أعاد تأجيل الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري، التي كانت مقررة في 6 تموز 2026، فتح سؤال المؤسسة التشريعية قبل أن تبدأ عملها.
عمليا أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب تأجيل الجلسة إلى موعد يحدد لاحقا، بعدما دعت الأعضاء سابقا إلى الاجتماع في مقر المجلس بدمشق عند الساعة الثانية عشرة ظهرا، وجاء القرار بعد أيام قليلة من اكتمال تسمية أعضاء المجلس الجديد، بعد صدور مرسوم الرئيس أحمد الشرع رقم 143 لعام 2026، المتضمن تسمية الأعضاء بمن فيهم الثلث المكمل.
هذا التأجيل يحمل معنى أبعد من تعديل تقني في جدول العمل، الدولة الانتقالية وجدت نفسها أمام امتحان التوقيت والإجراءات الرمزية، فالجلسة الأولى لأي برلمان جديد ليست اجتماعا بروتوكوليا فقط، بل لحظة إعلان عن انتقال السلطة التشريعية من النصوص والمراسيم إلى قاعة سياسية محددة، فيها أعضاء، وقسم، ورئاسة مجلس، ولجان، وجدول تشريعي.
البرلمان كخريطة للسلطة
تتضح أهمية الحدث من تركيبة المجلس نفسه، فمجلس الشعب الجديد يتألف من 210 أعضاء، اختير ثلثاه عبر هيئات انتخابية محلية، بينما عين الرئيس أحمد الشرع 70 عضوا لاستكمال التشكيلة.
تفتح هذه الصيغة الباب أمام انعقاد مجلس مكتمل عدديا، لكنها تكشف طبيعة التوازن الذي يحكم المرحلة الانتقالية، فالسلطة التنفيذية تمسك بمفاتيح التشكيل، والمؤسسة التشريعية تولد داخل هامش محسوب من الاستقلال السياسي.
وفق هذا الشكل يصبح المجلس خريطة سياسية مصغرة لسوريا الانتقالية، فالمقاعد لا تعكس فقط أسماء نواب، بل توازنات المركز والمحافظات، وموقع القوى المحلية داخل العملية، وحدود حضور المناطق الهامشية، والعلاقة الحساسة بين مطلب التمثيل ومقتضيات الضبط السياسي.
أي خلل في هذه الخريطة يتحول مباشرة إلى سؤال عن شرعية المؤسسة.
سلطة دمشق تريد مؤسسة قابلة للعرض
تحتاج السلطة الجديدة إلى مجلس شعب لثلاثة أسباب رئيسية:
- الأول داخلي، لأن إدارة البلاد بالمراسيم واللجان وحدها تجعل الانتقال مفتوحا على الاعتراض.
- الثاني خارجي، لأن الانفتاح الدولي على سلطة دمشق أكثر يحتاج واجهة دستورية وتشريعية يمكن التفاوض معها.
- السبب الثالث اقتصادي، لأن إعادة الإعمار والاستثمار ورفع العقوبات تحتاج قوانين واضحة، لا مجرد تعهدات سياسية.
الإخبارية السورية أوضحت أن قرار التأجيل حمل الرقم 40 لعام 2026، واستند إلى الإعلان الدستوري والمراسيم النافذة وعبارة مقتضيات المصلحة العامة.
هذه العبارة تكفي قانونيا لإعلان التأجيل، لكنها تترك فراغا سياسيا في تفسيره، لأن غياب الشرح التفصيلي في لحظة تأسيسية يدفع إلى قراءة القرار كإشارة عن وجود ترتيبات لم تنضج بعد داخل بنية الحكم.
في خلفية هذا الفراغ، ظهرت “التعليمات التنفيذية للجلسة الأولى”، وفق مصادر إعلامية، كأحد مفاتيح فهم التأجيل، ونقلت النقاش من مسألة الموعد إلى مسألة الجهة التي تدير لحظة التأسيس، فالتعليمات منحت رئيس اللجنة العليا دورا واسعا في افتتاح الجلسة وتلاوة أسماء الغائبين والدعوة إلى القسم وكلمة الرئيس، بينما يتجه منطق النصوص الدستورية والانتخابية إلى تسليم رئاسة الجلسة إلى أكبر الأعضاء سنا حتى انتخاب رئيس المجلس.
وضعت “التعليمات” اللجنة التي أشرفت على تشكيل المجلس في موقع إدارة الجزء الأول من جلسته المؤسسة.
بعد صدور مرسوم تسمية الأعضاء، كان يفترض أن تنتقل السلطة الإجرائية تدريجيا من اللجنة إلى المجلس، وأن تبدأ المؤسسة التشريعية ممارسة حضورها من لحظة القسم، وأصبح الخلاف على ترتيب الجلسة اختبارا مبكرا لمكانة المجلس أمام الجهة التي صممت مساره الانتخابي وأدارت مراحله السابقة.
الجغرافيا قبل الدستور
تبدأ قراءة هذا الأمر من الأرض، وليس من النص وحده، فسوريا الخارجة من الحرب ليست كتلة سياسية متجانسة، فالسيطرة المركزية تتقدم في مناطق، وتتفاوض في مناطق، وتتعثر في أخرى.
البرلمان الجديد يصبح اختبارا لمدى قدرة سلطة دمشق على تحويل السيطرة العسكرية والإدارية إلى تمثيل سياسي مقبول.
يقدم ملف السويداء المثال الأوضح على مأزق التمثيل في سوريا الانتقالية، فالمحافظة حضرت في التشكيلة عبر مقاعد معينة، لكنها بقيت سياسيا خارج المسار الانتخابي الكامل، نتيجة هشاشة الوضع الأمني وتراجع حضور الدولة بعد اشتباكات عام 2025 التي أوقعت قرابة 1700 قتيل.
المشكلة تتصل بقدرة المركز على تحويل التعيين إلى تمثيل فعلي داخل بيئة محلية شديدة الحساسية تجاه السلطة.
تختصر هذه النقطة مأزق الانتقال السوري، فالسلطة تستطيع تعيين شخصيات من منطقة مضطربة، لكنها تحتاج سيطرة سياسية وأمنية واجتماعية كي يصبح التمثيل مقنعا، فالمقعد المعين يعالج الشكل، بينما تحتاج الشرعية إلى علاقة فعلية بين النائب والبيئة المحلية التي يتحدث باسمها.
الثلث المكمل وحدود الاستقلال
يعطي تعيين ثلث المجلس للرئيس قدرة واضحة على ضبط التوازنات، فالسلطة تستطيع من خلال هذا الثلث معالجة نقص تمثيل النساء، وإضافة أسماء من أقليات أو مناطق حساسة، وإدخال شخصيات تكنوقراطية أو رمزية، فالمعينون شملوا 15 امرأة، ما رفع العدد الإجمالي للنساء إلى 21، بعد انتقادات للنتائج الأولية بسبب ضعف حضور النساء والأقليات.
هذا التصحيح يحمل وجها مزدوجا، فيظهر قدرة الرئاسة على ترميم اختلالات العملية غير المباشرة، ومن جهة أخرى، يكرس اعتماد التوازنات على القرار الرئاسي بدل أن تنتجها آلية انتخابية مستقرة.
دخول سبعة من أعضاء اللجنة العليا إلى المجلس ضمن القائمة المكملة زاد حساسية هذه النقطة، لأنه جعل الجهة التي أدارت العملية جزءا من المؤسسة الناتجة عنها، فالمجلس يولد بفضل قرار سياسي مركزي، ثم يطلب منه أن يؤدي دور سلطة تشريعية مستقلة نسبيا.
هذا التناقض سيرافق كل نقاش لاحق حول القوانين، والرقابة، والموازنات، والعدالة الانتقالية.
مجلس مؤقت في دولة غير مكتملة
تضع المرحلة الانتقالية المجلس داخل زمن سياسي محدود، فمدة عمله المحصورة بثلاثين شهرا تجعل منه مؤسسة عبور لا مؤسسة استقرار نهائي.
ومن بين مهامه الأساسية إنتاج قانون انتخابي جديد يمهد لانتخابات لاحقة، أي أن المجلس لا يكتفي بممارسة التشريع خلال المرحلة الانتقالية، بل يشارك في رسم القواعد التي ستحدد شكل التمثيل السياسي بعدها.
تتضاعف حساسية دور المجلس مع الخلاف على تفاصيل جلسته الأولى، فالنظام الانتخابي المؤقت وضع كلمة رئيس الجمهورية في الجلسة الثانية بعد دعوة يوجهها رئيس المجلس المنتخب، بينما قدمتها التعليمات التنفيذية إلى ما قبل انتخاب مكتب المجلس.
الفارق يتجاوز الترتيب الزمني، لأنه يحدد الجهة التي تتحدث باسم المؤسسة، فهي هي لجنة تدير المشهد من خارجه، أم رئاسة منتخبة تنطق باسم الأعضاء بعد اكتمال ولادة المجلس؟
ويمتد الإشكال إلى تركيبة المكتب وآلية انتخابه، بين صيغة الإعلان الدستوري التي تتحدث عن رئيس ونائبين وأمين سر، وصيغة النظام الانتخابي التي تتحدث عن رئيس ونائب واحد وأميني سر، إضافة إلى اعتماد معيار “أعلى عدد من الأصوات الصحيحة”، بما يسمح بفوز رئيس للمجلس بأكثرية نسبية من دون أغلبية واضحة أو جولة ثانية أو آلية لحسم التعادل.
لا تبدو التفاصيل إجرائية فقط، بل تحدد منذ البداية مركز القرار داخل المؤسسة التشريعية، فالتأجيل يضع مؤسسة مؤقتة تحتاج انطلاقة قوية أمام بداية مرتبكة قبل القسم، وفي السياسة الانتقالية يصبح الزمن جزءا من الشرعية، بينما يدفع التأخير غير المفسر الجمهور إلى قراءة المجلس كامتداد لإدارة فوقية أكثر من كونه تعبيرا عن انتقال سياسي مكتمل.
الخارج يراقب شكل الدولة
يراقب الخارج السوريين من زاويتي الاستقرار والحوكمة، فالعواصم الغربية والإقليمية تريد شريكا قادرا على ضبط الأمن، لكنها تحتاج أيضا مؤسسات تمنح التعاون معه غطاء سياسيا وقانونيا.
صحيفة فايننشال تايمز ربطت اكتمال المجلس بانتقال سوريا إلى مسار تشريعي جديد، مع توقعات بأن يتعامل المجلس مع قوانين حرية التعبير والعدالة الانتقالية والاستثمار، إلى جانب مخاوف من ضعف الاستقلال السياسي وتمثيل المكونات.
وفق هذا المعيار يتجاوز التأجيل حدود سلطة دمشق، فالمانحون والمستثمرون والدبلوماسيون يقرأون كل تفصيل مؤسسي كدليل على قدرة الدولة على إنتاج قرار قابل للتوقع، والمجلس المؤجل يعني أن عملية بناء الدولة ما زالت مرتبطة بتقديرات مركزية مغلقة، لا بروزنامة مؤسساتية مستقرة.
التأجيل كإنذار مبكر
يكشف تأجيل الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري أن الانتقال السياسي دخل مرحلة أكثر تعقيدا من مرحلة تشكيل القوائم.
السلطة استطاعت إنتاج مجلس كامل رقميا، لكنها تواجه امتحان تحويله إلى مؤسسة ذات وظيفة سياسية قابلة للتصديق، لا مجرد بنية تم اختيارها ومضبوطة من المركز ومفصولة عن شروطها المحلية.
الجلسة المؤجلة ليست هامشا إداريا، بل إنذار مبكر بأن هندسة السلطة في سوريا ما زالت تبحث عن قواعدها قبل أن تختبر شرعيتها، فالغموض حول موعد الانعقاد وأسبابه يضع استقلال المجلس تحت الشك منذ ولادته، ويمنح الانطباع بأن المؤسسة التشريعية لا تبدأ من إرادة داخلية واضحة، بل من تفاهمات فوقية لم تنضج بعد.
حتى انعقاد الجلسة المقبلة بإجراءات منظمة لن يكون كافيا ما لم يثبت المجلس أنه أكثر من واجهة انتقالية مضبوطة من المركز، سوريا لا تختبر قدرة البرلمان على الاجتماع، بل قدرة السلطة على قبول مؤسسة يمكن أن تراقبها وتحد من فائض تحكمها.
مجلس الشعب السوري الجديد
المنتخبون: 140 عضواً (66.7%) عن طريق هيئات انتخابية محلية.
النساء: 21 عضوة (10%) بعد التعيينات، مقابل 6 نساء منتخبات فقط.
قبل أيام: صدور مرسوم تسمية الأعضاء (رقم 143).
القرار: تأجيل الجلسة إلى موعد لاحق (القرار 40).
الدلالة: اختبار مبكر لهندسة السلطة واستقلالية المؤسسة.
⏺ الخلاصة: التأجيل ليس مجرد تعديل تقني، بل يكشف صراعاً على موقع المؤسسة التشريعية في ظل سلطة تنفيذية ممسكة بمفاتيح التشكيل. فالتعليمات التنفيذية التي منحت اللجنة العليا دوراً في إدارة الجلسة، والخلاف على آلية انتخاب المكتب، والجدل حول تمثيل السويداء والمناطق المضطربة، كلها مؤشرات على أن المجلس يواجه اختبار شرعيته قبل أن يبدأ عمله.

