يحمل تصريح الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بأن الاتفاق الأمني يمكن أن يقود إلى “سلام شامل” تحولا يتجاوز لغة التهدئة إلى خفض سقف النزاع مع “إسرائيل”.
ينقل مركز التفاوض من إنهاء الاحتلال واستعادة الأرض إلى تنظيم الأمن في جنوب سوريا، بينما تواصل “إسرائيل” السيطرة على الجولان وتثبيت وجودها في المنطقة العازلة وجبل الشيخ وفرض قيود على انتشار الدولة السورية.
عمليا تدخل سلطة دمشق هذا المسار من موقع تفاوضي ضعيف، وتسعى إلى وقف الغارات واستعادة الحد الأدنى من قدرتها على الحركة داخل الأراضي السورية، لا إلى فرض تسوية متكافئة، فتبدو عبارة “السلام الشامل” أقرب إلى غطاء لتسوية تبدأ من احتياجات “الأمن الإسرائيلي”، وتترك السيادة السورية والجولان مؤجلين خلف وعد سياسي بلا شروط معلنة أو طريق واضح للتنفيذ.
الجنوب ليس حدوداً بل نظاماً من المواقع
وصف الشرع في المقابلة التي بثتها الجزيرة السلوك “الإسرائيلي” بأنه اعتداء على دولة مستقلة، وتحدث عن أطماع “إسرائيلية في المنطقة”، ثم انتقل مباشرة إلى ضرورة الاتفاق وتجنب “الصراعات العقيمة”.
لا تحيل عبارة “الصراعات العقيمة” إلى نقد الوسائل العسكرية وحدها، بل تؤسس لانقلاب على العقيدة التي عرفت إسرائيل، منذ الاستقلال، بوصفها تهديدا وجوديا للدولة السورية، فتنزع عن المواجهة وظيفتها المرتبطة بالسيادة وتحرير الأرض، وتعيد تقديمها كسلسلة خيارات مكلفة أخفقت في إنتاج النتائج.
لا يتغير أسلوب التعامل مع “إسرائيل” فقط، بل وظيفة الجيش نفسه؛ من قوة يفترض أن تستعيد الجولان وتردع التوسع إلى مؤسسة تنصرف أولوياتها نحو ضبط الداخل والحدود وحماية الاستقرار.
المشكلة أن هذا التحول يخلط بين نقد عسكرة الدولة ونفي حقيقة الاحتلال، ويجعل ميزان القوة المفروض أساسا لإعادة كتابة الذاكرة الوطنية.
يصبح التناقض بين إدانة الاعتداء والدعوة إلى الاتفاق أكثر وضوحا عند قراءة الجنوب السوري بوصفه مجال قوة، فالمنطقة تتكون من مرتفعات ومحاور حركة ومدن ومجالات رصد، ويحدد توزيع السيطرة فيها من يراقب دمشق والجولان ولبنان، ومن يتحكم بالطرق الواصلة إلى الأردن والبادية.
تمنح قمم جبل الشيخ من يسيطر عليها تفوقا في الرصد والإنذار، بينما تشكل القنيطرة ودرعا والسويداء العمق الجغرافي الذي يصل العاصمة بحدودها الجنوبية، ولا تعني مطالبة “إسرائيل” بإبعاد القوات السورية والسلاح الثقيل تخفيف التوتر على الحدود فقط، بل إعادة تحديد المجال الذي تستطيع الدولة ممارسة سلطتها العسكرية داخله.
في التصور الذي طرحه بنيامين نتنياهو لمنطقة منزوعة السلاح تمتد من دمشق إلى جبل الشيخ، بالتوازي مع احتفاظ “إسرائيل” بالمواقع التي تصنفها ضرورية لأمنها، تتحول الأولوية الأمنية “الإسرائيلية” إلى قاعدة تحدد أين ينتشر الجيش السوري وما الأدوات الدفاعية المسموح له باستخدامها.
يترك هذا الترتيب لسلطة دمشق الاعتراف القانوني بالسيادة، لكنه ينتزع منها جزءا من مضمونها العملي؛ القدرة على الانتشار وحماية الأرض وفرض القرار داخل الحدود.
تكتسب عبارة “الصراعات العقيمة” دلالة أشد خطورة، لأنها لا تبرر تجنب حرب غير متكافئة وحدها، بل تمهد لقبول سيادة منقوصة بوصفها ثمنا واقعيا للاستقرار.
ثلاث طبقات للأرض أخفاها اختصار «الاتفاق الأمني»
جمع الشرع بين الاتفاق الأمني والسلام والجولان بوصفها ملفات متوازية، وضغط أيضا في إجابة واحدة ثلاث خرائط للاحتلال تنتمي إلى أزمنة قانونية وعسكرية مختلفة.
أقدم خريطة تمثل ما احتلته “إسرائيل” عام 1967 ثم أعلنت ضمه عام 1981، وبعدها خريطة منطقة فصل القوات التي أنشأتها اتفاقية عام 1974 ووُضعت تحت مراقبة الأمم المتحدة، والأحدث تشمل المواقع التي دخلتها “القوات الإسرائيلية” بعد سقوط النظام في كانون الأول 2024، ومنها الجانب السوري من جبل الشيخ.
جمع هذه الخرائط تحت عنوان واحد يخفي اختلاف طبيعتها، من احتلال ممتد، وترتيبات لوقف إطلاق النار، ووقائع عسكرية فرضت حديثا.
لا يستهدف المقترح السوري الذي ظهر خلال المفاوضات السابقة تسوية النزاع على الجولان، بل إزالة الوقائع التي فرضتها “إسرائيل” بعد كانون الأول 2024، عبر انسحابها من المواقع التي دخلتها، وإعادة العمل بترتيبات فصل القوات، ووقف الغارات والتوغلات.
يخفض هذا التحديد سقف التفاوض من استعادة كامل الأرض المحتلة إلى استعادة الوضع الذي سبق سقوط النظام، ويمنح سلطة دمشق مطلبا قابلا للتفاوض من دون فتح ملف الجولان دفعة واحدة، لكنه يتيح لـ”إسرائيل” حصر النقاش في أمن الحدود وحرية الحركة، مع إبقاء سيطرتها على الجولان خارج المساومة، فتتحول المواقع المحتلة حديثا إلى أوراق تفاوض، بينما يبقى أصل النزاع مؤجلا.
تؤدي عبارة “سلام شامل من دون التنازل عن الجولان” وظيفة مزدوجة في خطاب الشرع؛ داخليا، تحمي السلطة من اتهامها بالتفريط بالحق السوري، وخارجيا، تبلغ الأطراف الراعية أن استمرار النزاع على الجولان لن يعطل الترتيبات المرحلية.
لكن الصيغة تؤجل التناقض ولا تحله، لأن السلام الشامل يفترض تسوية قضية الأرض والسيادة، لا وضعهما بين قوسين، فإذا بقي الجولان خارج جدول زمني وآلية تفاوضية واضحة، يصبح الناتج أقرب إلى نظام طويل الأمد لعدم الاعتداء يحمل اسم السلام، بينما يظل السبب التاريخي للصراع قائما.
تجنب الصدام ليس حياداً بل اعتراف بالقدرة
حين وضع الشرع ثمانين عاما من التاريخ السوري داخل إطار “الأخطاء السياسية” و”الصراعات العقيمة”، لم يكتف بنقد الوسائل التي استخدمتها الأنظمة المتعاقبة في إدارة الصراع، بل أعاد تصنيف التاريخ السوري الحديث كله من موقع الهزيمة الراهنة.
هذه العقود لا تمثل سياسة واحدة يمكن اختزالها بحكم موحد، بل تشمل حرب 1948، واحتلال الجولان عام 1967، وحرب تشرين عام 1973، واتفاق فصل القوات عام 1974، ثم انتقال سوريا من الحرب المباشرة إلى الردع وضبط الجبهة.
يطمس هذا الاختزال الفروق بين الدفاع عن الأرض، ومحاولات استعادة الجولان، وتوظيف الأنظمة للصراع في تثبيت سلطتها، والمغامرات العسكرية التي لم تغير ميزان القوة، كما يدفع مسؤولية «إسرائيل» بوصفها قوة احتلال إلى الخلفية، ويعيد تقديم ثمانية عقود من الصراع كأنها خطأ سوري متصل.
يعاد تعريف الأمن القومي داخل هذا الخطاب من حماية الأرض وردع التوسع إلى حماية الاستقرار وإعادة الإعمار.
لا تكمن المشكلة في جعل التنمية أولوية للدولة المنهكة، بل في تقديم هذا التحول بوصفه مراجعة طوعية للتاريخ، مع حجب الإكراه المادي الذي يحكمه.
القطيعة التي يقدمها الشرع بوصفها تصحيحا فكريا ليست ثمرة مراجعة سياسية، بل استجابة لاختلال قسري في ميزان القوة، فيتحول العجز العسكري من ظرف يفترض تغييره إلى أساس لإعادة كتابة التاريخ الذي سبق نشوء هذا العجز.
يحاول الشرع نقل الصراع من المجال العسكري إلى شبكة من الضغوط والضمانات الدولية، ويتحدث عن إشراك دول عدة للضغط على “إسرائيل”، وإعادة تفعيل اتفاق 1974 تحت إشراف الأمم المتحدة، والاستفادة من الوساطة الأميركية التي رعت المحادثات الأمنية السابقة.
إنها محاولة لاستبدال ميزان السلاح بميزان الضمانات، لكن الضمانات لا تتحول إلى قوة لمجرد تعدد الأطراف التي تصدرها، فالوساطة الأميركية تتحرك داخل تحالف استراتيجي ثابت مع “إسرائيل”، بينما تملك الأمم المتحدة أدوات المراقبة والتوثيق من دون امتلاك سلطة مستقلة تفرض الانسحاب، وكشفت المفاوضات السابقة حدود هذا المسار واختلال موقع دمشق داخله.
السكان المحليون: المقياس الغائب من تفاوض الدول
يُقدَّم الجنوب في الخطابين السوري و”الإسرائيلي” بوصفه مشكلة أمنية.
سلطة دمشق تتحدث عن وحدة الأرض واحتكار السلاح، و”تل أبيب” عن حماية حدودها و”الدروز”، وبين السرديتين يعيش سكان القنيطرة ودرعا والسويداء في مجال تتداخل فيه القوات الرسمية والفصائل المحلية و”الوجود الإسرائيلي” والروابط العابرة للحدود.
استخدمت “إسرائيل” حماية الدروز لتبرير تدخلها العسكري، بينما رد الشرع بأن الدروز جزء من الشعب السوري وأن حمايتهم مسؤولية الدولة.
السيادة لا تُستعاد بالتصريح وحده، فكلما ضعفت ثقة المجتمعات المحلية بسلطة دمشق، ازدادت قدرة الخارج على تقديم نفسه ضامناً لها؛ وكلما توسع التدخل الخارجي، ازدادت نزعة المركز إلى التعامل مع المطالب المحلية بوصفها اختراقاً أمنياً.
كسر هذه الحلقة يحتاج إلى تسوية داخلية تضمن الحقوق والتمثيل والإدارة المحلية، لا إلى اتفاق حدودي بين دولتين فقط. فالحدود الأكثر هشاشة تبدأ أحياناً داخل المجتمع قبل أن تظهر على الخرائط العسكرية.
فلسطين خارج شروط المسار السوري
عندما سأل المحاور عن ارتباط أي علاقة مع “إسرائيل” بإقامة دولة فلسطينية، أكد الشرع دعم سوريا للدولة الفلسطينية والمسار العربي والقرارات الدولية، لكنه أبقى فلسطين خارج التسلسل الإجرائي الذي رسمه للمستقبل.
يبدأ هذا التسلسل باتفاق أمني، ثم ينتقل إلى مرحلة ثانية من “السلام الشامل”، من دون اشتراط تسوية القضية الفلسطينية، وبهذا الفصل، تتحول فلسطين من عنصر يحدد شروط الانتقال إلى السلام إلى موقف سياسي مواز لا يملك حق تعطيل المسار السوري.
يمثل هذا التحول قطيعة أخرى مع التاريخ السياسي والعسكري لسوريا الحديثة، فمنذ حرب 1948، لم تكن فلسطين في الخطاب السوري قضية خارجية أو بند تضامن عربي فقط، بل جزءا من تعريف الأمن الوطني ومن تفسير موقع سوريا في الإقليم.
ربطت الدولة بين فلسطين والجولان باعتبارهما جبهتين داخل صراع واحد، أما في خطاب الشرع، فتنكمش فلسطين من قضية مؤسسة للدور السوري إلى تأييد دبلوماسي عام.
يتجاوز هذا الفصل حدود التكتيك التفاوضي، لأنه يعيد تعريف المصلحة الوطنية نفسها، فهل تنحصر في حماية الحدود السورية واستعادة المواقع المحتلة حديثا، أم تشمل موقع سوريا التاريخي داخل القضية الفلسطينية والصراع على الجولان؟
يحتاج تحول بهذا الحجم إلى نقاش عام وتفويض مؤسسي، لا إلى تثبيته ضمن إجابة تلفزيونية تصدر عن سلطة انتقالية، فالنتيجة لا تعيد ترتيب العلاقة مع “إسرائيل” وحدها، بل تنقل سوريا من دولة عرفت أمنها داخل صراع إقليمي مترابط إلى دولة تحصره في حدودها المباشرة، وتترك فلسطين خارج شروط السلام الذي تصفه بالشامل.
مقابلة فتحت باب السلام ولم تختبر شروطه
صاغ المحاور السؤال بوصفه انتقالاً ممكناً من اتفاق أمني إلى “علاقات كاملة”، فأتاح للشرع تقديم السلام كمرحلة منطقية تالية، لكنه لم يتابع بأسئلة عن حدود الانسحاب، ومصير جبل الشيخ، وعمق المنطقة المنزوعة السلاح، وحرية الجيش السوري في جنوب البلاد، والجهة التي ستراقب التنفيذ.
كما لم يسأل عن المؤسسة السورية المخولة إقرار سلام طويل الأمد خلال مرحلة انتقالية، ولا عن دور البرلمان أو الرأي العام.
المقابلة جعلت المسافة بين التهدئة والسلام تبدو أقصر مما تسمح به الجغرافيا، فالاختبار الحقيقي ليس استعداد سلطة دمشق لتجنب الحرب، بل قدرتها على منع تحول الاتفاق الأمني إلى نظام دائم لسيادة منقوصة.
تكشف المقابلة أن السقف الفعلي للمسار المطروح لا يتجاوز استعادة بعض وظائف اتفاق 1974، ووقف التوغلات وخفض الغارات تحت رقابة دولية.
يظل وصف هذا الترتيب مدخلا إلى “سلام شامل” أكبر من مضمونه ما دام الجولان خارج التسوية، وحدود انتشار ما يسمى “الجيش السوري” خاضعة للتفاوض، وسكان الجنوب غائبين عن صياغة القرار.
فالترتيبات الأمنية ليست حلا للصراع، بل إعادة تنظيم له داخل خريطة أشد اختلالا؛ هدوء أمني في مقابل سيادة مقيدة، وتأجيل لقضية الاحتلال تحت اسم السلام.

