يفرض اتفاق الإطار بين لبنان و”إسرائيل” نفسه بوصفه وثيقة سياسية وأمنية تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية، وتتعدى كونها خطوة تقنية على طريق إنهاء نزاع حدودي طويل.
الاتفاق كما ظهر في صيغته المعلنة، يعيد ترتيب ميزان القوة داخل لبنان نفسه، فلا يكتفي بوضع مسار لانسحاب “إسرائيلي” أو استعادة الدولة اللبنانية سيادتها على أراضيها، بل يربط هذا المسار بشرط داخلي بالغ الحساسية؛ نزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة، وفي مقدمتها حزب الله.
ينقل الاتفاق مركز النزاع من الجبهة الجنوبية إلى الداخل اللبناني، فالمشكلة لم تعد محصورة في الاحتلال أو الانسحاب أو الضمانات الأمنية، بل في سؤال من يملك حق استخدام القوة داخل لبنان، ومن يستطيع فرض هذا الحق، وبأي كلفة سياسية واجتماعية وأمنية.
عمليا هذه ليست مسألة إدارية يمكن حلها بملحق أمني أو لجنة مراقبة، بل عقدة تأسيسية في نظام لبناني هش قام منذ نهاية الحرب الأهلية على تسويات ناقصة أكثر مما قام على احتكار الدولة للعنف.
سلام من أعلى بلا قاعدة اجتماعية
تتمثل أولى نقاط الضعف في الاتفاق أنه مصنوعا من أعلى؛ بوصفه ترتيبا رسميا تقوده الحسابات الدبلوماسية والأمنية، من دون أن يظهر حتى الآن كنتاج تفاهم داخلي لبناني واسع.
هذه الفجوة بين التوقيع الرسمي والقبول الاجتماعي تجعل الاتفاق وثيقة قانونية قوية على الورق، وضعيفة في الميدان، ففي لبنان، لا يكفي أن تقبل الحكومة نصا أمنيا حتى يصبح قابلا للتنفيذ، لأن الدولة نفسها تعمل داخل بنية سياسية واجتماعية شديدة التعقيد، تجعل أي قرار سيادي عرضة لاختبارات داخلية قاسية.
أي اتفاق يمس سلاح حزب الله لا يلامس “تنظيما مسلحا”، بل يقترب من شعور جزء من اللبنانيين بأن هذا السلاح مرتبط بالحماية والهوية والمقاومة، في مقابل شعور جزء آخر بأنه سبب لاستمرار اختطاف الدولة وتعطيل السيادة.
يكمن الخطر في أن يتحول الاتفاق من مسار يفترض أن يخفف الانقسام إلى أداة تعيد إنتاجه داخليا، بحيث لا يعود جسرا نحو السلام، بل مرآة لانقسام لبناني مؤجل.
نزع السلاح: منطق الدولة أم شرارة الصدام؟
لا توجد دولة مستقرة من دون احتكار السلاح، لكن السؤال اللبناني لا يتعلق بالمبدأ بل بطريقة الوصول إليه.
الاتفاق يضع هدفا كبيرا في نزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة، غير أن تنفيذه في بيئة لبنانية منقسمة يحول المبدأ الصحيح إلى مسار عنف، فإذا طلب من الجيش اللبناني أن يتحرك بوصفه أداة تنفيذ لاتفاق تشارك “إسرائيل” والولايات المتحدة في مراقبته، سيدخل إلى موقع بالغ الخطورة.
الجيش هو آخر مؤسسة جامعة نسبيا في لبنان، فقوته في صورته العابرة للطوائف، وأي دفع له إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله أو بيئته يهدد هذه الصورة، ويفتح الباب أمام انقسامات داخلية، أو رفض ميداني، أو شلل مؤسسي.
الأخطر أن نزع السلاح، إذا فهم كإجراء أمني منفصل عن تسوية سياسية داخلية، ينتج عكس هدفه، فيتحول الضغط الخارجي إلى عامل تصلب واستقطاب، ويدفع بالسؤال اللبناني من حدود التهدئة إلى احتمال الانفجار الداخلي.
الانسحاب “الإسرائيلي” المشروط.. سيادة معلقة
يقدم الاتفاق وعدا باستعادة الأراضي اللبنانية وانسحاب “إسرائيل” تدريجيا، لكن هذا الوعد مشروط بإزالة التهديد وتفكيك البنى المسلحة.
لا يحدد الاتفاق بوضوح الجهة التي تملك حق تقرير نهاية التهديد، ولا المعايير التي تثبت تفكيك البنى المسلحة بالقدر الكافي، ما يترك الباب مفتوحا أمام تباين خطير بين قراءة “إسرائيلية” ترى الخطر مستمرا، وقراءة لبنانية تعتبر أن الالتزامات نفذت.
هذا النوع من الغموض يحول الانسحاب إلى سيادة معلقة، فمطلوب من لبنان إثبات قدرته على ضبط الداخل، بينما تحتفظ “إسرائيل” بهامش واسع لتقييم الخطر، ومن دون معايير دقيقة وملزمة، يصبح الاتفاق وسيلة لإدارة الاحتلال لا لإنهائه، أو لإعادة تعريفه تحت اسم “ترتيبات أمنية”.
النتيجة المحتملة أن يشعر اللبنانيون بأن دولتهم مطالبة بتقديم تنازلات داخلية مؤلمة مقابل انسحاب غير مضمون، ما يمنح خصوم الاتفاق مادة تعبئة قوية، فلبنان مطالب بتفكيك جزء من توازن قوته الداخلي قبل أن يحصل على ضمانة حقيقية بإنهاء الوجود الإسرائيلي.
خطر الحرب الأهلية.. ليس تهديدا خطابيا فقط
التحذير من حرب أهلية لا ينبغي التعامل معه كخطاب تهويلي، فاحتمال انزلاق لبنان إلى العنف عبر تراكم احتكاكات محدودة لا تبدو في بدايتها كافية لإشعال مواجهة واسعة، لكنها في بيئة متوترة قادرة على استدعاء ذاكرة الحرب ودفعها إلى الحاضر.
الحرب الأهلية الجديدة، إن وقعت، لن تستعيد بالضرورة صورة حرب 1975، بل ربما تظهر بصيغة أكثر تشظيا وأقل قابلية للضبط، حيث يتآكل حضور الدولة تدريجيا لمصلحة العنف المحلي وشبكات السلاح والخوف، ومثل هذا السيناريو لا يحتاج إلى إعلان حرب، بل إلى فشل متراكم في إدارة الانقسام.
ما يزيد الخطر أن الاتفاق يمس ثلاث حساسيات في وقت واحد؛ السلاح والسيادة والهوية الطائفية، وهذه العناصر، حين تجتمع في بلد ضعيف اقتصاديا ومؤسسيا، تتحول إلى خليط شديد الاشتعال.
الإقليم: لبنان كساحة تصفية حسابات
لا يقف الاتفاق عند الحدود اللبنانية، فهو جزء من صراع إقليمي أوسع حول إيران و “إسرائيل” والوجود الأميركي في الشرق الأوسط.
لن يقرأ الاتفاق في طهران أو لدى حلفائها كترتيب لبناني داخلي، بل كحلقة في محاولة أوسع لتقليص نفوذ إيران، كما سيقرأ في إسرائيل كفرصة لتثبيت معادلة أمنية جديدة بعد حرب مكلفة.
عمليا لبنان يدفع ثمن حسابات لا يملك مفاتيحها، فإذا تعثرت المفاوضات الأميركية الإيرانية، أو وقع تصعيد في غزة أو سوريا أو العراق، يتحول الاتفاق إلى ورقة ضغط إضافية، وإذا شعرت إيران أن خسارة حزب الله عسكريا تعني خسارة إحدى أهم أدوات الردع الإقليمي، فستفضل تعطيل الاتفاق على السماح بتنفيذه بسلاسة.
وفق هذا التصور يصبح لبنان مجددا ساحة لا فاعلا، وهذا أخطر ما في الاتفاق، لأنه يحمل وعودا بإعادة السيادة، لكنه يربط هذه السيادة بتوازنات إقليمية متحركة لا يستطيع لبنان التحكم بها.
السلام الذي لا يرى المجتمع لا يعيش
المشكلة في اتفاق الإطار ليست أنه يسعى إلى إنهاء الحرب أو استعادة الدولة سلطتها، بل يحاول الوصول إليها عبر هندسة أمنية فوقية، في بلد لا تزال ذاكرة الحرب فيه حاضرة، وثقة الجماعات بالدولة ناقصة، وحدود الداخل والخارج مختلطة.
يحتاج لبنان إلى مسار وطني مواز لا يقل أهمية عن المسار الأمني؛ يربط استعادة السيادة بتفاهم داخلي واسع، ويمنع تحويل تنفيذ الاتفاق إلى أداة ضغط على فئة لبنانية أو إلى تفويض مفتوح لـ”إسرائيل” في تحديد شروط الانسحاب.
السلام الحقيقي لا يصنعه التوقيع و لا التنازل للعدو، بل شعور الناس بأنهم ليسوا مهزومين داخله، وإذا لم ينتج الاتفاق هذا الشعور، يتحول من فرصة لإنهاء الحرب مع “إسرائيل” إلى باب جديد لحرب اللبنانيين مع أنفسهم.

