النووي تحت الرقابة والسيادة تحت القصف.. مفارقة سوريا الجديدة

في المشهد السوري يوم 18 آب 2026 مفارقة يصعب تجاوزها، حيث يقف في دمشق وزير الخارجية في الحكومة النتقالية أسعد الشيباني إلى جانب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي ليؤكد أن المواد النووية الموجودة على الأراضي السورية ستبقى في عهدة الدولة، وأن سوريا تتمسك بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

وفي الشمال، كانت طائرات “إسرائيلية” تضرب مطار أبو الظهور العسكري بثماني غارات، من دون أن تملك سلطة دمشق القدرة العسكرية على منعها.

بين المشهدين يمكن اختصار المعضلة السورية الراهنة، فالدولة تطالب بسيادتها على الذرة، بينما لا تزال سيادتها على الأرض والسماء موضع نزاع واختراق.

ليست المسألة هنا ما إذا كانت سوريا قادرة في المستقبل القريب على بناء مفاعل نووي مدني، فهذا سؤال تقني واقتصادي يمكن تأجيله سنوات، فالسؤال الجيوسياسي يتعلق بمعنى أن تطالب دولة بحقوق سيادية متقدمة في المجال النووي، في الوقت الذي لا تزال فيه غير قادرة على فرض أبسط تعريف تقليدي للسيادة، عبر السيطرة على حدودها ومجالها الجوي وأراضيها.

إرث نووي تحول من ورقة قوة إلى عبء سيادي

الملف الذي فتحته سلطة دمشق مع الوكالة الدولية ليس جديدا، وتعود جذوره إلى المنشأة التي دمرتها “إسرائيل” في دير الزور عام 2007، وخلصت الوكالة لاحقا إلى ترجيح أنها كانت مفاعلا نوويا كان ينبغي التصريح عنه.

في حزيران 2011 اعتبر مجلس محافظي الوكالة أن عدم إعلان المنشأة وعدم تقديم المعلومات المطلوبة يمثلان حالة عدم امتثال لاتفاق الضمانات السوري.

لأكثر من عقد بقي الملف معلقا، فالنظام السابق تعامل معه باعتباره جزءا من صراع سيادي مع الغرب و”إسرائيل”، أما الحكومة الجديدة فاختارت المسار المعاكس.

في 17 تموز 2026 أبلغت الوكالة من تلقاء نفسها بوجود مواد نووية في موقع لم يكن معلنا سابقا، ثم سمحت للمفتشين بالوصول إلى الموقع وإلى دير الزور، ووصفت الوكالة زيارة غروسي في 17 و18 آب بأنها أهم تقدم حتى الآن في معالجة قضايا الضمانات الموروثة عن النظام السابق.

هذه ليست مجرد شفافية فنية، بل محاولة لإعادة تعريف السيادة السورية.

حين تصبح الشفافية أداة لاستعادة السيادة

في التصورات التقليدية للقوة، يمكن النظر إلى فتح المنشآت الحساسة أمام المفتشين الدوليين بوصفه جزءا من الالتزامات القانونية للدولة.

المشكلة في الحالة السورية لا تتعلق بالرقابة، بل بالطريقة التي تحاول سلطة دمشق تقديمها كدليل على استعادة السيادة، في وقت لا تزال فيه أدوات السيادة الفعلية ناقصة إلى حد كبير.

الاستراتيجية السورية تبدو قائمة على افتراض أن الاعتراف الدولي بمؤسسات الدولة يمكن أن يسبق استعادة قدرتها على فرض سلطتها داخل حدودها،  لكنه يحمل مخاطرة تحول الشرعية الخارجية إلى بديل مؤقت عن بناء القدرة الداخلية.

تبدو عبارة وزير الخارجية أسعد الشيباني بأن سوريا “تمارس المسؤولية السيادية” عن المواد النووية أكثر تعقيدا مما توحي به، فالبيان المشترك مع الوكالة الدولية أكد بقاء المواد في الحيازة الوطنية السورية والتعامل معها وفق التزامات سلطة دمشق الدولية، لكن امتلاك الصفة القانونية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة السياسية والعسكرية على حماية ما تعترف به هذه الصفة.

تظهر ثغرة أساسية في المقاربة السورية، فسلطة دمشق تحاول أن تثبت سيادتها عبر الامتثال لقواعد النظام الدولي، بينما القوى التي تتدخل عسكريا داخل سوريا لا تنتظر موافقة سلطة دمشق ولا تعامل حدودها بوصفها قيدا مطلقا.

تصبح الدولة قادرة على تنظيم علاقتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدرجة أعلى بكثير من قدرتها على تنظيم سلوك القوى الأجنبية داخل مجالها الجوي وأراضيها.

يحقق إغلاق ملف عدم الامتثال القديم مكاسب مهمة لسلطة دمشق، إلا أن تحويلها إلى دليل على استعادة السيادة سيكون مبالغة، لأن ما تحصل عليه سوريا في هذه المرحلة هو اعتراف بشرعية الدولة أكثر مما هو اعتراف بقدرتها.

هناك خطرا آخر في الاستراتيجية الحالية، فكلما ازداد اعتماد سلطة دمشق على الاعتراف الدولي لتعويض ضعفها الميداني، أصبحت قدرتها على المناورة مرتبطة بدرجة أكبر برضا القوى التي تمنح هذا الاعتراف.

تبدأ المشكلة الحقيقية عندما يغادر النقاش قاعات الوكالة الدولية ويعود إلى الجغرافيا السورية، فسلطة دمشق تحاول بناء سيادتها من خلال الاعتراف الدولي، بينما اختبار السيادة الفعلي ما زال يجري على الأرض وفي السماء، حيث لا تزال موازين القوة أهم من النصوص والبيانات.

بين حماية الملف النووي وتحديات حماية المجال الجوي

قبل ساعات من المؤتمر الصحفي للشيباني وغروسي، تعرض مطار أبو الظهور العسكري لثماني غارات “إسرائيلية”.

قالت “إسرائيل” إن الضربة جاءت لمنع تغيير في الوضع الأمني يمكن أن يسمح بوجود عسكري تركي في القاعدة، فيما قالت تركيا إنها لم تنشر قوات فيها، فالولايات المتحدة نفسها وصفت العملية بأنها تصعيد غير ضروري، وبدأت العمل على آلية لمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا.

المفارقة هنا قاسية؛ سلطة دمشق تستطيع أن تقرر أن مواد نووية موجودة في موقع ما ستبقى تحت سلطتها، لكن قرارها بشأن قاعدة جوية عسكرية داخل أراضيها يخضع فعليا لحسابات ثلاث عواصم أخرى: “تل أبيب” وأنقرة وواشنطن.

هذا هو الفارق بين السيادة القانونية والسيادة المادية.

الأولى تمنح الدولة مقعدا على الطاولة وتسمح لها بتوقيع الاتفاقات واستقبال المفتشين، والثانية تتطلب قوة قادرة على جعل انتهاك حدود الدولة مكلفا.

وما يسمى سوريا تملك اليوم قدرا متزايدا من الأولى، بينما لا تزال تفتقر إلى الثانية.

الجنوب السوري يكشف حدود الدولة

المشكلة لا تقتصر على المجال الجوي، فمنذ سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024 تحركت القوات “الإسرائيلية” إلى مناطق جديدة داخل الجنوب السوري، بما في ذلك مواقع في المنطقة المنزوعة السلاح وجبل الشيخ.

سلطة دمشق تطالب بانسحابها والعودة إلى ترتيبات فض الاشتباك لعام 1974، فيما لم يتحقق اتفاق نهائي رغم جولات من المحادثات بوساطة أميركية.

الرئيس الانتقالي أحمد الشرع قال إن سوريا تسعى إلى اتفاق أمني مع “إسرائيل” وإنها تتجنب الدخول في مواجهة، مع تمسكها بحقها في الجولان المحتل، واستعادة السيادة السورية تجري حاليا بالتفاوض ” المغازلة”  أكثر مما تجري بالقوة!!!!

“إسرائيل” والمفارقة النووية السورية

تظهر “إسرائيل” في قلب التناقض بطريقة أكثر وضوحا من أي طرف آخر، وهي التي دمرت منشأة دير الزور عام 2007، وما زالت تمتلك القدرة على ضرب منشآت عسكرية سورية في 2026.

بين التاريخين تغير النظام في دمشق، وتغيرت التحالفات، وخرج الإيرانيون من موقعهم السابق، لكن حقيقة عسكرية واحدة بقيت مستقرة؛ “إسرائيل” تريد أن تحتفظ لنفسها بحق تحديد أي قدرة عسكرية أو استراتيجية يمكن أن تتشكل داخل سوريا عندما ترى أنها تمس أمنها.

لن يكون مجرد إعلان سلطة دمشق نيتها تطوير برنامج نووي مدني حدثا تقنيا بالنسبة إلى إسرائيل، فالمفاعل المدني يحتاج إلى بنية تحتية وكوادر وسلاسل توريد وحماية ومواقع ثابتة، وكل ذلك يقع داخل فضاء عسكري تستطيع “إسرائيل” الوصول إليه حاليا.

أي برنامج نووي سوري مستقبلي يحتاج أولا إلى دولة تستطيع حمايته، ويمكن للوكالة الدولية أن تؤكد سلميته، لكنها لا تستطيع حماية منشآته من الضربات.

السيادة تبدأ من الاعتراف لكنها لا تنتهي عنده

إغلاق ملف عدم الامتثال يمنح سلطة دمشق مساحة أوسع للتعاون النووي السلمي، وينقل العلاقة مع الوكالة من معالجة إرث قديم إلى بناء شراكة تقنية جديدة، لكن كل ذلك سيظل يحمل مفارقة ما لم يتغير ميزان القوة على الأرض.

الدولة التي تستطيع استقبال مفتشي الوكالة الدولية لكنها لا تستطيع منع طائرة أجنبية من قصف قاعدة عسكرية داخل أراضيها لم تستعد سيادتها كاملة، وفي المقابل، رفض الرقابة الدولية باسم السيادة لن يعيد إليها تلك السيادة أيضا.

يبدو المشهد النووي السوري أكبر بكثير من بضعة أطنان من المواد أو موقع مدفون في دير الزور، فهو اختبار لمعنى الدولة نفسها.

في 18 آب، قالت سلطة دمشق إن الذرة الموجودة على أرضها سورية وتحت مسؤوليتها، وفي اليوم نفسه ذكرتها الطائرات “الإسرائيلية” بأن تعريف السيادة لا يكتمل بالملكية القانونية وحدها.

المعركة السورية الحقيقية ليست امتلاك برنامج نووي، بل الوصول إلى اليوم الذي تصبح فيه عبارة “تحت السيادة السورية” وصفا للحدود والسماء قبل أن تكون وصفا للمواد النووية.

مفارقة سوريا الجديدة · 18 آب 2026
غارات إسرائيلية (أبو الظهور)
8
استهداف قاعدة عسكرية في ريف إدلب
تدمير مفاعل دير الزور
2007
ضربة إسرائيلية للمنشأة النووية
زيارة الوكالة الدولية
2026
غروسي يدخل موقع دير الزور بعد 18 عاماً
حالة عدم الامتثال
2011
مجلس المحافظين يقرر عدم الامتثال
كشف طوعي عن مواد نووية
تموز 2026
إبلاغ الوكالة من قبل دمشق
التوغل الإسرائيلي في الجنوب
مستمر
منذ سقوط النظام كانون الأول 2024

فجوة السيادة: القانونية مقابل الفعلية

تقدير نسبي لمؤشرات السيادة وفقاً لمضمون المقال

تطور الملف النووي مقابل الانتهاكات العسكرية

ارتفاع التعاون النووي مقابل استمرار الغارات والتوغلات

الخط الزمني للمفارقة السورية (2007 – 2026)

2007 تدمير مفاعل دير الزور – غارة إسرائيلية تدمر منشأة نووية، تبدأ أطول أزمة امتثال مع الوكالة الدولية.
2011 عدم الامتثال – مجلس محافظي الوكالة يقرر أن سوريا لم تلتزم باتفاق الضمانات بسبب عدم الإعلان عن المنشأة.
تموز 2026 كشف طوعي – دمشق تبلغ الوكالة عن مواد نووية في موقع غير معلن سابقاً، وتطلب إنهاء ملف عدم الامتثال.
17-18 آب 2026 زيارة غروسي – مدير الوكالة يزور سوريا ويدخل موقع دير الزور، ويجمع عينات، في أول وصول منذ 2007.
18 آب 2026 (صباحاً) 8 غارات على أبو الظهور – طائرات إسرائيلية تقصف قاعدة عسكرية في ريف إدلب، دون قدرة دمشق على الردع.
18 آب 2026 (مساءً) المؤتمر الصحفي – الشيباني وغروسي يؤكدان بقاء المواد النووية تحت السيادة السورية، في تناقض صارخ مع قصف القاعدة.

جوهر المفارقة: تستطيع سلطة دمشق أن تقرر أن مواد نووية في موقع ما ستبقى تحت سلطتها، لكن قرارها بشأن قاعدة جوية عسكرية داخل أراضيها يخضع فعلياً لحسابات ثلاث عواصم أخرى: تل أبيب وأنقرة وواشنطن. هذا هو الفارق بين السيادة القانونية والسيادة المادية. الأولى تمنح الدولة مقعداً على الطاولة، والثانية تتطلب قوة قادرة على جعل انتهاك الحدود مكلفاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *