يمثل مجلس الشعب السوري الجديد محاولة من السلطة الانتقالية لصناعة واجهة تمنح المرحلة مظهرا تمثيليا، دون دليل على انتقال فعلي نحو مشاركة سياسية واسعة.
المؤسسة التي تقدم بوصفها خطوة باتجاه إعادة بناء الحياة العامة، تولد منذ لحظتها الأولى محاطة بسؤال جوهري؛ هل تعكس إرادة المجتمع، أم تعيد ترتيب السلطة داخل قالب برلماني جديد؟
الإعلان عن مجلس من 210 أعضاء، يأتي ثلثاه عبر هيئات ناخبة محلية ويعين الرئيس الثلث الباقي، يكشف بنية سياسية هجينة تمزج بين الانتقاء والتمثيل المحدود، وهذه الصيغة تمنح البلاد إطارا مؤسسيا بعد فراغ طويل، لكنها تضعف في الوقت نفسه جوهر الفكرة البرلمانية القائمة على التفويض الشعبي المباشر.
حين لا يكون المواطن هو الناخب الأصلي، وتملك السلطة التنفيذية حق تعيين ثلث المجلس، يصبح البرلمان أقرب إلى مؤسسة انتقال مدارة من الأعلى منه إلى سلطة تشريعية نابعة من المجتمع، ولا يتعلق السؤال بشكل المجلس أو عدد أعضائه فقط، بل بمصدر شرعيته، وحدود استقلاله، ومدى قدرته على مراقبة سلطة شاركت أساسا في تشكيله.
الانتقال بوصفه منطقة رمادية
تظهر أهمية قراءة مجلس الشعب الجديد من زاوية حذرة لا تفترض أن سقوط النظام القديم يعني ولادة ديمقراطية جديدة.
التجارب الانتقالية تنتج غالبا منطقة وسطى، تظهر فيها مؤسسات جديدة وخطاب إصلاحي وانفتاح محدود، بينما يبقى مركز القرار قادرا على ضبط قواعد المشاركة وحدودها.
لا تكون المشكلة في وجود البرلمان، بل في طريقة إنتاجه ووظيفته السياسية، فالمؤسسة تتحول إلى وسيلة لإعادة ترتيب السلطة داخل قالب أكثر قبولا، مجلس الشعب السوري الجديد يقع في قلب هذه المعضلة، لأنه يملأ فراغا مؤسسيا حقيقيا، لكنه يتشكل عبر آلية تبقي للسلطة التنفيذية تأثيرا مباشرا في تركيبته، سواء عبر الهيئات الناخبة المحدودة أو عبر تعيين ثلث أعضائه.
لا يكفي النظر إلى المجلس بوصفه علامة على عودة الحياة البرلمانية، بل ينبغي اختباره من زاوية أعمق، فهل يفتح طريقا نحو تفويض شعبي مباشر وقواعد سياسية أوسع، أم يمنح المرحلة الانتقالية غطاء مؤسسيا من دون نقل فعلي لمصدر السلطة؟
المجلس بين الضرورة السياسية والشرعية الشعبية
تستند السلطة الانتقالية إلى حجة عملية في تبرير الآلية غير المباشرة، فآثار الحرب جعلت تنظيم اقتراع عام مباشر مهمة شديدة التعقيد، لكنها حجة تفسر الاستثناء ولا تمنحه، وحدها، شرعية سياسية مكتملة.
هذه الحجة تفسر جانبا من اللجوء إلى هيئات ناخبة محلية، لكنها لا تكفي وحدها لمنح العملية شرعية ديمقراطية مكتملة لا تبنى فقط على صعوبة الظرف، بل على وضوح الطريق الذي ينقل البلاد من الاستثناء إلى القاعدة، ومن التعيين والانتقاء إلى الاقتراع العام والمنافسة المفتوحة.
جوهر الإشكال في المجلس الجديد في طبيعة الناخب، فالمواطن السوري لا يختار ممثله مباشرة، بل تختار هيئات ناخبة محدودة ثلثي الأعضاء، بينما يعين الرئيس الثلث الأخير، هذه الصيغة تجعل العملية انتخاب داخل نخبة محلية مختارة.
الاقتراع السري داخل الهيئات يمنح الإجراء شكلا انتخابيا، لكن السؤال الأسبق يبقى حاسما، فمن اختار أعضاء هذه الهيئات؟ كلما غابت الشفافية الكاملة في تشكيل الجسم الناخب، تراجعت قدرة المجلس على الادعاء بأنه يعكس الإرادة العامة لا إرادة شبكات منتقاة بعناية.
الثلث الرئاسي ومعادلة القوة
تعيين 70 عضوا من أصل 210 يمنح السلطة التنفيذية وزنا مباشرا داخل المؤسسة التشريعية، وهذه النسبة عنصر بنيوي في توازن السلطة.
في البرلمانات الديمقراطية، يتأسس التفويض التشريعي على أصوات الناخبين، بينما تأتي الحكومة عادة نتيجة هذا التفويض أو خاضعة لرقابته، في الحالة السورية، يبدأ جزء كبير من المجلس من قرار رئاسي مباشر، ما يجعل العلاقة بين البرلمان والرئاسة علاقة مقلوبة جزئيا، فالمجلس يستطيع أن يؤدي دورا انتقاليا، لكنه سيواجه صعوبة في ممارسة رقابة قوية على سلطة كان لها دور حاسم في تشكيله.
من جانب آخر، فإن توزيع المقاعد بين المحافظات، وحضور النساء، وتمثيل المكونات والمناطق الطرفية، كلها عناصر تحدد صورة المجلس أمام السوريين.
التعيينات الرئاسية حسنت تمثيل بعض الفئات رقميا، لكنها فعلت ذلك من أعلى، لا من خلال ضمانات انتخابية مستقرة، فالتمثيل الحقيقي لا يتحقق بمجرد إضافة أسماء من خلفيات مختلفة، بل عبر قواعد تسمح لهذه الخلفيات بأن تصل بقوتها السياسية والاجتماعية، وأن تحاسب من يمثلها.
حين يصبح التنوع نتيجة قرار مركزي، يبقى قابلا للتعديل أو التراجع بقرار مركزي آخر، ما يجعل الحاجة إلى قواعد ملزمة تضمن مشاركة النساء والمكونات والمناطق في أي قانون انتخابي لاحق.
السويداء واختبار الأطراف
تأجيل مقاعد السويداء، أو بقاء تمثيل بعض المناطق مرهونا بالظروف الأمنية والسياسية، يطرح سؤال الدولة الانتقالية وقدرتها على إدماج الأطراف.
البرلمان في المراحل الانتقالية لا يؤدي وظيفة تشريعية فقط، بل يرسل رسالة رمزية حول من هو داخل العقد السياسي الجديد ومن بقي خارجه، ومعالجة الفراغ بالتعيين الجزئي تمنح حضورا شكليا، لكنها لا تعوض عن مشاركة محلية فعلية.
إدماج المناطق المتوترة يحتاج إلى مسار سياسي واضح، وضمانات أمنية، وحوار محلي، لا إلى مقاعد تملأ من المركز فقط.
مخاطر المؤسسة المؤقتة
تحتاج المراحل الانتقالية إلى مؤسسات مؤقتة، لكن الخطر يظهر حين تتحول إلى نظام حكم طويل.
المجلس الجديد يستطيع أن يكون جسرا نحو انتخابات عامة، كما يستطيع أن يتحول إلى واجهة تمنح القرارات غطاء تشريعيا من دون نقل حقيقي للسلطة، ومعيار الحكم عليه لن يكون في عدد الجلسات أو كثافة التشريع، بل في ما إذا كان سيستخدم موقعه لتفكيك منطق المرحلة الاستثنائية، أم سيحولها إلى إطار قانوني جديد يمنح السلطة التنفيذية غطاء مؤسسيا أوسع.
كلما اقترب المجلس من هذه الملفات بجدية، زادت قيمته الانتقالية. وكلما اكتفى بإدارة المرحلة وفق قواعدها الحالية، تحول إلى مؤسسة تثبيت لا مؤسسة عبور.
الشرعية بين الاستقرار والمشاركة
تبحث السلطة الجديدة عن الاستقرار، وهو في المراحل الانتقالية لا يصمد إذا بني على تضييق المشاركة.
الشرعية التي تنتجها المؤسسات المغلقة تبقى قصيرة الأمد، لأنها تعتمد على قبول اضطراري لا على تفويض واضح، فالسوريون لا يحتاجون إلى مؤسسة تحمل اسم البرلمان فقط، بل إلى مسار يثبت أن المرحلة الانتقالية ليست غطاء مؤقتا لإعادة توزيع السلطة، و طريق واضح نحو تفويض شعبي أوسع يمنع عودة الاحتكار السياسي بواجهة جديدة.
يكشف مجلس الشعب السوري الجديد طبيعة اللحظة الانتقالية بكل تناقضاتها، فهو يملأ فراغا مؤسسيا واضحا، لكنه يولد من آلية لا تمنحه شرعية تمثيلية مكتملة، حيث جاء عبر مزيج من الهيئات الناخبة المحدودة والتعيين الرئاسي، بما يجعل مصدر التفويض موضع مساءلة منذ البداية.
يحمل المجلس إمكانية تنظيم المرحلة الانتقالية إذا استخدم موقعه لفتح المجال العام وتأسيس قواعد انتخابية أكثر عدالة، غير أن طريقة تشكيله تجعله أقرب إلى مؤسسة انتقال مضبوطة من الأعلى منه إلى برلمان نابع من اقتراع شعبي مباشر، والخطر الأساسي في أن يتحول الشكل المؤقت إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة عبر التعيين والانتقاء وتأجيل المشاركة العامة.
بهذه الآلية، يصعب تقديم المجلس بوصفه علامة على ديمقراطية تمثيلية، لأنه نشأ من تفويض محدود لا من اقتراع عام مباشر، فالبرلمان لا يكتسب شرعيته من اسمه أو من انتظام جلساته، بل من مصدر التفويض الذي يمنحه حق الكلام باسم الناس.
مجلس الشعب السوري الجديد: مؤسسة انتقالية أم هندسة للشرعية؟
توزيع الأعضاء حسب آلية الاختيار
الثلثان منتخبان عبر هيئات ناخبة محلية، والثلث معين بقرار رئاسي مباشر.
نسبة المعينين مقابل المنتخبين
الهيمنة الرئاسية عبر التعيين المباشر تضعف استقلالية المجلس.
تمثيل النساء في المجلس
حضور النساء رقمياً لا يعوض عن غياب التمثيل الشعبي المباشر.
المجلس يملأ فراغاً مؤسسياً، لكن طريقة تشكيله (الهيئات الناخبة المحدودة + التعيين الرئاسي) تجعله أقرب إلى هندسة للشرعية منه إلى برلمان نابع من إرادة شعبية. الثلث الرئاسي يمنح السلطة التنفيذية تأثيراً مباشراً، مما يضعف قدرة المجلس على الرقابة ويمثل معضلة انتقالية حقيقية.

