خطاب أحمد الشرع خلال زيارة ماكرون.. قراءة في منهجية الدولة الجديدة

تكشف كلمتا الرئيس الانتقالي أحمد الشرع خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا انتقالا محسوبا في الخطاب الرسمي من لغة الصراع والشرعية الثورية إلى لغة الدولة، الاستثمار، السيادة، والمشاريع.

الانتقال لا يبدو مجرد تطور طبيعي في مفردات السلطة، بل محاولة لإعادة تغليف المرحلة الانتقالية بلغة إدارية واقتصادية تقلل من حضور الأسئلة السياسية الصعبة، وتدفع المتلقي إلى التعامل مع سوريا بوصفها ورشة إعمار أكثر من كونها ساحة انتقال لم تُحسم شروطها بعد.

يحاول الشرع إعادة تعريف سوريا أمام جمهورين مختلفين، الأول اقتصادي دولي في كلمة الطاولة المستديرة، والثاني سياسي وإعلامي في المؤتمر الصحفي، وفي الخطابين تتقدم صورة الدولة القادرة على التفاوض، بينما تتراجع صورة المجتمع الذي يفترض أن يكون موضوع هذا الانتقال وفاعله الأساسي.

يصبح الخطاب موجها إلى الخارج، وتتحول شرعية المرحلة إلى قدرة على جذب الشركاء والاستثمارات والاعتراف الدبلوماسي، فتظهر سوريا كدولة عائدة إلى النظام الدولي، تملك موقعا جغرافيا واقتصاديا وسياديا يسمح لها بالمطالبة بالشراكة لا بالمساعدة فقط.

تخفي هذه الصورة الخطابية عمق الواقع، فالدولة التي تؤكد سيادتها تطلب تثبيتها عبر فرنسا، والشراكة التي تبدو ندية تقوم عمليا على حاجة سورية إلى التمويل والتكنولوجيا والربط المصرفي والاعتراف السياسي.

يحاول الخطاب تقديم سوريا كدولة عادت إلى موقع الشريك، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن هذا الموقع ما زال يحتاج إلى دعم خارجي كي يترسخ.

المعجم المهيمن: الاستثمار قبل السياسة

يتصدر المعجم الاقتصادي الكلمة الأولى، فتتكرر مفردات مثل: المشاريع، الاستثمار، الموانئ، المطارات، الطاقة، المياه، المصارف، النافذة الواحدة، سلاسل التوريد، المدن الصناعية، ورأس المال.

هذا الاختيار يحول سوريا من بلد خارج من حرب إلى “فرصة مبكرة” في سوق إعادة الإعمار، فالعبارة المركزية في هذا السياق هي “من استثمر في سوريا مبكرا ربح مبكرا”، وهي جملة شديدة الدلالة لأنها تنقل العلاقة مع الخارج من مستوى التضامن السياسي إلى مستوى العائد الاقتصادي.

يعتمد الخطاب هنا على منطق الإقناع بالأرقام، فذكر استثمار CMA CGM في ميناء اللاذقية، وقيمة 230 مليون يورو، ثم إضافة 200 مليون يورو، وطاقة 625 ألف حاوية، يهدف إلى إنتاج مصداقية عملية.

تمنح الأرقام الخطاب مظهرا عمليا، لكنها تؤدي أيضا وظيفة ترويجية؛ فلا تشرح شروط العقود أو آليات الرقابة عليها، بل تستخدم لإقناع رأس المال بأن الدولة الجديدة جاهزة للتعامل معها بوصفها مشروعا استثماريا واسعا.

الجغرافيا كأداة شرعية

تظهر الجغرافيا في الخطابين بوصفها موردا سياسيا واقتصاديا، فسوريا ليست مجرد دولة تحتاج إلى الإعمار، بل عقدة ربط بين المتوسط والخليج والعراق، وقريبة من مرسيليا، ومتصلة بسوق الممرات العالمية.

استدعاء أزمة مضيق هرمز جاء كوسيلة لربط سوريا بأمن التجارة الدولي، فالخطاب يقول ضمنيا إن استقرار سوريا ليس شأنا سوريا فقط، بل مصلحة أوروبية ودولية.

يوظف الخطاب الجغرافيا السورية كورقة تسويق سياسي واقتصادي، فالموقع يصبح أصلا استثماريا قابل للبيع للشركاء الخارجيين، وتصبح السيادة مشروطة بقدرة الدولة على تحويل موقعها إلى منفعة اقتصادية، لا بمجرد امتلاكها لهذا الموقع.

بناء صورة الدولة الجديدة

تتكرر في النصين عبارات مثل “سوريا الجديدة” و”دولة القانون والمؤسسات” و”القرار السيادي” و”استكمال السيادة الوطنية” و”عودة العلاقات الدبلوماسية”.

تشكل هذه العبارات نواة السردية الرسمية الجديدة، فهي دولة تتجاوز مرحلة الانهيار، وتستعيد أدواتها القانونية والدبلوماسية، وتقدم نفسها بوصفها شريكا منظما.

في كلمة المؤتمر الصحفي، ينتقل الخطاب من لغة السوق إلى لغة الدولة، عبر الحديث عن اكتمال تشكيل مجلس الشعب، وأولى جلساته، والمسار الانتقالي، ودولة القانون، ويهدف إلى سد فجوة الشرعية السياسية.

يظهر مجلس الشعب هنا كعلامة مؤسسية أكثر منه موضوعا تفصيليا، فالخطاب لا يناقش طبيعة التمثيل أو آليات الاختيار أو حدود السلطة، بل يستخدم المؤسسة كدليل على أن الانتقال يسير في مسار قابل للاعتراف الخارجي.

الشراكة الفرنسية: توازن بين الندية والحاجة

تُبنى صورة فرنسا في الخطابين بصفتها شريكا لا مجرد دولة مانحة، لكن هذا الطابع يخفي اختلالا واضحا في ميزان الحاجة، حيث تبدو سلطة دمشق أكثر احتياجا إلى التمويل والتكنولوجيا والاعتراف.

الشرع يخاطب فرنسا من باب المصالح المتبادلة مستخدما عبارات “شركاتكم تستثمر” و”سوريا تستعيد موقعها” و”الشعبان يستفيدان”، وهذه الصيغة تقلل من صورة الاعتماد على الخارج، لكنها لا تخفي حاجة الدولة السورية إلى التكنولوجيا والتمويل والاعتراف والمصارف والمشاريع.

تظهر المفارقة في أن الخطاب السيادي يحتاج إلى الشريك الخارجي كي يكتمل، فالدولة تعلن سيادتها، لكنها تطلب في الوقت نفسه دعما فرنسيا في المصارف، الطيران، الطاقة، استرداد الأصول، وقف الانتهاكات الإسرائيلية، وتبادل السفراء.

هذه نقطة تكشف طبيعة السيادة القائمة حاليا، فهي تفاوضية ومشروطة بالاعتراف والاستثمار والربط بالنظام المالي الدولي.

الصمت عن كلفة الانتقال

يحضر في الخطابين تفاؤل إداري واضح، لكن المساحات الاجتماعية الصعبة تبقى محدودة، فيظهر الشعب بوصفه مستفيدا من المشاريع، ” يا حبذا” لا طرفا يسائل أو يراقب أو يشارك في تحديد الأولويات.

العمالة السورية تُذكر ضمن معيار “تشغيل الكوادر” و”نقل المعرفة”، لكنها لا تغيب كفاعل اجتماعي له حقوق ومخاوف وتمثيل نقابي أو اقتصادي، وتغيب الأسئلة المتعلقة بتوزيع عوائد الإعمار، ومخاطر الاحتكار، ومعايير الشفافية في العقود الكبرى.

تبدو لغة الاستثمار عالية التنظيم، بينما تبقى لغة العدالة الاجتماعية أقل حضورا، فالخطاب يراهن على أن المشاريع ستنتج الاستقرار، وأن رأس المال سيقود التعافي.

هذه رؤية تحتاج إلى ضمانات سياسية وقانونية حتى لا تتحول إعادة الإعمار إلى إعادة توزيع للنفوذ بين الدولة والشركات والنخب المحلية.

السيادة والتهديد “الإسرائيلي”

في المؤتمر الصحفي، يوظف الشرع ملف الانتهاكات “الإسرائيلية” لإظهار الدولة الجديدة كمدافع عن السيادة، لكنه يحولها إلى مطلب دبلوماسي أكثر منها قدرة سياسية أو عسكرية.

الإحالة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 تمنح الموقف غطاء قانونيا، وتكشف أيضا أن الخطاب لا يملك سوى طلب الضغط الدولي والدور الفرنسي، فتبدو السيادة معلنة في اللغة، لكنها ما زالت بحاجة إلى وسيط خارجي كي تتحول إلى واقع.

داخليا، يمنح هذا الخطاب السلطة الجديدة فرصة لإثبات أنها لا تتجاهل الاحتلال والانتهاكات، ويقدمها خارجيا كسلطة منضبطة تتجنب التصعيد وتخاطب العالم بلغة القانون والمواثيق.

هذا التوازن يكشف حدود الخطاب نفسه، فهو يحاول إرضاء الداخل بموقف وطني، وطمأنة الخارج بسلوك محسوب، من دون أن يوضح كيف ستتحول الإدانة إلى سياسة قادرة على حماية الأرض.

لبنان كاختبار للخطاب السيادي

تقدم إجابة الشرع عن لبنان نموذجا مكثفا لخطابه الإقليمي، فالعلاقة مع بيروت تصاغ عبر مفردات الاستقرار، وضبط الحدود، وتمكين الدولة اللبنانية، والمؤسسات الشرعية.

يعتمد الخطاب صيغة التكافؤ بين أمن سوريا وأمن لبنان. في محاولة لإعادة هندسة الذاكرة السياسية للعلاقة السورية – اللبنانية، ويبقى الخطاب غامضا عند الحديث عن “توافق شامل لكل اللبنانيين”، فيتجنب الدخول في تفاصيل حساسة حول القوى المسلحة، والتوازنات الطائفية، أو أدوات الضغط السورية الممكنة.

هذا الغموض يمنح سلطة دمشق مساحة حركة، لكنه يترك السؤال مفتوحا، فكيف يمكن لسوريا أن تساعد لبنان من دون أن تُتهم بالتدخل، وكيف تضبط الحدود من دون أن تتحول إلى طرف في الصراع اللبناني الداخلي؟

حادثة التفجير: الأمن كرسالة سياسية

في رده على التفجيرين، يستخدم الشرع الحادثة لتأكيد سردية الدولة الصاعدة في مواجهة قوى التخريب.

الجملة الأساسية هنا تربط بين نجاح سوريا وبين تضرر جهات تسعى إلى الخراب، وهذا الربط يحول العنف من تهديد أمني إلى دليل معاكس على أن المسار الجديد يزعج الخصوم، والإشادة بماكرون لأنه استمر في الزيارة تضيف بعدا رمزيا، فلم تنكسر أمام التفجير، والشراكة لم تتراجع.

هذا الرد يترك مساحة معلقة، فالحديث عن التحقيقات وقرب القبض على المنفذين يقدم وعدا أمنيا، من دون تفاصيل حول الجهة أو الاختراق أو المسؤولية المؤسساتية.

في اللحظات الانتقالية، تحتاج الدولة إلى لغة حزم، لكنها تتطلب أيضا لغة مساءلة، لأن الأمن لا يقاس فقط بالقبض على المنفذين بل بقدرة المؤسسات على شرح ما حدث ومنع تكراره.

خطاب يبيع الاستقرار ويؤجل الأسئلة الصعبة

كلمتا الشرع تضعنا أمام منهجية، فالسلطة الجديدة لا تقدم نفسها عبر سردية سياسية مكتملة، بل معادلة تقوم على الاستثمار، السيادة، والانضباط الدبلوماسي.

وفق هذه المنهجية تتحول الدولة إلى مشروع قابل للتسويق، والجغرافيا إلى أصل اقتصادي، والسيادة إلى مطلب يحتاج إلى اعتراف خارجي كي يثبت نفسه.

الخطاب يقدم للخارج رسالة بلغته من خلال “المصالح” و “العقود” و”الممرات” و”الأمن” و”الشركات”، ويؤجل مساءلة العقود وموقع السوريين في الإعمار وحدود الشراكة مع القوى الخارجية، والقدرة الفعلية على حماية السيادة.

تكشف هذه المنهجية خطابا يريد بناء الثقة بسرعة، لكنه يترك أسئلة الشرعية والرقابة والعدالة مؤجلة إلى ما بعد الاستثمار.

تحليل خطابي لكلمتي أحمد الشرع خلال زيارة ماكرون إلى سوريا

ذكر “الاستثمار”
12
ذكر “المشاريع”
9
ذكر “السيادة”
7
ذكر “الدولة / المؤسسات”
11
ذكر “الشراكة / الشريك”
8

توزيع المفاهيم في الخطاب

* تقدير تكرار المفاهيم الرئيسية في النصين

موازنة الخطاب: السوق مقابل الدولة

* نسبة استخدام مفردات السوق (استثمار، مشاريع) مقابل مفردات الدولة (سيادة، مؤسسات)

التوتر بين السيادة المعلنة والاعتماد الخارجي

* تقدير كثافة الإشارات إلى السيادة مقابل طلب الدعم الخارجي

إشكاليات نقدية

  • غياب العدالة الاجتماعية وتوزيع عوائد الإعمار
  • السيادة التفاوضية المشروطة بالاعتراف والتمويل
  • الصمت عن آليات الرقابة والمساءلة في العقود
  • الخطاب موجّه للخارج أكثر من الداخل
  • إعادة تعريف الجغرافيا كورقة استثمارية

مفارقات الخطاب في كلمتي الشرع

السيادة المعلنة ← تطلب تثبيتاً عبر فرنسا والاعتراف الدولي
الشراكة الندية ← تقوم على حاجة سورية للتمويل والتكنولوجيا
دولة القانون ← تغيب آليات الرقابة وشفافية العقود
التفاؤل الإداري ← يحجب كلفة الانتقال والمساحات الاجتماعية الصعبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *