انتهاء مهمة توماس براك.. واشنطن تعيد رسم دور سوريا بين تركيا والعراق

أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في 30 مايو 2026، انتهاء صفة توماس براك مبعوثا خاصا إلى سوريا، مع تأكيد استمرار دوره القيادي في الملفين السوري والعراقي.

يحتفظ براك، في الوقت نفسه، بمنصبه سفيرا للولايات المتحدة لدى تركيا، وتكشف هذه الصيغة أن واشنطن تعيد تعريف المجال الذي تتحرك ضمنه سياستها السورية، وتنتقل من إدارة دولة منفردة إلى إدارة حزام إقليمي مترابط يمتد من أنقرة إلى بغداد عبر دمشق وشمال شرقي سوريا.

تكتسب هذه الخطوة معناها الكامل عند قراءتها على خريطة القوة، فخلال عام واحد، جمع براك بين السفارة في أنقرة، والوساطة في دمشق، والتواصل مع القوى الكردية، والحضور في ترتيبات العراق السياسية والأمنية.

انتهى اللقب السوري الضيق بعدما اتسعت الوظيفة الفعلية، وأصبح موقعه أقرب إلى منسق للمشرق الشمالي، حيث تتقاطع الحدود والجيوش والممرات الاقتصادية ومراكز الاحتجاز ومصالح القوى الإقليمية.

سوريا عقدة داخل مجال أوسع

تبدأ القراءة الجيوسياسية من الأرض، لأن السلطة لا تعمل في الفراغ؛ فهي تتجسد في القدرة على التحكم بالمجال، وتنظيم الحركة داخله، وفرض الأولويات على السكان والموارد والمسارات الحيوية.

أعادت الحرب السورية تشكيل علاقة الدولة بأطرافها وحدودها، فصار النفوذ يقاس بدرجة التحكم في المجال أكثر مما يقاس بحضور المؤسسات وحده، ولم تعد الخريطة السورية تعكس حدودا إدارية ثابتة، بل موازين قوة متحركة تحدد من يملك القرار، ومن يضبط الوصول، ومن يحول الجغرافيا إلى أداة تفاوض أو ضغط.

تتعامل واشنطن اليوم مع سوريا باعتبارها نقطة التقاء بين أربعة مجالات: المجال التركي في الشمال، والعراقي في الشرق، و “الإسرائيلي” في الجنوب، واللبناني في الغرب.

تقع دمشق في المركز السياسي لهذه الخريطة، بينما تتوزع أدوات الضغط خارج العاصمة، ويمنح هذا التوزيع “براك” قيمة عملية؛ فهو يتحرك من أنقرة، عاصمة الدولة الأكثر تأثيرا في الشمال السوري، ويصل إلى دمشق وبغداد ضمن شبكة علاقات واحدة.

حين عين براك مبعوثا إلى سوريا في أيار 2025، احتفظ بصفته سفيرا لدى تركيا، جاء تعيينه بعد قرار الرئيس دونالد ترامب رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، وسط إدراك متزايد لثقل أنقرة في مرحلة ما بعد إزاحة نظام السوري السابق.

حملت لحظة التعيين إشارة مبكرة، فالملف السوري دخل في مدار التوازنات التركية قبل أن يدخل مرحلة إعادة بناء مؤسساته المركزية.

الجغرافيا العسكرية تتراجع أمام الجغرافيا الوظيفية

ترافق انقضاء صفة المبعوث مع إعادة انتشار عسكري أميركي واسع، حيث أعلن براك في حزيران 2025 خطة لتقليص القواعد الأميركية في سوريا من ثمان إلى قاعدة واحدة.

في شباط 2026، سلمت القوات الأميركية قاعدة التنف إلى القوات السورية، ثم اكتمل الانسحاب من قاعدة قسرك في محافظة الحسكة في نيسان، ضمن انتقال تدريجي للمواقع العسكرية إلى سلطة دمشق.

يحمل هذا التحول دلالة تتجاوز عدد الجنود، فالقواعد الأمريكية شكلت طوال سنوات أدوات لضبط مساحات محددة، فالتنف عند تقاطع الحدود السورية والعراقية والأردنية، وقواعد الشمال الشرقي قرب مناطق النفط والقمح ومسارات الحركة بين ضفتي الفرات.

مع انتقال هذه المواقع إلى القوات السورية، تحول مركز الثقل الأميركي من السيطرة المباشرة على نقاط الأرض إلى التأثير في ترتيبات السلطة التي تديرها.

تنتقل واشنطن من نمط يقوم على امتلاك نقاط ثابتة داخل الجغرافيا السورية إلى نمط يقوم على إدارة التوازنات من خارجها، ويعكس هذا التحول رغبة في القدرة على التأثير مع خفض كلفة الانخراط المباشر، عبر تحويل النفوذ من وجود ملموس على الأرض إلى قدرة على ترتيب العلاقات بين القوى المحلية والإقليمية.

ضمن هذا النموذج، تكتسب شخصية براك أهميتها من موقعها الوسيط، فهو لا يدير ملفا منفصلا إنما ما ينسق بين دوائر متداخلة، ويمنح السياسة الأميركية مرونة في التحرك بين الأمن والاقتصاد والدبلوماسية من دون الالتزام ببنية تدخل تقليدية.

العراق يتحول إلى العمق الأمني للمرحلة الجديدة

تكشف قضية معتقلي تنظيم الدولة طبيعة الخريطة الجديدة بوضوح أكبر، ففي كانون الثاني 2026، بدأت القوات الأميركية نقل معتقلين من سجون شمال شرقي سوريا إلى العراق، عقب التحولات الميدانية السريعة في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وأعلنت القيادة المركزية الأميركية لاحقا نقل أكثر من 5700 مقاتل بالغ إلى عهدة السلطات العراقية خلال عملية استمرت 23 يوما.

يمنح هذا النقل العراق وظيفة تتجاوز استقبال المعتقلين، فبغداد أصبحت مستودعا أمنيا لإحدى أثقل تركات الحرب السورية، ومحطة قضائية لمعالجة ملف متعدد الجنسيات، وحاجزا أمام عودة التنظيم عبر الحدود المفتوحة تاريخيا بين البلدين.

هذه العملية تظهر طبيعة المجال السوري–العراقي بوصفه وحدة أمنية واحدة، فتنظيم الدولة بنى قوته سابقا على تجاوز الحدود، واستفاد من الفراغ بين المحافظات الشرقية السورية والمناطق الغربية العراقية.

تعالج واشنطن إرثه اليوم بالمنطق الجغرافي ذاته عبر توزيع الأدوار بين سلطات دمشق وبغداد، وربط أمن الحسكة بأمن الأنبار وبغداد.

دمج “قسد” وإعادة رسم الشمال

يشكل ملف قوات سوريا الديمقراطية حلقة مركزية في هذا التحول، ففي كانون الثاني 2026، دعمت واشنطن مسار دمج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

التقى براك قائد “قسد” مظلوم عبدي والقيادية إلهام أحمد، وأكد دعمه لعملية الدمج، ثم أعلنت سلطة دمشق و”قسد” في 30 كانون الثاني اتفاقا لوقف إطلاق النار واندماجا مرحليا يشمل المقاتلين والمؤسسات والمناطق الخاضعة للإدارة الكردية.

تقرأ أنقرة هذا المسار من زاوية أمنها القومي، وتراه  سلطة دمشق من منظور تمكين نفوذها، أما بغداد فتتعامل معه من مسالة ضبط الحدود، وما يهم واشنطن في هذا الملف تخفيض الالتزامات العسكرية.

تجمع هذه القراءات المختلفة خريطة واحدة، وتمنح موقع السفير الأميركي في تركيا وزنا يفوق موقع مبعوث متخصص في دمشق وحدها.

يمثل الشمال السوري مختبرا لإعادة تعريف الدولة نفسها، فهل تستعيد المركزية قدرتها على التوحيد عبر الإدماج السياسي والمؤسسي، أم تعيد إنتاج السيطرة بصيغة أكثر صلابة؟

في المقابل، تواجه القوى الكردية لحظة انتقال من رصيد عسكري إلى عقد سياسي قابل للاستمرار، فيما تختبر أنقرة إمكان تحويل هواجسها الحدودية إلى ترتيبات مستقرة.

يتجاوز مصير الشمال حدوده الجغرافية، ليحدد طبيعة الدولة السورية المقبلة وحدود التفاهم الأميركي–التركي حولها.

اقتصاد الممرات يرافق أمن الحدود

في أيار 2025، جاء توقيع مشروع طاقة بقدرة إجمالية تبلغ خمسة آلاف ميغاواط بوصفه أكثر من خطوة استثمارية.

جمع الاتفاق شركات قطرية وتركية وأميركية في لحظة تزامنت مع زيارة توماس براك إلى دمشق وإعادة رفع العلم الأميركي فوق مقر إقامة السفير، ما يكشف أن الطاقة دخلت مبكرا في صلب إعادة ترتيب المجال السوري، باعتبارها أداة نفوذ وحاجة تنموية.

تمنح الكهرباء المستثمرين والدولة قدرة على تشغيل المدن وإعادة تنشيط الاقتصاد، لكنها تعطي القوى الخارجية أيضا موطئ قدم داخل البنية الجديدة للسلطة، فمشاريع الطاقة ليست منفصلة عن مسألة السيطرة على المعابر والطرق والأسواق، وإعادة الإعمار ترتبط بمن يملك القدرة على وصل الإنتاج بالحركة التجارية، ومن يحدد شروط العبور، ومن يحول البنية التحتية إلى شبكة نفوذ تمتد خارج الحدود.

تتقدم تركيا في هذه المعادلة بحكم موقعها الجغرافي وبنيتها اللوجستية وحضورها المتراكم في الشمال السوري، فيما يكتسب العراق وزنا موازيا بوصفه امتدادا شرقيا يرتبط بالطاقة، والتجارة وتوازنات الخليج وإيران.

بين الطرفين تسعى سلطة دمشق إلى استعادة موقعها كمركز عبور وربط، غير أن هذا المسعى يجري داخل شبكة من المصالح الإقليمية التي تعيد إنتاج التبعية بقدر ما تفتح فرص التعافي.

يتحول الاقتصاد إلى ميدان صراع على شكل سوريا المقبلة، فالمسألة لا تتعلق فقط بإعادة بناء ما دمرته الحرب، بل أيضا بتحديد من يمول، ومن يربط، ومن يملك القدرة على تحويل البنية التحتية إلى أداة سياسية طويلة الأمد.

خريطة النفوذ تعيد صياغة السياسة الأميركية

يكشف انتهاء الصفة الرسمية لتوماس براك عن تحول أعمق في طريقة إدارة واشنطن للملف السوري، فالدور الأميركي لم يعد يتمحور حول حضور مباشر داخل الجغرافيا السورية، بل على إعادة توزيع الوظائف بين قوى ومراكز متجاورة.

انطلاق براك من أنقرة، وتمدد حركته نحو دمشق وبغداد، يعكسان انتقال السياسة الأميركية من التعامل مع سوريا كملف منفصل إلى التعامل معها كجزء من مجال إقليمي تتقاطع فيه الحدود والأمن والطاقة ومسارات النفوذ.

تصبح الجغرافيا السورية موضوعا لإعادة تنظيم القوة أكثر من كونها مجرد مساحة لإدارة الأزمات، فتتولى تركيا وظيفة ضبط الشمال، ويتحول العراق إلى عمق أمني للشرق، فيما  تحاول السلطة في دمشق إعادة  الدور السابق لسوريا كمركز لإعادة تجميع السلطة.

غير أن هذا الترتيب يحمل مفارقة أساسية، فاستعادة الدولة السورية لبعض أدواتها تجري داخل شبكة من التوازنات التي تحددها قوى خارجية، ما يجعل السيادة عملية تفاوضية متدرجة أكثر من كونها معطى مكتملا.

تكتسب نهاية لقب براك معناها الحقيقي من هذه الزاوية، فواشنطن تخفف كلفة وجودها العسكري، لكنها تحافظ على قدرتها على توجيه المجال عبر توزيع الأدوار وإدارة نقاط الاتصال بين العواصم.

لا تنسحب الولايات المتحدة من سوريا إنما تعيد تشكيل حضورها من السيطرة على المواقع إلى التأثير في خرائط الحركة، ومن إدارة القواعد إلى إدارة العلاقات التي تحدد من يملك القرار على الأرض.

التحول الأميركي في سوريا: من مبعوث إلى مهندس مجال

من مبعوث إلى مهندس المجال: كيف أعادت واشنطن توزيع سوريا بين أنقرة وبغداد

تحول السياسة الأميركية: إنهاء صفة توماس براك كمبعوث خاص لسوريا مع استمراره سفيراً في تركيا، وإعادة تعريف النفوذ من السيطرة المباشرة إلى إدارة حزام إقليمي مترابط (أنقرة – دمشق – بغداد). قراءة جيوسياسية في خرائط القوة والانسحاب العسكري ونقل المعتقلين ودمج قسد.
5,704
معتقل من داعش نُقلوا إلى العراق
8 → 1
القواعد الأميركية في سوريا (تبقى قاعدة واحدة)
23 يوماً
عملية نقل المعتقلين
5,000 ميجاواط
مشروع طاقة (قطر-تركيا-أميركا)
إعادة الانتشار العسكري الأميركي في سوريا
تسليم قاعدة التنف (شباط 2026) وقاعدة قسرك (نيسان 2026) للقوات السورية، وتقليص القواعد من 8 إلى قاعدة واحدة بحلول منتصف 2026 وفق خطة براك.
العراق كعمق أمني: نقل معتقلي التنظيم
مقاتلون بالغون نُقلوا5,704 (القيادة المركزية الأميركية)
مدة العملية23 يوماً (كانون الثاني 2026)
دور العراقمستودع أمني، حاجز أمام عودة التنظيم، معالجة قضائية
إعادة توزيع الأدوار: المجال المتكامل (أنقرة – دمشق – بغداد)
أنقرة تركيا العاصمة التركية: مقر السفير توماس براك. تركيا هي محور الضبط في الشمال السوري والهواجس الأمنية. بغداد العراق العمق الأمني الشرقي: استقبال المعتقلين، تنسيق حدودي، ملف الطاقة والتجارة. دمشق سوريا (مركز إعادة التجميع) دمشق: النقطة المركزية لاستعادة السيادة، تتموضع ضمن شبكة التوازنات الإقليمية. قسد الشرق السوري قوات سوريا الديمقراطية: دمج مرحلي بدعم أميركي واتفاق مع دمشق (كانون الثاني 2026). واشنطن (المنسق) الإدارة الأميركية تعيد تشكيل الحضور من السيطرة على المواقع إلى إدارة العلاقات والتوازنات.
تحوم فوق أي عقدة لرؤية التفاصيل: أنقرة (المقر الدبلوماسي)، بغداد (العمق الأمني)، دمشق (المركز السياسي)، قسد وواشنطن كأطراف متصلة.
سلسلة الأحداث: من المبعوث الخاص إلى مهندس المجال (2025-2026)
  • • أيار 2025: تعيين توماس براك مبعوثاً خاصاً + رفع العقوبات الأميركية.
  • • حزيران 2025: خطة تقليص القواعد من 8 إلى قاعدة واحدة.
  • • كانون الثاني 2026: نقل 5,704 معتقل من داعش إلى العراق واتفاق دمج قسد مع الدولة السورية.
  • • شباط 2026: تسليم قاعدة التنف للقوات السورية.
  • • نيسان 2026: الانسحاب من قاعدة قسرك (الحسكة).
  • • 30 أيار 2026: إعلان روبيو انتهاء صفة المبعوث مع استمرار دور براك القيادي في سوريا والعراق.
اقتصاد الممرات والطاقة: مشروع 5 آلاف ميجاواط
الأطراف المشاركةقطر، تركيا، الولايات المتحدة (شركات) + التوقيت بالتزامن مع زيارة براك دمشق
الدلالة الجيوسياسيةتحويل البنية التحتية إلى أداة نفوذ وربط الإعمار بالسيطرة على المعابر والطرق.
التقاطع مع النفوذيمنح تركيا والعراق وزناً اقتصادياً يعزز إدارة المجال الموحد.

إعادة تعريف السيادة في سوريا

استعادة الدولة السورية لبعض أدواتها تجري داخل شبكة من التوازنات التي تحددها قوى خارجية، ما يجعل السيادة عملية تفاوضية متدرجة. واشنطن لا تنسحب بل تعيد تشكيل حضورها من السيطرة على المواقع إلى التأثير في خرائط الحركة وإدارة العلاقات التي تحدد من يملك القرار على الأرض.

خرائط القوة: شمال سوريا ودمج قسد
30 كانون الثاني 2026: اتفاق دمشق و”قسد” لوقف إطلاق النار واندماج مرحلي يشمل المقاتلين والمؤسسات والمناطق الخاضعة للإدارة الكردية. دعم أميركي بوساطة توماس براك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *