لا تكشف قضية “الموقع 99” عن مستودع نووي سري فقط، بل تعرض صورة مركبة للسيادة السورية بعد سقوط النظام السابق.
الموقع داخل الأراضي السورية، والمواد مرتبطة ببرنامج أنشأته أجهزة سورية، لكن مراقبته وتهديده بالقصف والتفاوض حول محتوياته جرت ضمن دائرة شاركت فيها واشنطن و”تل أبيب” والوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما دخلت الحكومة السورية الجديدة إلى الملف بعد انتقال السلطة.
بحسب تقرير “أكسيوس” توصلت الوكالة إلى اتفاق مع سلطة دمشق لإزالة المواد، بعد تفاهمات أميركية مع سوريا و”إسرائيل”، وأكدت هيئة الطاقة الذرية السورية وجود تعاون وثيق مع الوكالة وزيارة مرتقبة لوفد منها، لكنها لم تذكر اسم الموقع أو نوع المواد أو مكان نقلها.
لا تتوقف القضية عند حق الوكالة في التفتيش، فسوريا ضمن معاهدة عدم الانتشار واتفاق الضمانات، فجوهر المسألة في توزيع القرار داخل موقع سوري بين سلطة دمشق القانونية، والضغط العسكري الذي تمارسه “تل أبيب”، والدور الأميركي في تنظيم التفاهمات ومنع التصعيد.
سيادة بلا خريطة مكتملة
تقاس السيادة بالسيطرة على الحدود، لكنها تبدأ بمعرفة ما يوجد داخلها، فالدولة التي لا تملك سجلات منشآتها العسكرية ولا تعرف محتويات مواقعها السرية تمارس سيادة ناقصة حتى لو رفعت علمها فوق الأرض.
تقول المصادر التي تحدثت إلى “أكسيوس” أن مسؤولين سوريين أبلغوا واشنطن بعدم علمهم بوجود مواد نووية في “الموقع 99″، ولا يوجد تأكيد سوري مباشر لهذه الرواية، لكنها تنسجم مع طبيعة النظام السابق الذي أدار الملفات العسكرية الحساسة عبر دوائر أمنية مغلقة، بعيدا عن الوزارات والهيئات المدنية.، بسبب حساسية الملف، ومعرفة خطر اسرائيل الوجودي.
أنتج هذا الأسلوب جغرافيا سرية داخل الدولة، ومواقع موجودة على الأرض السورية، لكنها غير ظاهرة في سجلات المؤسسات للسلطة الجديدة، فامتلكت أجهزة الاستخبارات الخارجية معلومات عنها أكثر مما امتلكته الحكومة الجديدة، فأزمة السيادة بدأت من الداخل قبل أن تتحول إلى موضوع تدخل أميركي أو “إسرائيلي”.
مفاعل دمر وبنية بقيت
قصفت “إسرائيل” منشأة الكبر في دير الزور عام 2007، وخلصت الوكالة الدولية في تقريرها الصادر عام 2011 إلى أن المبنى كان على الأرجح مفاعلا نوويا غير معلن، لكنه لم يدخل مرحلة التشغيل ولم توضع فيه مواد نووية قبل تدميره.
لم يؤد تدمير المبنى إلى إنهاء كامل البنية المرتبطة به، فظهرت ثلاثة مواقع وصفتها الوكالة بأنها مرتبطة وظيفيا بمشروع الكبر، وأثبتت عينات أخذت خلال عامي 2024 و2025 وجود جسيمات يورانيوم طبيعي عولج صناعيا في أحد تلك المواقع، بحسب تقرير الضمانات لعام 2025.
يكشف ذلك الفرق بين تدمير منشأة وإنهاء مجال نووي سري، فالمفاعل نقطة ثابتة يمكن استهدافها، بينما يتكون البرنامج من مخازن ومختبرات وطرق نقل ووثائق وكوادر موزعة في أكثر من منطقة، فبقي إرث الكبر حاضرا بعد 17 عاما من الضربة.
واشنطن بوابة القرار السوري
تفيد رواية “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب طلبت من “إسرائيل” عدم تنفيذ ضربة جديدة، ثم أدخلت الوكالة الدولية في الملف.
وفر التدخل الأميركي حماية مؤقتة للموقع وللسلطة دمشق من عمل عسكري كانت نتائجه ستتجاوز المنشأة نفسها، لكن هذه الحماية وضعت واشنطن في موقع الحاكم بين سلطة دمشق و”تل أبيب”، ولم يعد القرار متعلقا بما تراه الدولة السورية مناسبا داخل أراضيها، بل بما تستطيع إقناع الولايات المتحدة بأنه لا يهدد الأمن “الإسرائيلي”.
تمنح العلاقة لسلطة دمشق مع واشنطن طريقا للخروج من العزلة ورفع القيود وإعادة بناء مؤسسات الدولة، لكنها تنشئ اعتمادا سياسيا وأمنيا، فالحكومة تحتاج الغطاء الأميركي لوقف الغارات وفتح مسارات الاعتراف الدولي، بينما تستخدم واشنطن هذا الغطاء لتحديد السلوك السوري المقبول.
إنها ليست وصاية قانونية معلنة، لكنها سيادة تعمل داخل حدود رسمتها موازين القوة، فالقرار السوري موجود، إلا أن كلفة استخدامه من دون تفاهم أميركي مرتفعة.
“تل أبيب” توسع حدودها الأمنية
تقول المصادر “الإسرائيلية” في تقرير “أكسيوس” إن الجيش “الإسرائيلي” قصف مداخل “الموقع 99” بعد سقوط النظام، ثم هدد بقصفه مجددا إذا لم تزل المواد أو حاولت الحكومة السورية الوصول إليها، ولا توجد حتى الآن صور أقمار صناعية منشورة أو وثائق رسمية تثبت هذه التفاصيل، لذلك تبقى رواية غير مؤكدة.
منطق الرواية يكشف تصورا “إسرائيليا” للسيادة لا يتوقف عند خط الحدود، فتعتبر “تل أبيب” أن لها حق مراقبة منشأة داخل سوريا، وتقييم حركة القوات السورية حولها، ثم تقرير ما إذا كان وصول سلطة دمشق إلى موقع سوري يمثل خطرا يستوجب استخدام القوة.
تتحول الأراضي السورية، ضمن هذا التصور، إلى نطاق أمني “إسرائيلي” خارجي، فلا تحتل الموقع، لكنها تحاول تحديد ما يمكن تخزينه فيه ومن يستطيع دخوله، ويمثل الاعتداء وسيلة لفرض هذا التعريف، بينما تمنحه الوساطة الأميركية شكلا تفاوضيا.
العلاقات الناشئة بين سلطة دمشق و”تل أبيب” لا تقوم بين طرفين متساويين، فأحدهما يملك الأرض، والآخر يملك حرية اختراق مجالها الجوي وضرب منشآتها، وتمنع التفاهمات حربا جديدة، لكنها تسجل أيضا اختلالا في توزيع القرار.
الوكالة الدولية بين القيد والاستعادة
لا يمثل التعاون مع الوكالة تنازلا تلقائيا عن السيادة، فلدى سوريا اتفاق ضمانات نافذ منذ عام 1992، ويمكن للتفتيش الدولي أن يساعدها على إغلاق ملف استخدم سابقا مبررا للضربات والعقوبات.
يتوقف أثر العملية على دور المؤسسات السورية، فإذا شاركت هيئة الطاقة الذرية في كافة مراحل العملية، تصبح الوكالة أداة تساعد الدولة على استعادة معرفتها بأرضها.
أما إذا بقيت شروط العملية سرية واقتصر الدور السوري على فتح الموقع تحت ضغط التهديد الإسرائيلي، تصبح الوكالة غطاء قانونيا لقرار صيغ خارج الدولة، فالسيادة لا تعني رفض التفتيش، بل امتلاك المعلومات والقواعد التي تنظمه.
تركيا وظل الصراع الإقليمي
لم يقدم تقرير “أكسيوس” دليلا على مساعدة تركية للحكومة السورية في الوصول إلى المواد، واقتصر الأمر على مخاوف “إسرائيلية” من وجود دور تركي.
إدخال أنقرة في الرواية يحول الموقع من ملف سوري نووي إلى نقطة ضمن التنافس الإقليمي.
تنظر “تل أبيب” إلى أي وجود تركي في منشأة سورية باعتباره توسعا في النفوذ التركي، فتصبح حركة محدودة قرب مستودع مجهول مؤشرا على توازن القوى بين دولتين إقليميتين.
ترتفع القيمة السياسية للموقع رغم محدودية القيمة العسكرية للكعكة الصفراء التي تقول المصادر الأميركية إنها مخزنة داخله.
هل القضية تقنية فقط؟
يمكن النظر إلى العملية بوصفها إجراء فنيا لإزالة مواد خطرة، وهذا التفسير لا يشرح عاما من المباحثات الأميركية – “الإسرائيلية”، ولا قصف المداخل المزعوم، ولا التهديد بضربة جديدة، ولا إدخال تركيا في الحسابات.
الكعكة الصفراء ليست يورانيوم مخصبا ولا تصلح مباشرة لصنع سلاح نووي، كما أن استخدامها في قنبلة إشعاعية أقل فاعلية من مصادر عالية النشاط مثل السيزيوم والكوبالت، وتبقى طبيعة “البقايا” الأخرى مجهولة، ولا يمكن قياس الخطر التقني بصورة مستقلة.
يرجح هذا الغموض أن جوهر الصراع لا يتعلق بنوع المادة وحده، بل بالجهة التي تسيطر عليها وبما يرمز إليه الوصول إلى الموقع.
ما الذي يبقى بعد خروج المواد؟
لن تكشف عملية النقل وحدها موقع السيادة السورية، بل ما سيبقى داخل مؤسسات الدولة بعد مغادرة الشحنة.
انتقال ملف المنشأة وبياناتها إلى سلطة دمشق يضع إرث الكبر ضمن ممكناتها، بينما يعني استمرار الغموض أن واشنطن منعت الغارة من دون معالجة اختلال القرار الذي جعل موقعا سوريا خاضعا لتوازنات خارجية.
يشكل انتهاء التهديد “الإسرائيلي” بعد إزالة المواد الاختبار الأوضح، فاستمرار المراقبة والتهديد سيكشف أن القضية لم تكن مرتبطة بالمخزون وحده، بل بادعاء “تل أبيب” حق تحديد ما تفعله سوريا داخل أراضيها، عندها تبقى السيادة معلقة على تفاهم تديره واشنطن ويتغير مع كل خلاف جديد.
ما بعد “الموقع 99”
لا يقاس نجاح السلطات السورية بإتمام نقل المواد، بل بمدى استعدادها لكشف الأساس القانوني للاتفاق وإخضاع إدارة الموقع للمؤسسات المختصة.
استمرارها في الاكتفاء بتأكيدات عامة حول التعاون مع الوكالة، من دون توضيح الجهة التي تفاوضت أو مصير المواد، يبقي القرار خارج المساءلة ويظهر عجزها عن تقديم رواية وطنية لعملية تجري داخل أراضيها.
تنفيذ ترتيبات حددت واشنطن و”تل أبيب” سقفها الأمني، من دون إعلان حدود الالتزام السوري، لا يستعيد السيادة بل يرسخ قبول السلطات بصيغة مشروطة منها.
المعيار ليس خروج الشاحنات، وإنما امتلاك الدولة خريطة الموقع وقرار التصرف به واستعدادها لإخضاع هذا القرار للمساءلة العامة.
«الموقع 99» ومعركة السيادة
وزن النفوذ في ملف الموقع 99
جوانب السيادة السورية (تقييم)
الدول والجهات الفاعلة – مستوى المعرفة والتحكم
| الجهة | المعرفة بالموقع | التأثير على القرار | القدرة على التحرك |
|---|---|---|---|
| سوريا (دمشق) | متوسطة | محدود | مرتفع (قانوني) |
| الولايات المتحدة | مرتفع جداً | مرتفع | مرتفع |
| إسرائيل | مرتفع جداً | مرتفع (تهديد) | مرتفع عسكرياً |
| الوكالة الدولية للطاقة الذرية | مرتفع | متوسط | محدود (تقني) |
| تركيا | مخاوف إسرائيلية | منخفض | متوسط |
الخط الزمني للأحداث الرئيسية
خلاصة تحليلية – ما بعد «الموقع 99»
- أزمة معرفة: غياب السجلات السورية جعل الموقع معروفاً للخارج أكثر من الداخل، وفاقم فجوة السيادة.
- القرار الخارجي: واشنطن حددت سقف التحرك الإسرائيلي، وأدخلت الوكالة الدولية، بينما كان دور دمشق هامشياً في تحديد الشروط.
- إسرائيل توسع حدودها الأمنية: تهديداتها بالقصف ومراقبة المنشأة جعلت الأراضي السورية نطاقاً أمنياً خارجياً لها.
- الوكالة الدولية: يمكن أن تكون أداة استعادة السيادة إذا شاركت سوريا في كل مراحل العملية، أو غطاءً لقرار خارجي إذا اقتصر دورها على التسهيل.
- تركيا كظل إقليمي: إدخال أنقرة في الرواية يحول الملف من تقني إلى تنافسي، ويرفع قيمته السياسية رغم محدودية المواد.
- المعيار الحقيقي: ليس خروج المواد، بل امتلاك دمشق خريطة الموقع وقرار التصرف به وإخضاعه للمساءلة العامة.

