في 12 حزيران 2026، رصدت مصادر ميدانية سورية وإقليمية 15 توغلاً برياً “إسرائيليا” في ريفي القنيطرة ودرعا خلال أسبوع واحد فقط.
معظم التحليلات السائدة تفسّر هذه التوغلات بدلالات عسكرية أو أمنية بحتة، من إنشاء منطقة عازلة، ومواجهة تمركز قوى إقليمية، أو اختبار قدرة الحكومة السورية الجديدة على الرد؛ لكن ماذا عن البعد المائي؟
ما يُظهره الواقع أن استهداف مناطق حوض اليرموك تحديداً ليس عملاً تكتيكياً عسكرياً، بل جزء من مشروع هيدرو-جيوسياسي منظم لإعادة رسم خرائط السيطرة على أحواض المياه العابرة للحدود، وتحويل التواجد العسكري إلى أداة لتحقيق تفوق هيدروليكي دائم، ضمن استراتيجية مائية “إسرائيلية” متواصلة منذ عقود.
المياه كأداة قوة
المقاربة التي يمكن وضعها في ضوء التوغلات “الإسرائيلية” مرتبطة بدراسة التنافس على الموارد بين المجموعات البشرية التي تعتبر المياه رهاناً للقوة، فالسيطرة عليها تعني التحكم بالتنمية والزراعة والطاقة والنمو الديموغرافي، ما يضمن ترسيخ القوة بشكل عميق.
المياه ليست مجرد سلعة أو حاجة حياتية، بل أداة للهيمنة الجغرافية تمارس بها دولة سيطرتها على جيرانها، إما بمنحها إياها (كأداة نفوذ سياسي) أو بحرمانها منها (كسلاح حرب)، فمنطق “الهيدرو-هيمنة” يفسر توجه أنظار الاحتلال نحو منابع اليرموك والجولان، وليس نحو أي مناطق حدودية أخرى.
التاريخ المائي للنزاع
لم تأتِ التوغلات الحالية من فراغ، في حلقة في سلسلة استراتيجيات مائية “إسرائيلية” تعود جذورها إلى ما قبل قيام “دولة الاحتلال”.
في مؤتمر باريس للسلام عام 1919، قدمت المنظمة الصهيونية العالمية مذكرة طالبت بضم هضبة الجولان ووادي الأردن، ونهر الليطاني إلى “الوطن القومي” المقترح، واصفةً هذه المناطق بأنها “ضرورية للأساس الاقتصادي للبلاد“.
وبحلول عام 1944 وضع المهندس الأمريكي والتر كلاي لودرميرك “خطة تحويل نهر الأردن واستصلاح الصحراء”، التي كانت الخريطة الفنية لامتلاك “مياه إسرائيل”، وبعد احتلال الجولان عام 1967، أجرت “إسرائيل” مسحاً مائياً ميدانياً شاملاً للثروة المائية في الهضبة؛ اكتشفت خلاله نحو مئة نبع مياه، واستغلتها فوراً لخدمة مشاريعها الاستيطانية والزراعية.
توفر هضبة الجولان المحتلة اليوم ما بين ثلث إلى 40% من احتياجات “إسرائيل” المائية، وهذا الرقم وحده يُظهر أن المياه كانت دائماً البعد الخفي خلف التمسك “الإسرائيلي” بالجولان، قبل أن يصبح البعد الأمني أو الديني هو الظاهر في الخطاب الرسمي.
حوض اليرموك في مرمى السيطرة
مع انهيار النظام السياسي السوري في كانون الأول 2024، انتهزت “إسرائيل” الفرصة لتطبيق إستراتيجيتها المائية على أرض الواقع، متجاوزة الجولان المحتل إلى عمق الأراضي السورية، وتكشف البيانات الموثقة الأمور التالية:
| عنصر السيطرة | تفصيل |
| سد المنطرة | استولى الاحتلال في كانون الثاني 2025 على أكبر سد في القنيطرة، يوجه المياه نحو 8 سدود أخرى في جنوب غرب سوريا. |
| سد الوحدة | على نهر اليرموك في درعا؛ يزود سوريا بـ 30% والأردن بـ 40% من مياههما العذبة سنوياً. |
| المنابع الرئيسية | الشيخ حسين، سد سحم الجولان، البكار الغربي، ومصادر المياه على طول اليرموك. |
| القواعد العسكرية | 9 قواعد ونقاط إسرائيلية خارج المنطقة العازلة، من جبل الشيخ إلى درعا، تيسّر الإشراف المباشر على شبكات المياه. |
| نسبة السيطرة | يقدّر خبراء أن نحو 40% من إجمالي الموارد المائية السورية تحت السيطرة الإسرائيلية غير القانونية. |
في مايو 2026 وحده، نفذت “إسرائيل” 84 توغلاً برياً في جنوب سوريا، معظمها في ريفي درعا والقنيطرة وتركّز في حوض اليرموك.
يوم 8 حزيران 2026 دخلت أربع آليات عسكرية إلى بلدة معرية في حوض اليرموك، واستولت آليتان على الطريق بين سعيدة في الجولان والبصالي في ريف القنيطرة الشرقي، مع إقامة حواجز تفتيش.
هذه الوقائع تشكل معادلة جديدة الأرض مقابل الماء.
الأردن في قلب العاصفة
الأردن الذي يعاني إجهاداً مائياً حاداً هو الأكثر تضرراً بالسيطرة الإسرائيلية على مياه جنوب سوريا:
- حصص اليرموك مهددة، فبموجب اتفاقية جونستون (1956)، كان للأردن حصة سنوية تبلغ 420 مليون م³ من اليرموك، بعد تخصيص 25 مليون م³ لـ”إسرائيل” و100 مليون م³ لسوريا، لكن التعديلات اللاحقة والسيطرة الإسرائيلية قلّصت هذه الحصة بشكل كبير.
- سد الوحدة لا يملأ، ومنذ اكتماله في 2007، لم يصل السد (سعة 225 مليون م³) إلى طاقته الكاملة؛ غالباً لا تتجاوز طاقته 20% من حجمه الافتراضي.
- انهيار التعاون المائي الأردني – “الإسرائيلي”، حيث كانت إسرائيل تزود الأردن سنوياً بـ50 مليون م³ بموجب اتفاقية السلام (1994)، وانتهى الاتفاق منذ ثلاثة أشهر ولم يُجدّد، بينما أعد والأردن خطة بديلة.
- منصة مائية أردنية-سورية جديدة؛ ففي كانون الأول 2025، أطلق الأردن وسوريا “المنصة المشتركة للمياه” لتعزيز التبادل المائي وتفعيل اتفاقيات 1953 و1987 غير المنفذة بالكامل، لكن التوغلات الإسرائيلية تجعل أي تعاون أردني-سوري أقرب إلى المستحيل .
لا تستهدف “إسرائيل” سوريا فقط؛ بل تهدد الأمن المائي الأردني أيضاً، وتفرض عليه واقعاً محدود الخيارات.
تلوث المياه كسلاح صامت
هناك بُعد آخر في الاستراتيجية “الإسرائيلية” يظهر في تلويث المياه منهجياً لجعلها غير صالحة للاستخدام البشري والزراعي، وإفراغ المنطقة من سكانها.
في تموز 2025 أعلنت وزارة الصحة “الإسرائيلية” عن نتائج مقلقة في فحص تلوث المياه بعد أخذ عينات في 2 نيسان 2025، حيث تجاوزت النتائج التوصيات الصحية المسموحة في عدد من الوديان.
ويعزى التلوث يُعزى إلى:
- المخلفات الصناعية والزراعية من المستوطنات “الإسرائيلية” في الجولان، الملقاة دون معالجة في الأودية المنبعثة من الأراضي السورية.
- رش المبيدات الكيماوية في المناطق الزراعية الحدودية، بهدف تدمير الغطاء النباتي ما يسبب تلوثاً في التربة والمياه الجوفية.
تلويث مورد طبيعي ليس ضرراً جانبياً، بل إستراتيجية حرب تهدف إلى إضعاف السكان المحليين اقتصادياً (تدمير الزراعة) وصحياً (تلوث مياه الشرب)، وخلق ظروف معيشية غير ملائمة تدفع السكان للنزوح.
عمليا فإن التلوث يعيد تعريف المنطقة كفضاء خاضع للسيطرة، ويمكن إعادة توطينه وفقاً للأهداف “الإسرائيلية”، وهذه الممارسات تنتهك القانون الدولي الإنساني لأنها تستهدف المدنيين عمداً.
البنية التحتية للتحكم المائي
بنت إسرائيل طريقاً عسكرياً استراتيجياً في ريف القنيطرة، يمر عبر المنطقة العازلة ويمتد إلى مناطق أعمق في سوريا.
يربط هذا الطريق بين المواقع العسكرية التسعة خارج المنطقة العازلة، بما فيها القواعد القريبة من السدود والينابيع الرئيسية، ويسهّل عمليات الصيانة والتفتيش الدورية على البنى التحتية المائية الخاضعة للسيطرة، كما أنه يمنع وصول المهندسين السوريين إلى السدود والمنشآت المائية لإجراء صيانة، ما يؤدي إلى تدهورها تدريجياً.
ويبدو أن الهدف النهائي تحويل حوض اليرموك إلى منطقة عازلة يمنع أي نشاط بشري فيها تحت ذريعة الأمن، بينما تستمر “إسرائيل” باستغلال مياهها عبر قنوات وآبار تدار من مواقعها العسكرية.
نحو هيدرو-هيمنة إسرائيلية كاملة
ما يجري في جنوب سوريا ليس مجرد توغلات عسكرية مؤقتة، بل مشروع استراتيجي طويل الأمد لإعادة توزيع الموارد المائية العابرة للحدود (اليرموك، روافد الأردن، المياه الجوفية الجبلية) لصالح “إسرائيل”، وعلى حساب سوريا والأردن.
تستخدم “إسرائيل” الأدوات العسكرية والبنى التحتية لفرض هيدرو-هيمنة مطلقة على حوض اليرموك، ليس فقط بمنع الوصول السوري والأردني، بل بجعله غير صالح للاستخدام أصلاً (عبر التلوث).
يذكر هذا المشهد بـ”حروب المياه في القرن الحادي والعشرين” التي حذر مختصو الصراعات على الموارد الطبيعية (وليس الأيديولوجيات أو الحدود)؛ بأنها ستكون مصدر الحروب الإقليمية مستقبلا.
الهيدرو-هيمنة الإسرائيلية في جنوب سوريا
التوغلات العسكرية والاستيلاء على الموارد المائية – حوض اليرموك وهدفه الجغرافي الاستراتيجي (بيانات حتى 12 حزيران 2026)

