تدخل عبارة “صدمة الثقة” التي استخدمها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من داخل القصر الرئاسي السوري في قلب الرهان الفرنسي على سوريا.
التعبير لا يحيل إلى الثقة بوصفها حالة معنوية عامة، بل محاولة إنتاج تحول سريع في نظرة الخارج إلى سلطة دمشق، عبر جمع الاعتراف السياسي، والانفتاح الاقتصادي، والضمانات الأمنية في لحظة واحدة، فالعبارة تحمل وظيفة عملية في تحويل الزيارة إلى حدث رمزي إلى أداة لإعادة تقدير المخاطر المرتبطة بسوريا.
تكتسب العبارة وزنها من موقع صدورها، فالرئيس الفرنسي تحدث من داخل قصر السلطة في دمشق، ما يحوّل الكلام إلى رسالة موجهة للداخل السوري والخارج الأوروبي معا، فالسلطة الجديدة حصلت على اعتراف مرئي، لكنها مطالبة بتحويل الاعتراف إلى قابلية حكم واستقرار.
الثقة كمسألة أرض لا كخطاب
في القراءة للشأن السوري، تبدأ الثقة من الأرض، فالدولة التي تطلب عودة الاستثمار والاعتراف تحتاج إلى إثبات قدرتها على إدارة المجال، لا الاكتفاء بإعلان النيات.
دمشق العاصمة تمثل مركز القرار والشرعية، لكن اختبار الثقة يمتد إلى الساحل والشمال والشرق والجنوب، حيث تتقاطع الهويات المحلية والموارد والحدود ومناطق النفوذ السابقة، فلا تكفي صورة الرئيس الفرنسي في القصر لإنتاج الثقة، بل تحتاج إلى شبكة تنفيذية تربط العاصمة بالأطراف.
داخل هذا المنظور، تبدو “صدمة الثقة” محاولة لتجاوز بطء المسارات التقليدية، وفرنسا تدرك أن سوريا الخارجة من الحرب لا تملك ترف انتظار سنوات طويلة قبل جذب التمويل والشركات.
في المقابل، يدرك المستثمر الأوروبي أن السرعة بلا ضمانات تتحول إلى مخاطرة، ويحاول خطاب ماكرون بناء معادلة مزدوجة؛ فتح الباب أمام سوريا الجديدة، وربط هذا الباب بقدرة السلطة على ضبط الأمن، وإدارة التعدد الاجتماعي، وإظهار مؤسسات قادرة على حماية العقود والمصالح.
الأمن أساس الثقة الاقتصادية
تزامنت الزيارة مع انفجارين في وسط دمشق قرب فندق فور سيزنز حيث أقام ماكرون، وأسفرا عن إصابة 18 شخصا وفق وكالة أسوشيتد برس.
وقع التفجيران بينما كان الرئيس الفرنسي يجري لقاءاته في القصر الرئاسي، ما جعل البعد الأمني جزءا مباشرا من قراءة الزيارة، لا مجرد خلفية جانبية.
يعطي هذا التزامن عبارة “صدمة الثقة” معنى أكثر تعقيدا، فالخطاب الفرنسي يريد إعلان بداية مرحلة انفتاح، بينما الواقع الأمني يذكّر بأن الدولة السورية الجديدة ما زالت تعمل داخل بيئة اختبار، وتصبح الثقة قابلة للاختبار في الميدان، فالمستثمر لا يكتفي بمتابعة الخطاب السياسي، بل يقيس قدرة الدولة على حماية العاصمة والمرافق الحيوية، وضبط مصادر التهديد، وتوفير بيئة تمنع الفوضى من تعطيل النشاط الاقتصادي.
الجغرافيا الاجتماعية ومعادلة الحكم
تحتاج “صدمة الثقة” إلى جمهور داخلي قبل الجمهور الخارجي، فالمجتمع السوري لا يتعامل مع السلطة الجديدة من موقع واحد.
تتوزع الثقة داخل سوريا بحسب اختلاف البيئات المحلية التي خرجت من الحرب بحاجات ومخاوف ومسارات اقتصادية متباينة، فلا تستطيع السلطة الجديدة إنتاج الثقة من دمشق وحدها، بل تحتاج إلى تحويلها إلى حضور ملموس في المناطق، عبر الأمن والخدمات والعمل وإعادة وصل الأطراف بالمركز.
تعرف باريس أن أي مشروع لإعادة الإعمار سيصطدم بتركيب اجتماعي شديد الحساسية، فاستعادة الكهرباء والمياه والطرق والمصارف لا تحمل قيمة خدمية فقط، بل تحدد من يشعر بأنه جزء من الدولة الجديدة ومن يرى نفسه مهمشا.
توزيع المشاريع واختيار الشركاء المحليين وإعادة دمج المناطق الخارجة من الحرب، كلها عناصر ستحدد إن كانت “صدمة الثقة” ستنتج استقرارا أم ستخلق تفاوتا جديدا بين المركز والأطراف.
الاقتصاد بوصفه أداة سيطرة ناعمة
يحضر الوفد الاقتصادي الفرنسي في الزيارة كجزء من هندسة الثقة، فالشركات تدخل إلى سوق مدمرة تحتاج إلى بنية تحتية وتمويل وإدارة طويلة المدى.
كل عقد في الكهرباء أو النقل أو الاتصالات أو المصارف سيصبح في مرحلة ما بعد الحرب جزءا من إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع.
تريد باريس أن تكون حاضرة في إعادة الإعمار منذ لحظتها التأسيسية، لأن الاقتصاد يمنحها طريقا إلى سوريا لا تتيحه الجغرافيا العسكرية أو الحدودية.
تصبح “صدمة الثقة” محاولة لدفع السوق السورية نحو الاختبار العملي، لا عبر الوعود وحدها، بل عبر ضمانات سياسية وقانونية وأمنية تجعل الاستثمار قابلا للحياة.
الرسالة الأوروبية في خطاب ماكرون
تتوجه العبارة إلى أوروبا بقدر ما تتوجه إلى السوريين، ففرنسا تحاول صياغة مبرر سياسي للانفتاح على سلطة دمشق أمام جمهور أوروبي متردد.
بالنسبة إلى أوروبا، لا تبدو سوريا ملفا شرق أوسطيا معزولا، بل مصدر أزمات محتملة تمتد من الهجرة والتهريب إلى الإرهاب والضغط السياسي الداخلي، لذلك ربط ماكرون الثقة بقدرة سلطة دمشق على ضبط الداخل السوري، وبما يتركه ذلك من أثر مباشر على الأمن الأوروبي.
ذكرت رويترز أن زيارة ماكرون حملت دعما فرنسيا لإعادة الإعمار والحكم الشامل والاستقرار الإقليمي، مع تأكيد أهمية التعددية والتحذير من أي تدخل عسكري سوري في لبنان.
هذه العناصر تكشف حدود الثقة الفرنسية، فباريس تنفتح، لكنها تريد سوريا قابلة للضبط، لا دولة تصدر أزماتها إلى الجوار أو تنتج شبكات النفوذ جديدة.
العقوبات كاختبار للثقة
تتصل “صدمة الثقة” أيضا بملف العقوبات بصورة مباشرة، فالثقة لا تكتمل من دون مسارات مالية مفتوحة، والمصارف والشركات الأوروبية تحتاج إلى وضوح قانوني قبل الدخول في السوق السورية.
تصبح العقوبات أداة لقياس السلوك السياسي، لا مجرد إرث من مرحلة سابقة، وكل تخفيف أو تعليق أو إعادة صياغة لنظام العقوبات سيمنح إشارة إلى المستثمرين، وكل تردد سيعني أن الثقة بقيت ناقصة.
تحتفظ أوروبا بهذه الأداة لتجنب منح سلطة دمشق تفويضا مفتوحا، فرفع القيود الاقتصادية بصورة واسعة من دون مراقبة سيجعل الاتحاد الأوروبي يفقد وسيلة ضغط أساسية.
تبدو الصيغة الفرنسية أقرب إلى انفتاح مشروط؛ منح دفعة ثقة كبيرة، مع إبقاء القدرة على التراجع إذا فشلت السلطة الجديدة في تثبيت الأمن أو إدارة الانتقال السياسي.
الأطراف السورية بوصفها معيارا
تُختبر جدية خطاب الثقة في الأطراف قبل المركز، لأن سوريا لا تتحرك كوحدة سياسية متجانسة. فالشمال يرتبط بمعادلة الحدود التركية، وملف اللاجئين، وبنية الفصائل التي نشأت خلال الحرب.
الشرق يشكل عقدة مختلفة، حيث تتقاطع الموارد الزراعية والنفطية مع المسألة الكردية والامتداد العراقي، أما الساحل، فيحمل حساسية خاصة بسبب تركيبته الاجتماعية وموقعه المتوسطي وصلته بميراث الدولة الأمنية والعسكرية.
في الجنوب، تتداخل حسابات الأردن و”إسرائيل” والجولان مع شبكات محلية يصعب فصلها عن أمن الحدود، وهذه الجغرافيا المتعددة تجعل كل منطقة اختبارا مستقلا لقدرة سلطة دمشق على تحويل الزيارة الفرنسية من صورة سياسية إلى سياسة فعلية.
مضمون الثقة سيتحدد في قدرة الدولة على إدارة هذه الخرائط المحلية، فالسلطة التي تركز وجودها بالمركز تحتاج إلى إثبات حضورها في الأطراف، حيث تتغير الأولويات بين الأمن، والخدمات، والموارد، والهويات الاجتماعية، والعلاقات العابرة للحدود.
السؤال العملي بعد خطاب ماكرون هو أين ستظهر مشاريع الثقة الأولى، وفي أي مناطق، وعبر أي شبكات محلية، ولصالح أي توازنات اجتماعية واقتصادية؟
ثقة مشروطة بقدرة الدولة
تكشف عبارة “صدمة الثقة” أن فرنسا تريد تسريع عودة سوريا إلى المجال الدولي، لكنها تريد أيضا تحويل هذا التسريع إلى اختبار للدولة.
الزيارة تمنح سلطة دمشق اعترافا ثمينا، وتعطي باريس موقعا مبكرا في ترتيب سوريا ما بعد الحرب، وتقدم للشركات الأوروبية إشارة أولية بأن السوق السورية قابلة للدخول.
تبقى الثقة التي يتحدث عنها ماكرون مرتبطة بثلاثة شروط عملية، نبدأ بأمن العاصمة والأطراف، ثم إدارة التعدد الاجتماعي من خلال مؤسسات قادرة، وأخيرا فتح الاقتصاد بطريقة لا تنتج الفوضى أو الاحتكار.
عند هذه النقطة تتحول “صدمة الثقة” من تعبير خطابي إلى مقياس سياسي.
“صدمة الثقة” في خطاب ماكرون
أداة ضغط قانونية واقتصادية تتحكم بمسارات التمويل والاستثمار.
- • دعم إعادة الإعمار والحكم الشامل
- • التأكيد على التعددية
- • التحذير من تدخل عسكري سوري في لبنان
- • ربط الثقة بقدرة دمشق على ضبط الداخل

