ماذا تكشف الأرقام عن مجلس الشعب السوري الجديد؟

لا تقول أرقام مجلس الشعب السوري الجديد كل شيء عن السياسة، لكنها تكشف كثيرا مما تخفيه اللغة الرسمية.

عند التعامل مع تركيبة المجلس كقاعدة بيانات لا كبيان سياسي، تظهر صورة أكثر وضوحا، فنحن أمام مؤسسة انتقالية مصممة على توازن ظاهري بين الانتخاب غير المباشر والتعيين الرئاسي، لكنها تحمل في داخلها تفاوتات مهمة في التمثيل الجغرافي والسياسي، وتكشف عن فجوة بين العدد القانوني للمقاعد والعدد الفعلي للأعضاء.

بحسب المعطيات الواردة، يتكون المجلس اسميا من 210 مقاعد، منها 140 مقعدا يفترض أن تملأ عبر هيئات ناخبة محلية، و70 مقعدا يعينها رئيس الجمهورية، وتبدو المعادلة واضحة؛ ثلثان عبر مسار انتخابي غير مباشر، وثلث عبر التعيين.

غير أن إدخال المقاعد الشاغرة في الحساب يغير الصورة نسبيا، فبقاء ثلاثة مقاعد مخصصة للسويداء شاغرة يخفض العدد الفعلي للأعضاء إلى 207، ويجعل مقاعد التعيين الرئاسي تمثل 33.82% من المجلس القائم فعليا، بدلا من 33.33% في التصميم الاسمي.

هذه الزيادة تبدو محدودة حسابيا، لكنها ذات دلالة سياسية، ففي مؤسسة انتقالية لا تقوم على اقتراع عام مباشر، يصبح كل تغير في الوزن النسبي للتعيين مؤثرا في قراءة الشرعية والتمثيل، فالمجلس لا يستمد كامل تشكيله من ناخبين عموميين، بل من هيئات ناخبة مختارة مسبقا، ما يعني أن الثلثين الموصوفين انتخابيا لا يساويان بالضرورة تمثيلا شعبيا مباشرا بالمعنى الديمقراطي التقليدي.

أما عند تفكيك التوزيع الجغرافي، تظهر حلب باعتبارها الكتلة الأكبر داخل المجلس، إذ تحصل على 46 مقعدا من أصل 210، أي نحو 21.9% من إجمالي المقاعد الاسمية، ما يعني أن محافظة واحدة تمتلك أكثر من خمس المجلس.

بعدها تأتي حمص بـ18 مقعدا، ثم ريف دمشق وحماة والحسكة وإدلب بـ17 مقعدا لكل منها، ودير الزور بـ16 مقعدا، ودمشق بـ15 مقعدا.

في المقابل، تحصل القنيطرة والسويداء على خمسة مقاعد لكل منهما اسميا، مع فارق جوهري هو أن حصة السويداء الفعلية لا تتجاوز مقعدين بسبب شغور المقاعد الثلاثة الأخرى.

تزداد الصورة حساسية عند قياس نسبة التعيين الرئاسي داخل كل محافظة، فالحسكة تسجل أعلى نسبة تعيين داخل حصتها، إذ يشكل المعينون سبعة من أصل 17 مقعدا، أي 41.18%، وتقترب منها السويداء والقنيطرة ودرعا بنسبة 40% اسميا، بينما تبلغ النسبة في دير الزور 37.5%، وفي اللاذقية 36.36%.

أما حلب، رغم كونها الكتلة الأكبر، فتبلغ نسبة التعيين فيها 30.43% فقط، فأثر التعيين الرئاسي لا يتوزع بالتساوي بين المحافظات، بل يرتفع في محافظات محددة وينخفض في أخرى.

تبقى السويداء الحالة الاستثنائية في المعالجة الرقمية، فالمحافظة مخصصة لها خمسة مقاعد اسميا، ثلاثة عبر الهيئات الناخبة واثنان بالتعيين، ولكن مع عدم إجراء الانتخابات فيها، يصبح تمثيلها الفعلي محصورا بمقعدين معينين فقط، فنسبة الشغور داخل حصة السويداء 60%، بينما تبلغ نسبة التعيين ضمن تمثيلها القائم حاليا 100%.

هذه ليست مجرد ملاحظة إحصائية، بل مؤشر على خلل تمثيلي مؤقت لكنه عميق، لأن محافظة كاملة لا تزال ممثلة فعليا عبر قرار رئاسي لا عبر المسار الانتخابي غير المباشر نفسه.

في ملف النساء، تكشف معالجة البيانات فجوة أوضح بين مسار التعيين ومسار الاختيار عبر الهيئات الناخبة، فضمت قائمة التعيينات الرئاسية 15 امرأة من أصل 70 عضوا، أي 21.43% من الثلث المعين.

وبعد اكتمال التشكيل، تراوح العدد الإجمالي للنساء في المجلس بين 21 و22 امرأة، وفق اختلاف المصادر، ما يعني أن عدد النساء اللواتي وصلن عبر الهيئات الناخبة لا يتجاوز 6 إلى 7 نساء فقط، وباحتساب المقاعد المختارة فعليا عبر هذه الهيئات، البالغة 137 مقعدا بعد شغور مقاعد السويداء الثلاثة، فإن تمثيل النساء في هذا المسار لا يتعدى تقريبا 4.4% إلى 5.1%. لذلك لا تبدو التعيينات الرئاسية مجرد إضافة عددية، بل آلية عوضت جزئيا ضعف حضور النساء في المسار الانتخابي غير المباشر، من دون أن تعالج أصل الخلل في بنية التمثيل نفسها.

تكشف معالجة المعطيات أن المجلس ليس مجرد رقم كلي من 210 مقاعد، بل بنية مركبة من سويات؛ مقاعد غير مباشرة، ومقاعد معينة، ومقاعد شاغرة، ومحافظات متفاوتة الوزن.

وتبدو خلاصته الأساسية أن المجلس يمثل محاولة لملء فراغ مؤسساتي في لحظة انتقالية، لكنه لا يقدم نموذجا للتمثيل الديمقراطي، فالأرقام تؤكد أن السلطة التنفيذية تملك أثرا مباشرا لا يقل عن ثلث المجلس، وأن بعض المحافظات تتأثر بهذا الأثر أكثر من غيرها، وأن شغور السويداء يخلق اختلالا واضحا بين التصميم القانوني والواقع الفعلي.

لا تنفي المعطيات وجود مؤسسة تشريعية جديدة، لكنها تمنع التعامل معها كبرلمان منتخب بالمعنى الكامل، فالمجلس صيغة انتقالية مضبوطة، تجمع بين انتخاب غير مباشر وتعيين واسع، وتحتاج شرعيتها المقبلة إلى ثلاثة اختبارات واضحة:

  • استكمال المقاعد الشاغرة.
  • إعلان معايير اختيار الهيئات الناخبة بشفافية.
  • الانتقال لاحقا إلى اقتراع عام مباشر يمنح المواطن موقع الناخب الأصلي، لا موقع المتفرج على هيئة تختار باسمه.

ماذا تكشف الأرقام عن مجلس الشعب السوري الجديد؟

210 المقاعد الاسمية
207 المقاعد الفعلية (بعد الشواغر) 3 مقاعد شاغرة (السويداء)
33.82% نسبة التعيين من العدد الفعلي 70 معيناً من 207
21-22 إجمالي العضوات 15 منهن معينات (21.43%)
46 أكبر كتلة (حلب) 21.9% من المجلس

توزيع المقاعد: منتخبون vs معينون

المقاعد الفعلية 207 بسبب شغور 3 مقاعد في السويداء

المقاعد حسب المحافظة (الاسمية)

حلب الأكبر بـ46 مقعداً، والسويداء بها شغور 3 مقاعد

نسبة التعيين الرئاسي داخل كل محافظة

الحسكة الأعلى (41.18%)، حلب الأدنى (30.43%)، والسويداء 100% من المقاعد الفعلية

تمثيل النساء: التعيين مقابل الانتخاب

التعينات الرئاسية عوضت ضعف حضور النساء في المسار الانتخابي (4.4-5.1%)

الخلاصة الرقمية: المجلس مؤسسة انتقالية مضبوطة، تمنح السلطة التنفيذية أثراً مباشراً (33.82% من العدد الفعلي). التفاوت الجغرافي واضح (حلب 21.9%، والسويداء ممثلة بمقعدين معينين فقط). تمثيل النساء يعتمد بشكل كبير على التعيين (15 من 21-22 عضوة)، مما يكشف عن فجوة في المسار الانتخابي غير المباشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *