تقدم حملة مراجعة عقود أملاك الدولة نفسها بوصفها تصحيحا ضروريا لمسار طالما استنزف الخزينة وسمح باستثمار أصول عامة بعوائد منخفضة أو من دون التزام واضح.
عمليا فإن القيمة الحقيقية لأي إصلاح لا تقاس بقوة العنوان الذي يحمله، بل بقدرته على تغيير قواعد توزيع النفوذ الاقتصادي، فهل تعيد الحملة أملاك الدولة إلى المجال العام، أم تعيد ترتيب المستفيدين منها تحت إدارة أكثر مركزية؟
تم الإعلان عن الحملة في 2 آب 2026 لإطلاق مراجعة واسعة لعقود الإيجار والاستثمار والإشغال والانتفاع المرتبطة بأملاك الدولة في مختلف المحافظات، وتشمل العملية جرد الأصول، وإعادة تخمين قيمتها، وتدقيق العقود، وتحصيل المتأخرات، واقتراح الإلغاء أو الاسترداد عند رصد مخالفات.
هذه الإجراءات منطقية في ظاهرها، حيث تملك الدولة حق حماية أصولها ورفع عوائدها ومحاسبة من يخل بالتزاماته، لكن الحملة لا تقتصر على معالجة عقود قائمة، بل تمنح الجهات التنفيذية سلطة تحديد من يحتفظ بالأصل، ومن يخسره، ومن يستطيع الوصول إليه لاحقا.
بهذه الآلية ينتقل الملف من التدقيق المالي إلى إعادة تشكيل السوق.
إصلاح تصوغه الجهة المستفيدة من توسيع سلطتها
تعتمد الحملة على لجان محلية ومركزية تراجع العقود وتقيم الأصول وتقترح الإجراءات المناسبة، وتملك قدرة على تصنيف العقد بوصفه مجحفا أو ضارا بالخزينة أو غير محقق للمصلحة العامة.
تمنح هذه الصيغة الجهاز التنفيذي دورا مزدوجا، فهو يعلن وجود الخلل، ويضع معايير إصلاحه، ثم يقرر العقود التي ستستمر والأصول التي ستسترد، ويزداد هذا الدور اتساعا عندما تكون الجهة نفسها مسؤولة لاحقا عن إعادة استثمار العقار أو الأرض.
حملة مراجعة أملاك الدولة تحتاج إلى أكثر من إعلان نيتها حماية المال العام، لأنها تمنح اللجان التنفيذية صلاحية تقييم العقود واقتراح إلغائها وتحديد مصير الأصول المستردة، ويرتبط صدق الحملة بوجود رقابة مستقلة تراجع قرارات هذه اللجان، وتفصل بين تصحيح عقد أضر بالخزينة واستخدام المراجعة لتوسيع سلطة الإدارة على العقارات والاستثمارات.
في المقابل تبقى آليات الاعتراض والطعن وحدود سلطة كل لجنة غير واضحة في المعلومات المنشورة، كما يغيب تفسير دقيق للجهة التي تفصل بين مخالفة قانونية تستوجب الإلغاء، وبين خلاف اقتصادي يمكن حله بتعديل العقد أو إعادة التفاوض بشأنه.
أرقام مرنة تسمح بنتائج مرنة
تحدثت الهيئة العامة لإدارة وحماية أملاك الدولة عن مراجعة نحو 60 ألف عقار، مع احتمال ارتفاع العدد إلى 100 ألف بعد استكمال الحصر، بينما التقديرات القديمة هي نحو 80 ألف عقار مملوك للدولة.
يكشف اختلاف الأرقام غياب قاعدة نهائية يمكن استخدامها لقياس حجم الحملة ونتائجها، كما يمنح الجهات المعنية قدرة على تقديم أرقام الإنجاز من دون مرجع ثابت، فيمكن إعلان تدقيق آلاف العقارات، ويبقى معنى هذا الرقم محدودا لأن المجتمع لا يعرف الحجم الكامل للأصول أو طريقة تصنيفها.
إداريا يمثل السجل العام للأملاك نقطة البداية لأي مراجعة حقيقية، وهو يوضح موقع كل أصل ومساحته ووضعه القانوني ونوع العقد وقيمته ومدته والجهة المستفيدة منه، أما العمل داخل قاعدة بيانات غير منشورة، فيجعل الجهة المنفذة المصدر الوحيد للمعلومة والحكم الوحيد على دقتها.
تنتج هذه الحالة علاقة غير متوازنة بين الدولة والمجتمع، حيث تطلب المؤسسات الثقة في نتائجها، بينما تحتفظ وحدها بالأرقام التي تسمح باختبار تلك النتائج.
لغة المصلحة العامة تخفي تعدد المصالح
تستخدم الحملة مفاهيم مثل الغبن الجسيم، والإضرار بالخزينة، وضعف العائد، وعدم تحقيق المصلحة العامة.
القوة الأخلاقية والقانونية لهذه المصطلحات لا تقدم وحدها معيارا قابلا للقياس.
تتغير القيمة الاقتصادية للعقود بمرور الزمن، ما يجعل ضعف العائد الحالي غير كاف وحده لإثبات وجود مخالفة، فتتحول المراجعة عندها من تدقيق في سلامة العقد إلى وسيلة لإنهائه وإعادة طرح الأصل بشروط أكثر ملاءمة للإدارة، حتى مع التزام المستثمر بتعهداته الأصلية.
يتحول الخلاف هنا من سؤال حول قانونية العقد إلى سؤال حول من يملك تعريف المصلحة العامة، وتصبح زيادة إيرادات الخزينة مبررا لتجاوز استقرار العقود، بينما تستخدم حماية الاستثمار مبررا في ملفات أخرى للحفاظ على شروط تفضيلية.
تحتاج الحملة إلى معايير منشورة تميز بين العقد غير القانوني، والعقد ضعيف العائد، والعقد غير المنفذ، والعقد المتأخر، والعقد الذي تغيرت ظروفه الاقتصادية، غياب هذا الفصل يمنح اللجان قدرة على تكييف كل حالة وفق النتيجة المرغوبة.
التسوية بوصفها عرضا لا يمكن رفضه بسهولة
سبقت الحملة إجراءات شملت الإفصاح الطوعي، والتسويات المالية، وتتبع الأصول، والتعاون مع المكاتب العقارية والمحافظات.
كما امتدت مهلة التسوية حتى نهاية آب 2026، بالتزامن مع انطلاق المراجعة الشاملة.
يخلق هذا التزامن بيئة تفاوضية تميل بوضوح إلى الجهات الرسمية، ويعرف صاحب العقد أن ملفه يمكن أن يخضع لتدقيق موسع يشمل مصادر التمويل والملكية الفعلية ومسار الأموال، وفي الوقت نفسه، تعرض عليه التسوية باعتبارها طريقا أقصر وأقل كلفة.
تستطيع التسويات استرداد الأموال بسرعة وتجنب نزاعات قضائية طويلة، لكن عدالتها تبقى مرتبطة بنشر أسس التقييم ونسب الاسترداد والالتزامات التي شملها الإعفاء، بما يسمح بمقارنة الملفات المتشابهة وكشف أي تفاوت في المعاملة.
غياب هذه البيانات يحول التسوية من أداة قانونية إلى تفاوض مغلق بين طرف قوي وطرف يسعى إلى تجنب إجراءات أشد، ويصبح النجاح المعلن مرتبطا بحجم ما استرد، من دون معرفة حجم ما جرى التخلي عنه.
من يخرج من السوق ومن يدخل إليه؟
تركز الحملة على العقود التي ستلغى والأصول التي ستعود إلى الدولة، أما السؤال الاقتصادي الأهم فيتعلق بالعقود التي ستظهر بعد ذلك.
كل أرض أو عقار يسترد سيحتاج إلى مستثمر جديد، وستحدد الجهات المعنية شروط التأهيل والقيمة الافتتاحية ومدة الاستثمار والضمانات المطلوبة، وتمنح هذه الشروط الإدارة قدرة على تحديد نوع المستثمر الذي يستطيع المنافسة.
تؤدي زيادة البدلات والضمانات إلى استبعاد المستثمرين المحليين والصغار، وتفتح المجال أمام شركات أكبر تملك التمويل والعلاقات والخبرة القانونية، كما تستطيع دفاتر الشروط أن تصاغ بطريقة تناسب عددا محدودا من المتنافسين، من دون الحاجة إلى منح مباشر أو مخالفة ظاهرة.
بهذه الآلية تتحول الحملة إلى آلية لاختيار طبقة المستثمرين المقبلة، فهي لا تسحب الامتياز فقط ممن تعتبر عقده مختلا، بل تحدد أيضا من يستحق الحصول على الامتياز البديل.
إصلاح لا يوزع السلطة
تقوم بعض السياسات على تصحيح النتائج من دون تغيير طريقة إنتاجها، فتسترد الدولة عقارا، وترفع قيمته، وتوقع عقدا جديدا، بينما يبقى القرار محصورا في الدائرة نفسها التي تدير الأصل وتضع الشروط وتختار المستثمر.
هذا النموذج يرفع إيرادات الخزينة، لكنه لا يبني سوقا أكثر عدالة أو مؤسسات أكثر خضوعا للمساءلة، فتتغير أسماء المستفيدين وتزداد قيمة العقود، بينما تبقى قواعد الوصول إلى الأصول مرتبطة بموافقة الجهاز التنفيذي.
يكشف مسار الحملة أن السلطة لا تنتقل من إدارة العقارات إلى توزيع أوسع للقرار، بل تعيد ترتيب الأصول داخل البنية التنفيذية نفسها، فآليات التقييم والإلغاء وإعادة الطرح تبقى مترابطة داخل مؤسسات تملك تأثيرا مباشرا في تحديد العقود المستمرة والمستفيدين اللاحقين.
يمتد هذا الخلل إلى العقود الجديدة، فتتركز المراجعة على المخالفات السابقة، بينما لا يظهر المستوى نفسه من التدقيق عند انتقال الأصل إلى مستثمر آخر.
الشفافية التي تبدأ بعد انتهاء القرار
تفضل الجهات المعنية نشر النتائج النهائية للملفات المنجزة، مستندة إلى حماية التحقيق وحقوق الأطراف، يمكن لهذا المبرر أن يفسر حجب الأسماء، لكنه لا يفسر غياب البيانات العامة.
تتيح البيانات الكمية كشف جوهر الحملة من دون المساس بسرية الأفراد، فعدد العقود المدققة، وقيمة المتأخرات، ومساحات الأراضي المستردة، وحجم التسويات، ونتائج الاعتراضات، مؤشرات تكشف ما تحقق فعليا، لا ما ترغب الجهات المنفذة في إظهاره.
غياب هذه الأرقام يترك المجتمع أسير الرواية الرسمية، ويحول تعبيرات مثل “مئات العقارات” و”آلاف الدونمات” إلى لغة فضفاضة لا تسمح بقياس الإنجاز أو مقارنة النتائج بين المحافظات والملفات.
أهمية الإفصاح أنه ينتزع من الجهات المنفذة حق تعريف النجاح وفق معاييرها وحدها، فالحملة لا تقاس بحجم الأصول التي أعلنت استعادتها، بل بما دخل الخزينة فعليا، وبما إذا كانت العقود الجديدة حسنت إدارة المال العام أم اكتفت بإعادة نقل الأصول بين مستفيدين مختلفين.
الامتحان الحقيقي في أسماء المستفيدين الجدد
تملك الدولة الحق في مراجعة عقودها واسترداد الأصول المشغولة بصورة غير قانونية، لكن مشروعية الهدف لا تضع الحملة فوق النقد، خصوصا إذا أفضت إجراءاتها إلى تركيز القرار الاقتصادي داخل المؤسسات التنفيذية.
سيظهر اتجاه الحملة في الطريقة التي تدار بها الأصول بعد استردادها، تكشف العقود الجديدة هوية المشروع أكثر مما تكشفه بيانات الإلغاء، فإذا جرى طرح الأصول في منافسة حقيقية ونشرت الشروط والنتائج والملكيات الفعلية، تصبح المراجعة خطوة نحو إدارة أكثر انضباطا.
إذا بقيت معايير الإلغاء مرنة، والتسويات مغلقة، وقواعد الاختيار غير منشورة، فستبدو الحملة أقل شبها بإصلاح السوق وأكثر شبها بإعادة اختيار من يسمح له بالاستفادة منه.
لا يكمن التحدي في استبدال مستفيد بآخر، بل في إنهاء قدرة أي جهة على صناعة المستفيدين بعيدا عن الرقابة، وعند هذه النقطة فقط تتحول حماية أملاك الدولة من شعار إداري إلى سياسة عامة تحمي حق المجتمع في موارده.
مراجعة أملاك الدولة في سوريا
- غياب الشفافية لا توجد قاعدة بيانات منشورة للأصول، مما يجعل الجهة المنفذة هي المصدر الوحيد للمعلومة.
- معايير مرنة مفاهيم مثل “الغبن الجسيم” و”الإضرار بالخزينة” غير محددة، مما يسمح بتكييفها حسب النتيجة المرغوبة.
- تضارب المصالح الجهات التنفيذية هي من تضع المعايير وتقرر الإلغاء ثم تعيد طرح الأصول، دون فصل بين التدقيق وإعادة الاستثمار.
- التسويات المغلقة عدم نشر أسس التقييم ونسب الاسترداد يحول التسوية إلى تفاوض فردي بين طرف قوي ومستثمر خائف.
- إعادة توزيع النفوذ الحملة لا توزع السلطة بل تعيد ترتيب المستفيدين داخل البنية التنفيذية نفسها، مع استبعاد المستثمرين الصغار.

