تقدم حملة “لست شجرة” نفسها في صورة مبادرة شعبية للمقاطعة، لكنها تكشف في مضمونها الفعلي عن مشروع إقصاء اجتماعي واقتصادي يقوم على الهوية الطائفية.
الحملة لا تطلب محاسبة أفراد تثبت مسؤوليتهم عن جرائم، ولا تعرض معايير واضحة لتحديد المتورطين، ولا تميز بين مجرم ومواطن عادي، معيار الاستهداف في عدد من منشوراتها هو الانتماءالطائفي وحده.
حين تصبح الطائفة أساسا للمقاطعة الشاملة فإن الخطاب يغادر مساحة الاحتجاج المدني ويدخل مباشرة في مساحة العقاب الجماعي، وحين تمتد الدعوة إلى السياحة والسكن والزواج والعلاقات اليومية، فإن الحملة لا تعود موقفا عابرا، بل تصبح محاولة لإعادة تنظيم المجتمع وفق خطوط فصل طائفية.
المشكلة الأساسية ليست في استخدام المقاطعة، بل في تحويلها إلى أداة لفرض العزل على جماعة بشرية كاملة.
توظيف الضحايا لتبرير استهداف جماعي
ظهرت الحملة في سياق سردية وبشكل يمنح الغضب شرعية أخلاقية، لكنه لا يمنح أحدا الحق في نقل المسؤولية من الجناة إلى جماعة اجتماعية واسعة، فالعدالة تبدأ بتحديد المسؤوليات، وجمع الأدلة، ومحاسبة المتورطين، أما الطائفية فتبدأ حين يصبح الانتماء بديلا عن التحقيق.
تستخدم الحملة ألم الضحايا بوصفه وقودا تعبويا، والرسالة التي تنتجها ليست “حاسبوا المجرمين”، بل “قاطعوا المنتمين إلى جماعة معينة في تفاصيل حياتكم اليومية”، فلا تطالب بالعدالة، بل بإنتاج منطق الانتقام الاجتماعي.
استغلال مأساة الضحايا لتوسيع دائرة الإدانة يشكل إساءة مزدوجة، الأولى إلى الضحايا لأن قضيتهم تتحول إلى أداة تعبئة طائفية، والثاني إساءة إلى المجتمع لأن الحزن العام يستخدم لتقويض مبدأ المسؤولية الفردية.
منطق القوائم السوداء
تكشف منشورات الحملة عن انتقال خطير من الموقف السياسي العام إلى الاستهداف المباشر، فالدعوة إلى مقاطعة بائع أو سائق أو طبيب بسبب هويته الطائفية تخلق منطقا شبيها بالقوائم السوداء.
الفرد لا يسأل عن موقفه أو أفعاله أو تاريخه، بل يصنف مسبقا ويدفع إلى خارج المجال الاقتصادي والاجتماعي، ويصبح المتجر مشبوها، والعيادة موضع شك، وسيارة الأجرة هدفا للمقاطعة، والمنطقة السياحية مستبعدة، والعلاقة الاجتماعية محل رقابة، وهذه ليست مقاطعة مدنية، بل منظومة فرز.
الخطورة في هذه المنظومة تكمن في بساطتها، فلا تحتاج إلى تنظيم عسكري ولا إلى مؤسسة رسمية، فيكفي تصميم بصري متكرر، ووسم قابل للتداول، وحسابات متوازية على منصات مختلفة، حتى يتحول التمييز إلى سلوك يومي يمكن تنفيذه دون مساءلة مباشرة.
حرية التعبير ليست رخصة للتحريض
تستحق حرية التعبير حماية واسعة لكن هذا الأمر لا يعني التعامل مع كل خطاب بوصفه متساويا في أثره أو مسؤوليته، الدعوة إلى مقاطعة شركة بسبب تورط مثبت تختلف جذريا عن الدعوة إلى مقاطعة أفراد بسبب انتمائهم الطائفي.
الخطاب الطائفي لا يصبح مشروعا لمجرد أنه صيغ في صورة منشور أو وسم أو تصميم، كما أن غياب الدعوة الصريحة إلى الاعتداء لا يلغي الطبيعة التحريضية للرسالة.
التحريض يبدأ بتطبيع الفكرة التي تجعل جماعة كاملة أقل استحقاقا للعمل والسكن والخدمة والعلاقة الاجتماعية.
تعمل الحملة على تقليص المسافة بين الكراهية والسلوك، فكل منشور يطلب من المتلقي اتخاذ قرار عملي، وهذه الأفعال الفردية، حين تتراكم، تنتج واقعا تمييزيا منظما حتى من دون قانون رسمي.
إعادة إنتاج بنية الاستبداد
تحاول الحملة تقديم نفسها بوصفها ردا على “إرث الاستبداد”، فتستخدم التعميم؛ ترفض الفرد بوصفه كائنا مستقلا، وتربطه بجماعته، ومنطقته، واسمه، وبيئته الاجتماعية، تحول الهوية الطائفية إلى ملف اتهام مفتوح.
هذه المفارقة تكشف أزمة عميقة في الخطاب العام، فمن يرفض الظلم لا يستطيع بناء شرعيته على ظلم جديد، ومن يطالب بالمحاسبة لا يستطيع استبدال القضاء بالمقاطعة الطائفية، ومن يدافع عن الضحايا لا يملك الحق في إنتاج ضحايا جدد.
العدالة الانتقالية لا تقوم على توزيع العقوبة على الجماعات، بل على تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية، أما التعميم فيعيد إنتاج البنية نفسها التي يدعي الخطاب محاربتها.
التحريض الناعم يمهد للعنف
تعتمد الحملة في جزء كبير من خطابها على تحريض ناعم، لا يستخدم بالضرورة لغة القتل أو الاعتداء، لكنه يهيئ بيئة تسمح بتصعيد لاحق.
تبدأ العملية بإخراج جماعة من دائرة الثقة، ثم من دائرة التعامل، ثم من دائرة الانتماء الكامل إلى المجتمع.
حين تصبح الهوية الطائفية معيارا لتحديد من يستحق التعامل معه ومن يجب استبعاده، يغادر الخطاب مساحة الاحتجاج المدني ويدخل مباشرة في مساحة العقاب الجماعي، واتساع المقاطعة من المجال الاقتصادي إلى أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية يكشف أن الحملة لا تقدم موقفا عابرا، بل تدفع نحو إعادة تنظيم المجتمع وفق خطوط فصل طائفية.
مسؤولية المنصات والإعلام
تتحمل المنصات الرقمية مسؤولية مباشرة عندما يتحول الخطاب من رأي عام إلى استهداف أفراد ومهن ومحال محددة.
يمكن تحويل الفقرة إلى صياغة تحليلية تصف الأثر من دون أن تتحول إلى توصيات:
يتجاوز نشر أسماء الأطباء وعناوين العيادات وقوائم أصحاب المصالح الصغيرة حدود النقاش السياسي، لأنه ينقل الاستهداف من الجماعة بوصفها مفهوما عاما إلى أفراد يمكن تحديدهم والوصول إليهم.
ضمن هذا المستوى، لا يبقى الضرر محصورا في السمعة أو الخسارة المهنية، بل يمتد إلى خلق بيئة تسمح بالتهديد والوصم وربما الاعتداء.
تظهر المشكلة أيضا في طريقة تناول الحملة إعلاميا، فوصفها بأنها “مثيرة للجدل” يحجب طبيعتها الفعلية، ويضع التحريض الطائفي في مرتبة رأي قابل للنقاش بين آراء متكافئة.
المحتوى المنشور يتجاوز الجدل السياسي إلى الدعوة لممارسات تمييزية تستهدف الأفراد في عملهم وسكنهم وعلاقاتهم اليومية، وتداول أسماء المستهدفين وقوائم المحال والأطباء يضاعف أثر الحملة، لأن إعادة النشر تحول التغطية من رصد الظاهرة إلى توسيع نطاق انتشارها.
مواجهة الحملة تبدأ بتسمية الأشياء بأسمائها
يكشف مضمون الحملة عن فارق واضح بين المقاطعة المرتبطة بسلوك موثق أو مؤسسة محددة، وبين استهداف البشر بسبب انتمائهم الطائفي.
ففي الحالة الأولى تبقى المقاطعة أداة احتجاج مدني موجهة إلى فعل قابل للنقاش والتقييم، بينما تتحول في الحالة الثانية إلى تمييز اجتماعي وعقاب جماعي، وحين يترجم هذا التمييز إلى تعليمات يومية تتعلق بالشراء والسكن والعمل والعلاقات الاجتماعية، يصبح الخطاب أداة لإعادة إنتاج الإقصاء داخل الحياة العامة.
تستفيد الحملة من الغموض بين مستويين متعارضين؛ خطاب معلن يتحدث عن محاسبة المجرمين، وممارسة فعلية توسع دائرة الاستهداف لتشمل أفرادا لا تعرض بشأنهم أدلة شخصية، فيسمح هذا الالتباس بتقديم العقاب الجماعي في صورة موقف أخلاقي، فيما يقوم جوهره على استبدال المسؤولية الفردية بالهوية الطائفية، وتحويل الانتماء إلى قرينة اتهام.
تمثل حملة “لست شجرة” نموذجا خطيرا لتحويل منصات التواصل إلى أداة فرز طائفي؛ تستخدم لغة المقاطعة لتطبيع التمييز، وتستخدم “سرديات” مختلفة لتوسيع دائرة الاستهداف.
كما تكشف عن انهيار مبدأ المسؤولية الفردية لصالح منطق الإدانة الجماعية، فالمحتوى الذي يستهدف الأفراد بسبب هويتهم الطائفية لا يكتفي بإنتاج خطاب كراهية، بل يحول المنصات الرقمية إلى أدوات للفرز الاجتماعي، ويمنح التمييز مظهرا اعتياديا يمكن ممارسته في السوق والسكن والعمل والحياة اليومية.
العدالة القائمة على الهوية تتحول إلى نقيضها، والمقاطعة التي تستهدف جماعة كاملة تفقد صفتها الاحتجاجية وتصبح بنية إقصاء، وفي السياق السوري، لا يمثل هذا الخطاب انحرافا عابرا في النقاش العام، فهو اختزال الفرد في طائفته، وتحميل الجماعات وزر الجرائم، وتحويل الانتماء إلى سبب كاف للعقاب.
حملة “لست شجرة” · تفكيك خطاب العقاب الجماعي
المقاطعة المدنية vs العقاب الجماعي
العقاب الجماعي يستبدل المسؤولية الفردية بالانتماء الطائفي، ويوسع الدائرة لتشمل أفراداً عاديين.


ما هو احتمال أن تكون اسرائيل صاحبة الحملة؟ فالصفحة لا تبين من خلفها أ اسم مشغلها..