حرم السوريين من الغطاء الجوي، وهذا صحيح جزئيا لكن هذا لا يفسر انهيار وحدات برية كانت لا تزال تملك أسلحة وذخيرة.

الحقيقة الأكثر إيلاما التي تهمس بها المصادر العسكرية السورية، هي أن الانقلاب السياسي في شباط 1966 دمر النسيج القيادي للجيش، وأبعد عشرات الضباط ذوي الخبرة بسبب ولاءاتهم الحزبية، ووضع ضباط جدد غير مؤهلين في مواقع حساسة.

الحصيلة التي لا ترويها النشرات الرسمية

عندما أعلنت “إسرائيل” عن خسائرها في الجولان اعترفت بـ115 قتيلا و306 جريحا في اليومين الأخيرين، أما على الجبهات كلها، فبلغ عدد القتلى 679-983 قتيلا، هذه أرقام مؤلمة لدولة صغيرة، لكنها ليست كارثية.

لكن نظرة فاحصة على خسائر الدبابات تروي قصة مختلفة، حيث تشير تقديرات الباحثين المستقلين إلى أن الجيش “الإسرائيلي” خسر ما لا يقل عن 160 دبابة من أصل 250-300 استخدمت في الجولان، أي ما نسبته 55-65% من قواته المدرعة في هذه الجبهة وحدها، ولو استمر القتال ليوم أو يومين إضافيين، لكان الذراع المدرع “الإسرائيلي” تضرر بشكل يصعب إصلاحه بسرعة.

أما الخسائر السورية، فتبقى مثار جدل، فالتقديرات تتراوح بين 500 و2,500 شهيد، وحوالي 600 أسير، لكن الأهم من الأرقام هو تدمير 200 دبابة سورية من أصل 300 كانت متمركزة في الجولان، فالسوريين خسروا ثلثي قوتهم المدرعة في يومين فقط.

حيوية الصراع: لماذا لم تكن الهزيمة كاملة؟

ربما السؤال الأعمق الذي يطرحه اليومان 9 و10 حزيران 1967 هو كيف قاتل الجندي السوري، رغم كل الفوضى القيادية، بتلك الشراسة في مواقع مثل تل الفخار؟

القوات السورية كانت تقاتل على منحدرات ترتفع 1000 متر عن المواقع الإسرائيلية، وتطل على بحيرة طبريا والمستوطنات الزراعية، وكانت خط الدفاع الأخير قبل دمشق.

الجندي الإسرائيلي كان يقاتل وهو يعلم أن لديه تفوقا جويا ودبابات حديثة، والدافع توسيع حدود الدولة، وليس الدفاع عن المنزل، وهذا الفرق النفسي يفسر لماذا كانت المعارك في الجولان أشد دموية من معارك سيناء، حيث تراجعت القوات المصرية بسرعة أكبر.

عندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الساعة 16:30 من يوم 10 حزيران، كانت الخريطة تغيرت للأبد.

سيطرت “إسرائيل” على 1200 كيلومتر مربع من الأراضي السورية، بما في ذلك هضبة الجولان بأكملها ومدينة القنيطرة، لكن الحرب لم تنته ذهنيا. فالقرار 242 الصادر في تشرين الثاني 1967 الذي نص على “عدم جواز اكتساب أراضي بالحرب”، ظل حجر الزاوية لأي تسوية مستقبلية.

بعد أكثر من خمسة عقود، لا تزال مرتفعات الجولان نقطة صراع محتدمة، فـ”إسرائيل” ضمتها رسميا في 1981 (وهو ضم لم يعترف به المجتمع الدولي)، وسوريا تصر على عودتها كاملة ضمن أي اتفاق سلام.

الذاكرة القتالية لتلك الأيام لا تزال حية في المؤسستين العسكريتين، فالقادة “الإسرائيليون” يدركون أن التفوق التكنولوجي لا يضمن سهولة المعركة في الجبال، والسوريون يدركون أن الانهيار السريع يمكن أن يتكرر إذا لم تصلح البنى القيادية.

معركة الجولان 1967 | قراءة استراتيجية تفاعلية

معركة الجولان | 9–10 حزيران 1967

عندما كاد «النصر الساحق» أن يتحول إلى كارثة استراتيجية: خسائر فادحة، تدمير الدبابات، ومقاومة شرسة في تل الفخار

قتلى إسرائيل (الجولان)
115
+306 جريح في يومين فقط
تقدير شهداء سوريا
500–2,500
تختلف التقديرات · نحو 600 أسير
دبابات إسرائيل مدمرة (الجولان)
~160
من أصل 250–300 (55–65%)
دبابات سورية مدمرة
200
من أصل 300 (ثلثا القوة المدرعة)

الخسائر البشرية (الجولان فقط)

دلالة استراتيجية: 115 قتيلاً إسرائيلياً في يومين (أعلى نسبة خسائر مقارنة بسيناء). المقاومة السورية في مواقع مثل تل الفخار كادت أن تغير مسار المعركة.

تدمير المدرعات · حافة الكارثة

درس قيادي: خسرت إسرائيل 55-65% من دباباتها في الجولان. لو استمر القتال 24-48 ساعة إضافية، لتعرض الذراع المدرع لأضرار يصعب إصلاحها فوراً.
تل الفخار — أشرس معارك حرب 1967
• استمر القتال 17 ساعة متواصلة (من مسافة صفر، قنابل يدوية وحراب).
• خسر لواء “جولاني” النخبوي 34 قتيلاً و113 جريحاً في هذا القطاع وحده.
• استشهد أكثر من 50 جندياً سورياً في الموقع نفسه، وأُسر 20 آخرون.
• لو تحركت الفرقة المدرعة الاحتياطية السورية في الوقت المناسب، لكانت النتيجة مختلفة.
استناداً إلى التحليل العسكري التاريخي: تدمير 160 دبابة إسرائيلية من أصل 250-300، و200 دبابة سورية من أصل 300. الخسائر البشرية الإسرائيلية المعترف بها في الجولان: 115 قتيلاً، 306 جرحى. الشهداء السوريون: تقديرات تتراوح بين 500 و2,500 (متوسط 1,200). وقف إطلاق النار صدر متأخراً، واستمرت إسرائيل في التقدم 24 ساعة إضافية لاحتلال القنيطرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *