مفاوضات تحت القصف: إسرائيل تريد من سوريا التفاوض على حدود سيادتها

جاء لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس “الموساد الإسرائيلي” رومان غوفمان في الأردن، بعد خمسة أيام من قصف قاعدة أبو الظهور، فالاعتداء ظهر كبطاقة دعوة إلى التفاوض.

في المشهد السوري فإن اللقاء مع “الإسرائيلي” يحمل ذاكرة قاتمة منذ تأسيس الدولة، فالمسألة ليست “تفاوض”، بل تغييب لمعايير وطنية رافقت الأجيال، خصوصا أن اللقاء لم يكن ضمن مسار سياسي بل مع رئيس جهاز استخبارات عملت طوال عقود ضد مفهوم الدولة الوطنية السورية.

عمليا يلخص هذا الترتيب طبيعة العلاقة، فـ”إسرائيل” تصنع واقعاً بالقوة، ثم تعرض الحوار لإدارة نتائجه، وتدخل سلطة دمشق الاجتماع مطالبة بوقف الهجمات والاعتقالات والانسحاب من الأراضي التي احتلتها “إسرائيل” بعد 8 كانون الأول 2024، فهي تدخل المفاوضات لاستعادة حقوق يُفترض أن تكون مصونة بحكم السيادة.

تكمن مفارقة اللقاء في أن الطرف الأقوى عسكرياً يطالب بمزيد من القيود على الطرف الأضعف، بينما يُطلب من الطرف الأضعف تقديم الضمانات قبل أن يحصل على الأمن.

وفق الرواية السورية الرسمية، بحث الاجتماع وقف الاعتداءات وإحياء مفاوضات اتفاق أمني والعودة إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول وتطبيق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

في الروايات الإسرائيلية، تركزت المطالب على منع الوجود العسكري التركي، وإبقاء الجنوب السوري منزوعاً من القدرات الثقيلة، وتقييد تسليح الجيش السوري، وبهذه الصورة يصبح “الأمن الإسرائيلي” حقاً واسعاً يمتد داخل الجغرافيا السورية، فيما تتحول السيادة السورية إلى ملف قابل للتفاوض.

ذاكرة سورية لا تبدأ من الغارة الأخيرة

يدخل السوريون هذا المشهد بذاكرة أثقل من أن تختصرها عبارة “خفض التصعيد”، فصورة “إسرائيل” ترسخت في الوعي السوري عبر حرب 1948، واحتلال الجولان عام 1967، وحرب تشرين عام 1973، وضم الجولان عام 1981، ثم عقود من الاستيطان والتحصين وفرض الأمر الواقع.

حمل أبناء القرى المهجرة من الجولان ذاكرة مكانية مباشرة، بينما حمل المجتمع الأوسع سردية دولة اقتُطع جزء من أرضها وبقي تحت الاحتلال.

أضافت السنوات الأخيرة مجالا أكثر قرباً وقسوة إلى تلك الذاكرة، فتوسعت الغارات “الإسرائيلية”، وتحولت حرية الحركة الجوية إلى ممارسة شبه دائمة، ثم تقدمت القوات “الإسرائيلية” داخل المنطقة العازلة بعد سقوط النظام ونفذت عمليات توغل واعتقال جنوباً.

فصل اللقاء عن تاريخ الصراع هو قراءة سياسية سطحية، فالذاكرة سجل لتوازن قوى استخدمت فيه “إسرائيل” تفوقها لتثبيت وقائع يصعب عكسها.

الغارة بوصفها أداة تفاوض

حمل استهداف أبو الظهور رسالة تتجاوز المطار، فقالت “إسرائيل” إن الضربة منعت تمركزاً عسكرياً تركياً، بينما نفت سلطة دمشق وأنقرة خطة إنشاء قاعدة دائمة.

سبق الغارة اتصال بين الشيباني وغوفمان حول الوجود التركي وتسليح الجيش السوري، أي إن قناة نقل المخاوف كانت موجودة، ويكشف اختيار القصف رغم ذلك رغبة “إسرائيل” في فرض حدودها الخاصة على خيارات سلطة دمشق الدفاعية.

أصبحت الغارة جزءاً من التفاوض وليست حادثاً سبقه، فامتلكت “إسرائيل” سلطة تحديد ما يجوز للجيش السوري امتلاكه، وأين يتدرب، ومن يسانده، ثم طالبت سلطة دمشق بآلية تمنع سوء الفهم.

المشكلة أن سوء الفهم لم يكن جوهر الأزمة؛ فعمقها هو منح “إسرائيل” حق الضرب الوقائي بناء على تقدير أحادي للتهديد، فأي آلية تنقل المعلومات إلى “إسرائيل” وتترك لها حرية القصف ستعمل كنظام رقابة على سوريا، لا وسيلة متبادلة لفض الاشتباك.

فائض القوة وحدوده

يميل التفوق الجوي إلى إنتاج وهم سياسي، فالقدرة على تدمير منشأة تبدو كأنها قدرة على بناء نظام إقليمي مستقر.

تستطيع “إسرائيل” تعطيل مطار أو مخزن أو رادار خلال دقائق، لكنها تحتاج إلى دولة سورية قادرة على ضبط حدودها وجماعاتها المسلحة ومجالها المحلي كي يتحول الهدوء إلى حالة مستدامة.

إضعاف الجيش السوري بصورة منهجية قد يمنح “إسرائيل” تفوقاً تكتيكياً، لكنه يوسع الفراغ الذي تتحرك فيه شبكات التهريب والجماعات المسلحة والقوى الإقليمية.

تظهر هنا مفارقة القوة فـ”إسرائيل” ترغب في سوريا ضعيفة بما يكفي كي تعجز عن تهديدها، وقوية بما يكفي كي تضبط كامل أراضيها وتحمي “الأقليات” وتمنع الفوضى.

يصعب جمع الشرطين، وكل ضربة تقلص قدرة المركز السوري تزيد لاحقاً حاجة “إسرائيل” إلى الغارات والتوغلات، فتتحول القوة من أداة لبلوغ الأمن إلى آلة تعيد إنتاج أسباب استخدامها.

تركيا داخل الغرفة ولو غاب ممثلوها

احتلت تركيا مقعداً سياسياً في الاجتماع من دون إعلان مشاركتها، فدمشق تعتمد على أنقرة في التدريب وإعادة بناء قدرات الجيش الجديد؛ بعد أن تم حل الجيش السوري الذي حارب اسرائيل سنين طويلة، بينما ترى “إسرائيل” في القواعد أو الرادارات أو المسيّرات التركية تهديداً لسيطرتها الجوية، وتحاول واشنطن منع صدام بين حليفين ترتبط بهما عبر آلية اتصال ثلاثية.

يكشف اختيار الأردن خريطة المصالح المحيطة بسوريا، فهو يقدم مساحة اتصال قريبة من الجنوب، وتوفر واشنطن الغطاء السياسي، وتحضر تركيا كموضوع أمني، بينما تمثل سوريا الأرض التي تتقاطع فوقها حسابات الآخرين.

تُقاس جدية موقف سلطة دمشق بقدرتها على انتزاع شروط متبادلة؛ أما قبولها تفاهمات تُدار فوق الأراضي السورية لخدمة التوازن “الإسرائيلي” – التركي، فسيحوّل التفاوض من وسيلة لاستعادة السيادة إلى غطاء للعجز عن ممارستها.

التفاوض ضرورة أم شرعنة لموازين القوة؟

يكشف توقيت اللقاء حجم الاختلال الذي قبلت سلطة دمشق الدخول تحته، فبينما ظلت الغارات والتوغلات والاعتقالات خارج أي التزام “إسرائيلي” معلن؛ دخلت سلطة دمشق الطاولة وهي تحمل مطالب تتعلق بأصل السيادة، في حين دخلت “تل أبيب” بمطالب تحدد شكل الجيش السوري  الجديد وحلفاءه وانتشاره، فبدأ التفاوض من تثبيت التفوق “الإسرائيلي”، لا من تقييده.

تتحدد قيمة التفاوض بما يغيره فعلياً على الأرض، وتتحول القناة المباشرة إلى وسيلة لتمرير الإنذارات مع احتفاظ “إسرائيل” بحرية القصف، ويصبح الاتفاق الأمني غطاءً لمنطقة نفوذ “إسرائيلية”.

تعمق السرية أزمة شرعية المسار، لأن سلطة دمشق تطلب من السوريين قبول تفاهمات تمس الجولان والجنوب وبناء الجيش وذاكرتهم الوطنية، من دون كشف ما سيقدمه العدو مقابل القيود المطلوبة.

يضع هذا الاختلال سلطة دمشق أمام معيار صارم، حيث يقابل كل التزام سوري يتعلق بالانتشار أو التسليح إجراء “إسرائيلي” واضح وقابل للقياس، يبدأ بوقف الغارات والاعتقالات ويمتد إلى الانسحاب المرحلي والرقابة الدولية المتبادلة.

قبول قيود مسبقة مقابل وعود غامضة، سيحوّل المفاوضات من وسيلة لاستعادة السيادة إلى إطار ينظم التفوق الإسرائيلي ويمنحه غطاءً سياسياً سورياً.

التفاوض كامتداداً للإكراه

يكشف لقاء الأردن انتقالاً أخطر من مجرد فتح قناة اتصال، حيث انتقلت المطالب ا”لإسرائيلية” من شروط تفرضها الطائرات إلى موضوعات تقبل سلطة دمشق مناقشتها على الطاولة.

الدخول في مسار تُطرح فيه قيود على الجيش السوري الجديد وتحالفاته وانتشاره، بالتزامن مع الاحتلال والغارات، يعيد تعريف الحقوق السيادية بوصفها تنازلات قابلة للمساومة، ويحصل الطرف الذي استخدم القوة على مكافأة سياسية مسبقة، وينتقل من موقع المعتدي المطالب بالانسحاب إلى موقع الشريك الذي يحدد شكل الأمن داخل الأراضي السورية.

تتجاوز خطورة اللقاء عدد الغارات التي ربما تتوقف أو مساحة الأرض التي تنسحب منها القوات “الإسرائيلية”، فوقف الاعتداءات والإفراج عن المعتقلين والانسحاب من الأراضي المحتلة التزامات تسبق أي صفقة، وليست مقابلاً تمنحه “إسرائيل” لقاء تقييد قدرات سوريا.

قبول هذه الحقوق بوصفها أثماناً تفاوضية يمنح “تل أبيب” سلطة تحديد مقدار السيادة الذي تستعيده دمشق ومواعيد استعادته.

يزداد الخلل مع حصر الملف داخل قناة أمنية مغلقة يقودها وزير الخارجية السوري ورئيس الموساد، لأن قضايا الجولان والجنوب وبناء الجيش تتعلق بشرعية الدولة ومستقبل المجتمع، وتتجاوز صلاحية تفاهمات الأجهزة.

أما تحويل نتائج القصف إلى جدول أعمال تفاوضي، فسيجعل اللقاء أداة لإضفاء الشرعية على الإكراه، ويمنح التفوق العسكري “الإسرائيلي” قدرة إضافية على إعادة صياغة السيادة السورية من حق ثابت إلى امتياز مشروط.

مفاوضات تحت القصف – لوحة تفاعلية

مفاوضات تحت القصف سوريا · إسرائيل · الأردن 2026

تحليل اختلال القوى وصراع السيادة
🇸🇾 الموقف السوري
المطالب الأساسيةوقف الغارات · الانسحاب من أراضي 2024 · تطبيق اتفاق 1974
الوفدالوزير الشيباني + رئيسا الاستخبارات
القيديدخل التفاوض لاستعادة حقوق سيادية
الذاكرةحرب 48، 67، 73، احتلال الجولان
🇮🇱 الموقف الإسرائيلي
المطالبمنع الوجود التركي · نزع سلاح الجنوب · تقييد تسليح الجيش
الوفدرئيس الموساد رومان غوفمان
آليةيفرض وقائع بالقوة ثم يعرض الحوار
التفوقحرية جوية، استخبارات، غارات وقائية
موازين القوى (تقدير نسبي)
استناداً إلى التفوق العسكري، الدبلوماسية، السيطرة، الذاكرة
مقارنة المطالب في الاجتماع
شدة المطالب وفق الروايات السورية والإسرائيلية
الذاكرة التاريخية والمسار الزمني
أحداث رئيسية غارات / احتلال مفاوضات / مسارات

اللاعبون الإقليميون وتأثيرهم
سوريا
أرض الصراع
نفوذ محدود
إسرائيل
القوة المهيمنة
نفوذ عالٍ
تركيا
داعم عسكري
نفوذ متوسط–مرتفع
الولايات المتحدة
وسيط / غطاء
نفوذ عالٍ
الأردن
مستضيف
نفوذ متوسط
الخلاصة التحليلية
التفاوض امتداد للإكراه، وليس استعادة للسيادة
إسرائيل تفرض شروطها قبل وقف الغارات
تركيا حاضرة كموضوع، ليس طرفاً في الطاولة
إشكالية: قبول قيود مسبقة مقابل وعود غامضة يحوّل المفاوضات من استرداد الحقوق إلى تنظيم التفوق الإسرائيلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *