زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى أنقرة لم تعد حدثا بروتوكوليا على هامش قمة الناتو، بل تحولت إلى اختبار مبكر لموقع سوريا الجديدة في ترتيبات القوة الإقليمية.
انتقال الزيارة من لقاء مع وفد الكونغرس الأميركي والمبعوث توماس باراك إلى اجتماع مباشر مع دونالد ترامب منح الحدث وزنا سياسيا يتجاوز صور المجاملة الدبلوماسية، فالحديث عن تعزيز العلاقات السورية – الأميركية والتنسيق في الملفات المشتركة؛ يكشف رغبة واشنطن في إدخال سلطة دمشق ضمن معادلات أوسع تتصل بالاستقرار الإقليمي، لا بالعلاقة الثنائية فقط.
غير أن هذه اللغة تبقى محكومة بسؤال جوهري، فما حدود الدور المطلوب من سوريا، وما الثمن السياسي المقابل لهذا الانفتاح؟
أهمية اللقاء تكمن في أنه نقل الحضور السوري من مستوى الرمز إلى مستوى الاختبار العملي، فدمشق بقيت خارج جدول الناتو الرسمي، لكنها حضرت في المجال السياسي المحيط بالقمة، حيث تُصاغ أحيانا التفاهمات الحقيقية خارج القاعات الرسمية.
أنقرة وفرت المنصة، وواشنطن فتحت باب الاعتراف، بينما وجدت السلطة الجديدة نفسها أمام معادلة دقيقة في تحويل الانفتاح الخارجي إلى مكسب يزيد في شرعيتها و استمرارها، ولو تحولت إلى وظيفة داخل خرائط الآخرين.
أنقرة كمنصة وليست مكانا فقط
أنقرة ليست خلفية محايدة للحدث، فالعاصمة التركية جمعت في لحظة واحدة قادة الحلف الأطلسي، والرئيس الأميركي، والوفد السوري، ووفدا من الكونغرس، ومبعوثا أميركيا خاصا بالملف السوري – العراقي.
هذا التجمع السياسي يجعل المكان جزءا من الرسالة، تركيا لا تستضيف قمة عسكرية غربية فحسب، بل تطرح نفسها بوصفها بوابة إلزامية لإعادة وصل سلطة دمشق بواشنطن والغرب.
هذا التموضع التركي لا ينفصل عن خرائط الحدود واللاجئين والأمن والطاقة والممرات التجارية، فأنقرة تنظر إلى سوريا بوصفها عمقا مباشرا لأمنها القومي وسوقا محتملا ونقطة عبور نحو المشرق، فيصبح استقبال الشرع في تركيا، خلال قمة أطلسية، جزءا من إعلان غير مباشر بأن إعادة هندسة موقع سوريا تمر عبر المجال التركي، حتى حين يكون الطرف المقابل هو واشنطن.
واشنطن ولغة الاعتراف المشروط
اللقاء مع ترامب حمل عنصرين مهمين؛ تثبيت مسار الانفتاح الأميركي، ورفع سقف الحديث عن إخراج “سوريا” من عزلتها القانونية والمالية، فـ”سانا” نقلت عن الشرع خلال مؤتمر صحفي مع ترامب قوله إن قرار رفع العقوبات عن سوريا يحظى بتقدير الشعب السوري، بينما قال ترامب إن رفع العقوبات شكل “دفعا للبلاد” وإن الأوضاع فيها تشهد تحولا سريعا.
رويترز أضافت عنصرا أكثر حساسية، فنقلت عن ترامب قوله، خلال لقائه الشرع في تركيا، إنه يعتقد أنه سيزيل سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبأن التصنيف الأميركي يفرض قيودا على المساعدات الخارجية والصادرات الدفاعية وبعض المعاملات المالية، وواشنطن تراجع هذا التصنيف بالتوازي مع تفكيك أجزاء واسعة من نظام العقوبات المرتبط بسوريا.
تنتقل المسألة من الاعتراف السياسي إلى البنية القانونية للعزلة، فرفع العقوبات أو تخفيفها يفتح أبواب المال والمصارف والاستثمار، أما شطب سوريا من قائمة الإرهاب فيمكن أن يغير موقعها في النظام المالي والدبلوماسي الدولي.
لكن كل خطوة ليست منحة مجانية، بل جزء من مقايضة أوسع؛ اعتراف مقابل أدوار، وانفتاح مقابل التزامات، ودعم مقابل اصطفافات.
الكونغرس كخريطة داخل الخريطة
لقاء الشرع وفدا من أعضاء الكونغرس الأميركي قبل لقائه ترامب يضيف مستوى آخر للقراءة، فالسياسة الأميركية لا تتحرك من البيت الأبيض وحده، خصوصا في ملفات العقوبات والتصنيفات القانونية وتمويل إعادة الإعمار.
سبق أن دعا ثلاثة مشرعين أميركيين من الحزبين وزارة الخارجية إلى إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في مؤشر على أن جزءا من المؤسسة الأميركية بدأ يتعامل مع التصنيف بوصفه عبئا على مسار إعادة الإعمار والاستثمار، لا مجرد أداة ضغط سياسية.
حضور الكونغرس في هذا المسار يعني أن واشنطن تختبر تحويل العلاقة مع سلطة دمشق من قرار رئاسي إلى اتجاه مؤسساتي، وهذا التحول مهم لسوريا، لأن أي انفتاح اقتصادي حقيقي يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة لا تتغير بتغير المزاج السياسي في البيت الأبيض، لكنه مهم لواشنطن أيضا، لأنها تريد من سلطة دمشق التزامات يمكن تسويقها داخليا أمام الرأي العام والكونغرس.
سوريا كعقدة بين لبنان وإسرائيل وإيران
الموقع السوري هو جوهر الحدث، فهي عقدة تربط تركيا بالعراق ولبنان والأردن و”إسرائيل” والبحر المتوسط، ما تجعلها مهمة للخارج بقدر ما تجعلها هشة داخليا.
حضر ملف لبنان كأحد الاختبارات الحساسة في لقاء ترامب والشرع، لا سيما مع رغبة واشنطن في استكشاف دور سوري محتمل تجاه حزب الله، مقابل حرص سلطة دمشق على تجنب الانزلاق إلى تدخل عسكري مباشر في الساحة اللبنانية.
يحضر الملف “الإسرائيلي” بوصفه أحد أكثر اختبارات الانفتاح الأميركي حساسية، فلا تنفصل ترتيبات الجنوب السوري عن سؤال الاعتراف بسلطة دمشق الجديدة، فالحدود هنا لا تعني خطا جغرافيا فقط، بل شبكة توازنات تمتد من لبنان والجولان إلى النفوذ الإيراني والدور التركي.
منطق الجغرافيا.. الدولة أم الوظيفة؟
الخطر الأكبر في هذه اللحظة أن تُقرأ سوريا من الخارج بوصفها وظيفة لا دولة، فواشنطن تراها أداة لضبط لبنان، وتركيا عمقا أمنيا واقتصاديا، و”إسرائيل” ملف ضمانات حدودية، والخليج إعادة إعمار واستثمار.
أما السوريون في الداخل فيحتاجون إلى دولة تعيد وصل المجتمع، وتبني مؤسسات، وتضمن العدالة، وتحمي السيادة من التحول إلى بند تفاوضي.
الاعتراف الخارجي يمنح السلطة الانتقالية رصيدا سريعا، لكنه يتحول إلى ضغط إذا سبق بناء العقد الداخلي، فالدولة التي تحصل على شرعية الخارج قبل ترميم شرعية الداخل تجد نفسها محكومة بخرائط الآخرين أكثر من حاجات مجتمعها، ويصبح السؤال عن السيادة أكثر إلحاحا من السؤال عن البروتوكول.
العقوبات.. فتح الباب أم إعادة تشكيل التبعية؟
يرفع تخفيف العقوبات سقف التوقعات الاقتصادية والسياسية في سوريا، لكنه لا يعني خروجا كاملا من شبكة القيود الأميركية.
الأمر التنفيذي الذي وقعه ترامب أنهى جزءا واسعا من برنامج العقوبات وفتح باب العودة التدريجية إلى النظام المالي الدولي، مع إبقاء أدوات لكل من تضعه واشنطن وفق مصالحها في خانة الانتهاكات أو زعزعة الاستقرار.
رفع القيود لا يعني تلقائيا ولادة اقتصاد مستقل، ففتح الأبواب المالية يجلب استثمارات وشركات ومساعدات، وشروطا سياسية أيضا، وامتيازات طويلة الأمد، وممرات نفوذ جديدة.
معيار النجاح لن يكون في عدد الشركات القادمة إلى دمشق، بل في قدرة المؤسسات السورية على إدارة العقود والموارد بشفافية، ومنع تحويل الإعمار إلى جغرافيا مصالح خارجية فوق أنقاض الداخل.
الداخل السوري: الخريطة الأصعب
الجغرافيا التي يجب أن تُقلق سلطة دمشق أكثر ليست أنقرة أو واشنطن، بل الخريطة السورية نفسها.
الساحل والجزيرة والجنوب وحلب ودمشق والبادية ليست أسماء على خريطة إدارية، بل مجتمعات مثقلة بالخوف والذاكرة والمصالح والسلاح والفقر، وأي دور إقليمي جديد لسوريا سيظل هشا إن لم يترافق مع إعادة وصل هذه المناطق ضمن عقد سياسي واضح.
يستطيع الشرع أن يحصل على لقاءات دولية كبرى، وأن يسمع من ترامب عبارات دعم، وأن يرى العقوبات تتراجع تدريجيا، غير أن الدولة لا تُبنى بالاعتراف وحده، فهي تحتاج إلى قضاء وأمن منضبط وموارد موزعة بعدالة وإدارة محلية ومصالحة وطنية، وضمانات تمنع عودة الاحتكار السياسي بلباس جديد.
صورة كبيرة وثمن أكبر
لقاء الشرع وترامب في أنقرة حدث سياسي كبير، لأنه يضع سوريا الجديدة في قلب مفاوضات تتجاوز حدودها.
رفع العقوبات، واحتمال شطب سوريا من قائمة الإرهاب، وحضور الكونغرس، وتزامن ذلك مع قمة الناتو عناصر تشير إلى أن دمشق تنتقل بسرعة من العزلة إلى موقع الشريك المحتمل.
قيمة الحدث لا تكمن في المصافحة، بل في الخريطة التي تقف خلفها، فأنقرة تريد تثبيت موقعها كبوابة، وواشنطن تسعى لترتيب أدوار جديدة في الشرق الأوسط، وترامب يمنح لغة اعتراف عالية السقف، أما الكونغرس فيختبر إزالة العوائق القانونية.
هل تستخدم سلطة دمشق هذا الانفتاح لاستعادة السيادة وبناء الداخل، أم تتحول إلى عقدة وظيفية داخل خرائط الآخرين؟ الجواب لن يظهر في بيان قمة الناتو، بل في تفاصيل إعادة بناء الدولة من الداخل قبل أن تبتلعها أدوار الخارج.
الشرع وترامب في أنقرة: سوريا بين الاعتراف والجغرافيا
موازنة الاعتراف الخارجي مقابل بناء الداخل
وزن الأدوار الإقليمية في المشهد
التوتر بين السيادة المعلنة والتبعية العملية
مخاطر تحول سوريا إلى “وظيفة”
- • قراءة الخارج لسوريا كأداة لضبط لبنان
- • تحويل الجغرافيا إلى ممر أمني واقتصادي لا وطن
- • الاعتراف المشروط الذي يسبق بناء الداخل
- • إعادة الإعمار كغطاء لامتيازات خارجية طويلة
- • تهميش المصالحة الوطنية والتوزيع العادل

