في 11 آب 2026، اجتمع في عمان رؤساء أركان الأردن وسوريا والعراق مع وزير شؤون البيشمركة لبحث أمن الحدود والتهديدات العابرة للدول.
يكشف ترتيب الحاضرين والمكان والتوقيت خريطة أكبر من جدول الأعمال المعلن، حيث شارك قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر في لقاءات موازية، وتزامن الاجتماع مع تسليم قيادة قوة التحالف العاملة في العراق وسوريا داخل مقرها الأردني.
كانت الحرب الأميركية – الإيرانية بلا تسوية، ومضيق هرمز مغلقا أمام الحركة الطبيعية، فيما وصلت الصواريخ الإيرانية إلى قواعد أميركية في الأردن، ووصل الرد الأميركي السعودي إلى مواقع فصائل عراقية مرتبطة بطهران.
بحث المجتمعون منع المساحات بين عمان والحسكة والأنبار من التحول إلى جبهة خلفية لحرب ألغت المسافة بين الخليج والمشرق.
خريطة تحت طاولة الاجتماع
مثل يوسف الحنيطي، رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية، دولة تستضيف قوات أميركية وتحولت أراضيها إلى هدف في الحرب.
وجاء علي نور الدين النعسان، رئيس هيئة الأركان السوري، من سلطة تنظم مؤسساتها على حدود موزعة بين “الجيش” وقوى محلية ووجود أجنبي، حمل عبد الأمير رشيد يارالله، رئيس أركان الجيش العراقي، معضلة حماية خط حدودي طويل وضبط جماعات تستطيع خياراتها إدخال العراق في مواجهة تتجاوز قرار حكومتهن أما حضور شورش إسماعيل، وزير شؤون البيشمركة في حكومة إقليم كردستان، فيعكس سلطة البيشمركة الفعلية على جزء من المجال الحدودي الشمالي.
كشف الاجتماع الفرق بين الحدود القانونية ومجال السيطرة، فالسيادة مسجلة باسم الدول، لكن إدارة الأرض موزعة بين الجيش العراقي وحرس الحدود والحشد الشعبي والبيشمركة، وبين ما يسمى الجيش السوري وقوى أمنية محلية وترتيبات انتقالية في الشمال الشرقي.
جمعت عمان أصحاب القدرة الميدانية، لا أصحاب الصفة وحدهم، وأكد البيان الأردني تبادل المعلومات والاستعداد لتحديات مستجدة، أي بناء قدرة مشتركة على رؤية الحركة عبر هذه المساحات قبل وصولها إلى الهدف.
حرب ألغت المسافة بين الخليج والبادية
لم يضم اجتماع عمان قادة ينتمون إلى جبهة عسكرية واحدة، بل المسؤولين عن المساحات التي تحولت إلى ممرات للحرب الأميركية–الإيرانية.
منذ بدء الضربات الأميركية و”الإسرائيلية” على إيران في 28 شباط، امتد الصراع عبر القواعد والمجالات الجوية والطرق البرية المحيطة، وفي تموز، استهدفت إيران قوات أميركية في الأردن، بينما شنت الولايات المتحدة والسعودية ضربات على جماعات موالية لطهران في العراق، وأعلن الجيش الأردني اعتراض خمسة صواريخ إيرانية.
تكشف هذه الوقائع معنى حضور الحنيطي والنعسان ويار الله وشورش إسماعيل وقائد القيادة المركزية الأميركية في غرفة واحدة، فكل منهم يدير جزءا من المجال الذي تحركت عبره الحرب، ولا يستطيع أي طرف ضبطه منفردا.
أعادت الحرب تعريف الحدود التي ناقشها المجتمعون، فلم تعد الحدود السورية–الأردنية مرتبطة بالتهريب وحده، ولا الحدود السورية–العراقية محصورة بتسلل عناصر داعش، فالصاروخ المنطلق من إيران يعبر مجالات جوية متعددة قبل وصوله إلى قاعدة في الأردن، والطائرة المسيرة الخارجة من العراق تستدعي ردا أميركيا أو خليجيا، وإغلاق مضيق هرمز يرفع أهمية الطرق التي تصل النفط العراقي بالساحل السوري، بينما يحول اضطراب سجون شمال شرقي سوريا آلاف المعتقلين إلى عبء أمني عراقي وإقليمي.
كان أمن الحدود في اجتماع عمان عنوانا لمحاولة بناء منظومة إنذار وتبادل معلومات تربط الطرق والمعابر والسجون وخطوط الطاقة والدفاع الجوي ضمن مسرح أمني واحد.
العراق يحرس الحدود بقوى تختلف في تعريف العدو
تمتد الحدود العراقية السورية لنحو 618 كيلومترا، وتقول وزارة الداخلية العراقية إنها بنت سبع سويات من العوائق والمراقبة وثلاثة خطوط دفاع تتولاها قوات الحدود والجيش والحشد الشعبي.
تكشف هذه البنية قوة التحصين ومشكلته في آن، فبعض تشكيلات الحشد وثيقة الصلة بإيران، بينما تنظر واشنطن إلى الشبكات المسلحة المرتبطة بطهران بوصفها امتدادا للتهديد الإيراني، وتصبح القوة الموجودة في خط الحماية جزءا من النزاع السياسي حول الجهة التي يراد منعها من عبور الخط، فتفاصيل الانتشار العراقي تظهر أن الجدار الهندسي لا يحل خلاف السلطة على تعريف الخطر.
تحتاج بغداد إلى أربيل لتأمين الشمال، وتحتاج أربيل إلى اعتراف إقليمي بدورها، ويثبت حضور البيشمركة أن المركز العراقي لا يحتكر أدوات السيطرة على كامل حدوده.
ينشأ الأمن من التفاوض بين مؤسسات اتحادية وإقليمية وتشكيلات مسلحة، ثم يدخل العامل الأميركي لتنسيقها، ويتمثل السؤال العراقي في منع الهجمات من دون تحويل آلية الحماية إلى وسيلة تعيد ترتيب التوازن الداخلي.
سوريا تتحول من ساحة عبور إلى عقدة طاقة
غيرت أزمة هرمز الوظيفة الاقتصادية للحدود الشرقية السورية، فأعيد فتح معبر ربيعة–اليعربية في نيسان بعد إغلاق دام أكثر من عقد، وبدأ العراق نقل النفط والفيول بالشاحنات إلى سوريا تمهيدا لشحنه من مرافئ المتوسط.
الطريق البري أعلى كلفة وأقل قدرة من الناقلات البحرية، لكنه يمنح بغداد منفذا يتجاوز المضيق، ويمنح سوريا موقعا في شبكة الطاقة بين العراق والبحر، وتقرير رويترز عن إعادة فتح المعبر يربط الخط مباشرة بتعطل المسارات الخليجية.
تحتاج حماية الطريق إلى تعاون “الجيش السوري” والقوات العراقية والبيشمركة والسلطات المحلية، وتتحول مسألة إدماج الشمال الشرقي بذلك من شأن داخلي إلى شرط لاستمرار ممر إقليمي، ويهدد أي نزاع على إدارة المعبر تجارة تتجاوز سكان المنطقة.
ظهر الترابط نفسه في ملف “داعش”، فنقلت القوات الأميركية أكثر من 5700 معتقل من سجون سورية إلى العراق بعد تغير السيطرة في الشمال الشرقي، ويظهر البيان الأميركي الخاص بتسليم قيادة التحالف أن إدارة المعتقلين أصبحت مهمة إقليمية، فانتقل العبء من أرض سورية إلى سجون عراقية عبر قرار أميركي وتنسيق متعدد الأطراف.
الأردن: مركز إنذار أم جبهة أميركية متقدمة؟
دخل الأردن هذه المنظومة من بوابة مختلفة، حيث اتفقت عمان وسلطة دمشق في كانون الثاني 2025 على لجنة مشتركة لمكافحة تهريب السلاح والمخدرات ومنع عودة “داعش”.
كان التهديد يتحرك ببطء عبر الأرض عبر مهربين وشحنات ومجموعات صغيرة، وأضافت الحرب الصواريخ والمسيرات والقواعد الأميركية إلى الحساب، وأصبح الأردن مطالبا بحماية حدوده الشمالية، واعتراض أهداف جوية، واستضافة قيادة التحالف، والتنسيق مع جيوش تتباين علاقتها بواشنطن وطهران.
يمنح الموقع عمان ثقلا سياسيا، لكنه يرفع كلفة ارتباطها بالبنية العسكرية الأميركية، ويوفر الوجود الأميركي مظلة إنذار ودفاع، ويمنح إيران سببا لإدراج الأراضي الأردنية ضمن خريطة الرد.
تريد عمان تنسيقا يوزع العبء ويحولها من هدف منفرد إلى مركز اتصال.
من يملك حق تسمية التهديد؟
تخفي عبارة “سبل تعزيز التنسيق والتعاون لمواجهة مختلف التهديدات والمخاطر العابرة للحدود” الواردة في البيان الرسمي للقوات المسلحة الأردنية خلافا جوهريا، فتراها واشنطن في إيران والجماعات المتحالفة معها وفلول “داعش”، وتنظر عمان إليها في الصواريخ والتهريب وأي فوضى جنوب سوريا.
اما العراق فيفسرها في تسلل التنظيم وفي ضربة يمكن أن تستدعي ردا داخليا خارج قرار الدولة، بينما تحتاج سلطة دمشق إلى توسيع التعريف ليشمل التوغلات “الإسرائيلية” وخرق مجالها وسيطرتها على المعابر، وهي قضايا لا تظهر في البيان المشترك.
يحدد الطرف الذي يصوغ قائمة الأخطار وظيفة الآلية الجديدة، فإذا احتكرت القيادة المركزية الأميركية المعلومة والتنسيق، تتحول الحدود السورية والعراقية إلى طوق لحماية القواعد الأميركية واحتواء إيران.
إذا امتلكت الدول غرفة اتصال وقواعد اشتباك متفقا عليها، يمكن للآلية أن تمنع أراضيها من استخدامها لإطلاق الهجمات، وتحمي التجارة، وتلاحق خلايا “داعش” وشبكات التهريب من دون منح واشنطن قيادة المجال الأمني كله.
الاختبار يبدأ مع الإنذار الأول
تتحدد قيمة اجتماع عمان عند الأزمة المقبلة؛ عندما يصبح تبادل المعلومات وسرعة الاستجابة معيارين لجدوى التنسيق المعلن.
ستكشف الاستجابة من يجمع البيانات، ومن يصدر الأمر، وأي تهديد يحظى بالأولوية، وهل تتبادل الأطراف الالتزامات أم المعلومات فقط.
تمتلك سوريا فرصة للانتقال من موقع الساحة التي تعبرها قوى الآخرين إلى موقع الدولة المشاركة في تعريف أمن المشرق، ويتطلب ذلك سيطرة على المعابر، وسلسلة قيادة واضحة في الشرق، وحقا متكافئا في صياغة قائمة التهديدات.
اجتماع عمان رسم البنية الأولية، لكن الحرب الأميركية الإيرانية تركت سؤالها الأصعب مفتوحا، فهل يبني المشرق أمنا مشتركا يحمي دوله، أم يبني نظام إنذار يحمي مواقع القوى الكبرى فوق أراضيه؟
من هرمز إلى اليعربية
مستوى السيطرة الميدانية على الحدود
شدة التهديدات المتقاطعة
الفاعلون الرئيسيون في اجتماع عمان
حدود المشرق ومعابرها الحيوية
| الحدود/المعبر | الطول (كم) | التحكم الفعلي | الأهمية الاستراتيجية |
|---|---|---|---|
| العراق – سوريا | 618 | الجيش + الحشد + البيشمركة | ممر تهريب، خط إمداد، وصول إلى البحر |
| الأردن – سوريا | ~375 | حرس الحدود الأردني + الجيش السوري | منع تهريب السلاح والمخدرات، درع للقواعد الأميركية |
| معبر اليعربية – ربيعة | — | سوريا والعراق (أعيد فتحه نيسان 2026) | بديل بحري بعد إغلاق هرمز، نقل النفط والفيول |
| الحدود العراقية – تركيا | ~367 | البيشمركة، الجيش العراقي | منطقة توتر مع أنقرة، وممرات لوجستية |
الخط الزمني للأحداث المؤثرة
خلاصة تحليلية – أمن المشرق بعد عمان
- إعادة تعريف الحدود: لم تعد الحدود مجرد خطوط ترسيم، بل أصبحت مساحات تعبر فيها الصواريخ والمسيرات، وتتطلب تنسيقاً متعدد الأطراف.
- دور القيادة المركزية الأميركية: مشاركة كوبر في لقاءات موازية تعكس أن واشنطن هي المحرك الرئيسي للتنسيق، لكنها تضع الدول في موقف حماية المصالح الأميركية.
- العراق بين المطرقة والسندان: يمتلك أقوى تحصينات حدودية، لكن وجود الحشد الشعبي المرتبط بإيران يجعله جزءاً من المشكلة.
- سوريا عقدة الطاقة: معبر اليعربية يمنح دمشق موقعاً في شبكة الطاقة الإقليمية، لكن حمايته تتطلب تعاوناً مع قوى محلية وأجنبية.
- الأردن جبهة متقدمة: استضافة القيادة الأميركية تجعله هدفاً إيرانياً، لكنها تمنحه ثقلاً سياسياً وقدرة إنذار مبكر.
- الاختبار الحقيقي: هل سيبني المشرق أمناً مشتركاً يحمي دوله، أم نظام إنذار يحمي مواقع القوى الكبرى؟

