أعلنت الرئاسة السورية في السابع من تموز 2026 المرسوم رقم 149، بتعين الدكتور عصام خالد الخليف رئيسا للمحكمة الدستورية العليا وستة أعضاء إلى جانبه.
حملت الوثيقة تاريخ الخامس من تموز، وجاءت بعد نحو ستة عشر شهرا من حل المحكمة السابقة بموجب الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025، وأنهى القرار فراغا رسميا في مؤسسة الرقابة على السلطة، لكنه لم ينه الأسئلة المتعلقة باستقلال المحكمة وتشغيلها ووصول المواطنين إليها.
يكشف نص المرسوم أن السلطة أنجزت التشكيل العددي قبل الإطار القانوني الكامل، وتتألف المحكمة من سبعة أعضاء، كما تقضي المادة 47 من الإعلان الدستوري، لكن المرسوم منحها اختصاصات مؤقتة “ريثما يصدر القانون الذي ينظم آلية عملها واختصاصاتها”.
تضع هذه الصيغة المحكمة بين وجود قانوني مثبت وبناء إجرائي غير مكتمل، ما يجعل قدرتها على ممارسة الرقابة مرتبطة بقواعد لم تصدر بعد.
فراغ دستوري امتد ستة عشر شهرا
عمليا، صدرت خلال المرحلة الانتقالية تشريعات ومراسيم، وأُنشئت مؤسسات، واكتمل تشكيل مجلس الشعب، قبل تشكيل المحكمة المسؤولة عن مراقبة توافق هذه الأعمال مع الإعلان الدستوري.
وجاء تشكيل المحكمة بعد أن مارست الرئاسة صلاحيات انتقالية واسعة، ما يعني أن جانبا مهما من البنية القانونية والمؤسسية الجديدة ظهر من دون الخضوع لرقابة المحكمة الدستورية الجديدة.
حدد المرسوم أربع وظائف مؤقتة تبدأ بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، وإبداء الرأي في مشروعات القوانين بطلب من رئيس الجمهورية، وفحص المقترحات التشريعية بطلب من الرئيس أو رئيس مجلس الشعب، وتفسير الإعلان الدستوري بطلب من أي منهما.
بقيت آلية تفعيل الرقابة على القوانين النافذة غير محددة، وكذلك إجراءات الطلب والمهل وآثار الحكم.
تعيين رئاسي كامل
وضع الإعلان الدستوري عملية تشكيل المحكمة الدستورية العليا بالكامل في يد رئيس الجمهورية، مانحا إياه صلاحية اختيار أعضائها السبعة وفق معايير عامة هي النزاهة والكفاءة والخبرة، من دون تحديد جهة مستقلة تتولى الترشيح أو التحقق من استيفاء هذه المعايير.
هذا المرسوم جاء تطبيقا للنص، لكنه لم يكشف عن قائمة المرشحين أو أسس المفاضلة بينهم، ولم يوضح ما إذا سبقت التعيين مشاورات مع مجلس القضاء أو كليات الحقوق أو نقابات المحامين.
كما استوفى القرار المتطلبات الشكلية للتشكيل، من دون أن يقدم للرأي العام ما يكفي لتقييم شفافية الاختيار واستقلاله، أو التحقق من المصالح الوظيفية والسياسية المحتملة للأعضاء.
تضع هذه الآلية المحكمة أمام إشكالية بنيوية، إذ ستتولى مراجعة دستورية أعمال سلطة اختارت جميع أعضائها، ويحتاج الحد من أثر هذا الارتباط إلى ضمانات قانونية صريحة، تشمل تحديد مدة العضوية، والحماية من العزل التعسفي، وتنظيم حالات التنحي وتعارض المصالح، وضمان الاستقلالين المالي والإداري، ووضع آلية واضحة لملء الشواغر.
لكن المرسوم اقتصر على التعيين وتحديد اختصاصات مؤقتة، وترك خارج نصه قواعد النصاب والتصويت وإصدار الأحكام ونشر الآراء المخالفة، وهي عناصر أساسية لتقييم استقلال المحكمة وطريقة عملها.
تركيبة متعددة وخبرة غير موثقة بالكامل
تجمع التشكيلة الجديدة ثلاثة قضاة مستشارين هم خير الله نديم غنوم، ومحمد مصطفى سبيع، وإيمان أنطوان نوري، إلى جانب الأكاديميين إسماعيل حمادي الخلفان وريعان حسن كحيلان، والمحامي عارف أحمد الشعال، فيما أُسندت رئاسة المحكمة إلى عصام الخليف.
يمنح هذا التوزيع انطباعا بالتنوع المهني، لكنه لا يكفي لقياس الكفاءة الدستورية أو الاستقلال، خصوصا أن الرئاسة نشرت الأسماء والصفات الوظيفية من دون ملفات مهنية مفصلة أو توضيح أسباب اختيار كل عضو.
ويظل وجود امرأتين من أصل سبعة أعضاء مؤشرا عدديا محدودا، لا دليلا بذاته على اعتماد معايير تمثيل واضحة.
تكشف مراجعة السير المتاحة مستوى مرتفعا من الغموض حول بعض التعيينات، حيث يملك خير الله غنوم مسارا قضائيا معروفا شمل العمل في مؤسسات قضائية بمناطق المعارضة، بينما تغيب السيرة المهنية التفصيلية لمحمد سبيع عن المصادر الرسمية.
ويرد اسم إيمان نوري في أخبار سابقة عن تنقلات قضائية في دمشق ومحكمة النقض، من دون ملف رسمي يحدد سنوات خبرتها واختصاصها وأبرز المواقع التي شغلتها.
أما الخلفان وكحيلان فيملكان خلفية أكاديمية أقرب إلى اختصاصات المحكمة، في حين يقدم المسار العلني لعارف الشعال خبرة قانونية ومواقف سياسية معارضة للنظام السابق، من دون نشر تقييم رسمي يوضح وزن هذه الخبرات في قرار التعيين.
يحمل تعيين الخلفان وكحيلان إشكالية تتجاوز مسألة الاختصاص، لأنهما شاركا في صياغة الإعلان الدستوري الذي ستتولى المحكمة تفسيره والفصل في حدود أحكامه، وتجمع هذه الحالة بين دور المشارك في وضع النص ودور المفسر القضائي له، وتضعف المسافة المؤسسية المطلوبة بين عملية الصياغة والرقابة عليها، ويصبح غياب قواعد معلنة للتنحي وتعارض المصالح أكثر خطورة عندما تنظر المحكمة في نزاع يتعلق بمادة شارك أحد أعضائها في إعدادها أو الدفاع عن مضمونها.
كما تثير رئاسة عصام الخليف الأسئلة الأكثر مباشرة حول معايير الاختيار، فتوثق سيرته المنشورة حصوله على إجازة في الحقوق عام 2005، وماجستير عام 2013، ودكتوراه عام 2023، إلى جانب التدريس وتولي مواقع إدارية وتشريعية ورقابية في حكومة الإنقاذ ثم مؤسسات الإدارة الجديدة.
يبرز في المقابل غياب أي خدمة قضائية له منشورة أو خبرة موثقة في القضاء الدستوري، فيما يرتبط جانب أساسي من مساره المهني بمؤسسات السلطة التي اختارته لرئاسة المحكمة، ولا يقدم الملف العلني تفسيرا لاختياره رئيسا على حساب أعضاء يمتلكون خبرة قضائية أطول أو اختصاصا أكاديميا مباشرا في القانون الدستوري.
تضع هذه المعطيات التشكيلة أمام مشكلة أعمق من نقص المعلومات، فالسلطة التنفيذية لم تكتف باختيار جميع الأعضاء، بل احتفظت أيضا بتفاصيل عملية المفاضلة والتدقيق خارج المجال العام.
بدلا من أن يشكل نشر السير والمؤهلات وسيلة لبناء الثقة بالمحكمة، تحولت محدودية الإفصاح إلى عنصر يضاعف الشكوك حول استقلالها، ويجعل تقييم كفاءة أعضائها قائما على معلومات صحفية متناثرة، لا على وثائق رسمية قابلة للمراجعة والمساءلة.
قانون سابق ووضع انتقالي ملتبس
أبقت المادة 51 من الإعلان الدستوري التشريعات السابقة نافذة ما لم تُعدل أو تُلغ، وينظم القانون رقم 7 لعام 2014 محكمة من أحد عشر عضوا، ويحدد ولاية بأربع سنوات وشروط سن وخبرة وقواعد للتفرغ وعدم الجمع بين العضوية ووظائف أخرى.
يتعارض عدد الأعضاء فيه مع المادة 47 الجديدة، لكن أحكامه الإجرائية الأخرى لم تُلغ صراحة.
يفرض التداخل سؤالا عن القواعد الحاكمة الآن، فيمكن اعتبار الأحكام المتعارضة ملغاة ضمنا مع استمرار الأحكام المتوافقة، أو اعتبار النظام القديم مستبدلا في جوهره إلى حين صدور القانون الجديد.
ترك المرسوم المسألة بلا حسم، ووضع العضوية والولاية والتفرغ وإجراءات الفصل أمام تفسيرات متعارضة.
بوابة الوصول إلى المحكمة
تمثل إمكانية تواصل الهيئات والأشخاص مع المحكمة الاختبار المباشر، لأن المرسوم منح الرئيس ورئيس مجلس الشعب حق طلب الرأي والتفسير، لكنه لم ينشئ طريقا واضحا للأفراد أو المنظمات أو المحاكم العادية لعرض دفع دستوري.
يحد الغموض من قدرة المتضرر على معرفة الجهة المختصة والإجراء والمهلة المتاحة.
تؤكد معايير سيادة القانون أن المحكمة الدستورية تحتاج إلى استقلال فعلي ووصول منظم وقرارات معلنة وملزمة، كما تضع مبادئ الأمم المتحدة لاستقلال القضاء الكفاءة والنزاهة وضمان الولاية ضمن الشروط الأساسية، بينما تربط قائمة لجنة البندقية الرقابة الدستورية بمنع إساءة استعمال السلطة واليقين القانوني وفاعلية الأحكام.
برلمان مؤجل وصلاحية غير قابلة للممارسة
تزامن المرسوم مع استكمال تشكيل مجلس الشعب في الأول من تموز، ثم تأجيل جلسته الأولى التي كانت مقررة في السادس منه.
أدى التأجيل إلى غياب رئيس للمجلس عند إعلان المحكمة، وجعل رئيس الجمهورية الجهة الوحيدة القادرة فورا على استخدام الصلاحيات المرتبطة بطلب الرأي أو التفسير.
يشكل التوقيت عنصرا مهما، لأن الرئاسة عينت أعضاء المحكمة وامتلكت وحدها في البداية القدرة على تشغيل معظم اختصاصاتها القائمة على الطلب. تحتاج الموازنة بين السلطات إلى تفعيل مجلس الشعب وتحديد طريق مستقل لإحالة المنازعات الدستورية.
أنجز المرسوم 149 الهيكل البشري للمحكمة وأنهى فراغا دستوريا طويلا، لكنه أبقى بنيتها التشغيلية معلقة.
يظهر التشكيل تنوعا مهنيا مع نقص في الإفصاح عن مسار الاختيار ومؤهلات بعض الأعضاء، ويجمع بين خبرة قضائية وأكاديمية وصلات سابقة بمؤسسات المعارضة والإدارة الجديدة.
تتحدد قيمة المحكمة بقدرتها على إخضاع الجهة التي عينتها للرقابة نفسها التي تمارسها على بقية المؤسسات. يحتاج القانون المقبل إلى تحديد الولاية والعزل والتفرغ والتنحي والوصول الفردي وقوة الأحكام وعلنية الإجراءات.
يبقى التشكيل خطوة ويتوقف تحوله إلى ضمانة دستورية فعلية على تصميم القواعد وسلوك المحكمة في القضايا التي تمس مركز السلطة التنفيذية.
المحكمة الدستورية العليا في سوريا
عدد الأعضاء
نسبة النساء
فراغ دستوري
اختصاصات مؤقتة
توزيع الأعضاء حسب الخلفية المهنية
التحديات والضمانات المعلقة
أعضاء المحكمة الدستورية العليا
| الاسم | المنصب | الخلفية | ملاحظات |
|---|---|---|---|
| عصام خالد الخليف | رئيس المحكمة | أكاديمي / إداري | دكتوراه 2023، خبرة في حكومة الإنقاذ والإدارة الجديدة، لا خبرة قضائية منشورة |
| خير الله نديم غنوم | عضو | قاضٍ مستشار | مسار قضائي معروف في مناطق المعارضة |
| محمد مصطفى سبيع | عضو | قاضٍ مستشار | السيرة المهنية غائبة عن المصادر الرسمية |
| إيمان أنطوان نوري | عضو | قاضية مستشارة | عملت في محكمة النقض بدمشق، ملف رسمي غير منشور |
| إسماعيل حمادي الخلفان | عضو | أكاديمي | شارك في صياغة الإعلان الدستوري – تضارب مصالح محتمل |
| ريعان حسن كحيلان | عضو | أكاديمية | شاركت في صياغة الإعلان الدستوري – تضارب مصالح محتمل |
| عارف أحمد الشعال | عضو | محامٍ | خبرة قانونية ومواقف معارضة للنظام السابق |


قدر سورية المؤلم أن تكون تحت رحمة الدول الخارجية والقرارات لمصلحة هذه الدول
لله درك يا بلد